النَّجف... القلق على عاصمة الثَّقافة 2012!

بقلم: رشيد الخيّون

مِن المؤمل أن تحتفل الثَّقافة الإسلامية في دورتها لهذا العام (2012) بالنَّجف، وبلا شك أن النَّجف جديرة بهذا اللقاء، كدارِ فقهٍ، وأدبٍ، وصحافةٍ، وأسواق كُتبٍ، ومكتبات عريقة، وحافظةٍ للعربية. لذا في وضع العِراق الحالي نحن على قلقٍ مِن أن لا يُقدم وجه النَّجف الثَّقافي على أحسن وجه. لا يهمنا تسهيل الضِّيافة، فله أهميته، لكن الأهم هو روح النَّجف، تلك التي كانت متشددة في مظهرها والمنفتحة في باطنها، ومعلوم لا تلد النَّجف جهابذة الشِّعر العربي إذا لم تكن كذلك.

استرعت انتباهي معلومة، وردت في كتاب "حديث الجامعة النَّجفية" (1953)، أن الدَّولة العثمانية خاطبت مرجعية النَّجف في الموافقة على إدخال نظرية "النشوء والارتقاء" لتشالز داروين (ت 1882) المعروفة بـ"أصل الأنواع"، بعد أن أنجز ترجمتها اللبناني شبلي شميل (ت 1917)، فعقد مراجع الدِّين اجتماعاً وأفتوا بجواز إدخال الكتاب إلى العِراق، على أن يحق لهم نقضه! بعد حين ردَّ عليه الشَّيخ محمد جواد البلاغي (ت 1932). وبالفعل أطلعت على كتاب "الرِّحلة المدرسية بحوث في التَّوراة والإنجيل" للشَّيخ البلاغي، وكان بين فصولها "الرَّد على داروين". لكنها حذفت مِن طبعة الكتاب (1992)، وذلك أحسبه تجاوزاً على المؤلف والكتاب. قيل إن الشَّيخ البلاغي تعلم العبرية مِن مخالطة يهود العراق، ويعرف الإنجليزية والفارسية.

يغلب على الظَّن كان السَّاعي في إدخال كتاب داروين إلى العِراق هو الشَّاعر جميل صدقي الزَّهاوي (ت 1936)، ذلك إذا علمنا أنه كان عضواً في مجلس "المبعوثان" العثماني، بعد بعث المشروطية (الدُّستور) العثماني عام 1908، فهو القائل: "المذهب القوي في رأيي هو مذهب داروين... ولم يتبعه غيري قبلي، وقد شاع بسببي في العراق" (الرُّشودي، الزَّهاوي دراسات ونصوص).

تلك المعلومة تنبيك عن انفتاح طاغ بالنَّجف، لكنه مستور، كذلك يخرج بالتَّصور نفسه مَن يقرأ كتاب "شعراء الغري" (12 مجلداً) لعلي الخاقاني (ت 1979)، و"هكذا عرفتهم" (ثلاثة مجلدات) لجعفر الخليلي (ت 1985) وغيرهما العديد. بعد قراءة تلك المجلدات ستجد للشِّعر بالنَّجف منزلته، ولا يُحرم مهما كان نقداً لاذعاً لعلماء الدِّين أنفسهم.

هناك ثلاث مراحل، لا يكون المعمم مجتهداً إذا لم يدرسها: المقدمات، أو علوم الجادة (الخاصة في فقه اللغة العربية)، والسطوح، ودرس الخارج، وتلك المراحل الثَّلاث ليست فصولاً أو مدارسَ نظامية، إنما الكُتب هي التي تميز بينها، فبعد أن ينتهي الطَّالب مِن دراسة فقه اللغة يتحضر لدراسة كتب الفقه، يتفق مع شيخ وعليه تدريسه مجاناً، مثلما هو تعلم مجاناً.

ويسرد أحد تلامذة وشعراء النَّجف مصطفى جمال الدِّين (ت 1997) خصائص النَّجف الأدبية والعلمية، وهو محق عندما يقول: "تمتاز هذه المدينة بخصائص يندر وجودها في مدن العراق" (الدِّيوان). ذلك لأنها مدينة الوافدين، مِن الزُّوار لضريحها العلوي، ومِن المجاورين له، وطلبة العِلم، وكم أُسرة علم وأدب كانت مهاجرة إليها في الزَّمن الغابر، فاتخذتها موطناً. إلى جانب ذلك أنها على الرَّغم مِن تلك الهجرات الأعجمية لكنها حافظت على شمائلها العربية، بل إن حرصها على تعليم العربية لمَن طلب العِلم فيها، مِن أي البلدان والأقوام كان، جعلها حافظة للعربية الفصحى.

ليست للنَّجف نوادي بغداد وسينماتها، بل حتى الراديو كان محرماً عفوياً على معمميها، بل إن التَّصفيق كان يُعد حراماً وعيباً، حتى أُعتبر تصرف الشَّاعر المغترب أحمد الصَّافي النَّجفي (ت 1977) خروجاً على تقاليد المناسبات بتصفيقه بين الجمهور، وسط وجوم واستغراب واستنكار الزعامة الدِّينية والاجتماعية، وذلك عندما اتفق مع صديقه صالح الجعفري (ت 1979)، وهو متمرد آخر حسب ما تخبرنا به قصائده وسيرته، أن يبادر إلى التَّصفيق بعد قول الجعفري: "فحيوا بالسَّلام مصفقينا"، وحصل أن صفق الصَّافي وتبعه الشَّباب بالتَّصفيق، فشكاه القوم عند أخيه والقيم على أمره، وعدَّت في حينها بدعة وضلالة (العاتي، أحمد الصَافي النجفي غربة الرُّوح ووهج الإبداع).

لكن لم تمنع شدة التقاليد، لأنها ظاهرية أكثر منها مصمتة في الدَّواخل، انتشار قصائد مثل: "أين حقي" لبحر العلوم (ت 1992)، و"الرجعيون" للجواهري (ت 1997)، و"هذبوها" للجعفري انتشار النَّار في الهشيم. دققوا ملياً في ما قاله صاحب القصيدة الأخيرة صالح الجعفري: "تصك بلادي آذانها/إذا الطَّيرُ رتل أنشودته/وتنصت مصغيةً إن رغى/بها الظَّأن يسرد أحدوثته" (شعراء الغري).

فمِن تقاليد النَّجف ما في عقلك وداخل بيتك مِن حقك، لكنها تثور بقوة على مَن يحاول خدش حجابها الظَّاهر، ومِن هذا الصِّراع ولدَ الأدب والشِّعر قوياً جزلاً ناطقاً بالتقدم والحرية سيالاً على ألسنة الكبار مِن آل الجواهري وآل الشّبيبي، وآل كاشف الغطاء، وآل بحر العلوم، وآل الشَّرقي، وآل الجزائري، وعائلات أُخر أخذ يتناقل في أجيالها الشِّعر مِن الأجداد إلى الأبناء والأحفاد.

ليس في أعراس النَّجف غناءٌ وموسيقى بل ولا مظاهر فرح، والجنائز تردها ليل نهار، حتى قال فيها الصَّافي النَّجفي: "فصادرات بلدتي مشايخ/ وواردات بلـدتي جنائـز" (الخليلي، هكذا عرفتهم). لكن ذلك المشهد القاتم دفع النَّجفيين إلى إلى مقاومته بالدُّعابة، وإحياء المناسبات بتهادي القصائد، وهناك مَن جمع مِن إخوانيتها المجلدات، وظلت النَّجف تمارس الارتجال في الشعر، وقرأت أن مِن التقاليد النَّجفية السابقة هناك مَن ينشد القصائد لشعرائها، أحسب ذلك اعتزازاً بالقصيدة كي تنشد بصوت شجي وإلقاء مميز، فليس الشُّعراء كلهم كالجواهري يسحر بشعره وإلقائه.

بهذا الزَّخم الأدبي والثَّقافي التَّاريخي سيقصد وزراء الثَّقافة مِن مختلف البلدان، بصحبة المثقفين والشُّعراء، فماذا أعدت النَّجف لهذه المناسبة، وهي المختارة ضمن برنامج عواصم الثَّقافة الإسلامية، ومِن قِبل "المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثَّقافة"، والبداية كانت بمكة 2005، ثم حلب 2006، فطرابلس 2007، والإسكندرية 2008، والقيروان 2009، وتريم 2010 وتلمسان 2011.

ما قرأناه وسمعناه كان محبطاً، فالخمسمائة مليون دولار للصرف على تهيئة النَّجف كي تستقبل المناسبة منذ 2009 تعرضت للفساد، والتراشق بالتصريحات لم يهدأ، وأخبار التأجيل ونفيها تملأ الصُّحف. نعلم أن هناك من هم غير جديرين، بل وغير مؤتمنين لا في السِّياسة ولا في الثَّقافة ولا في الثروة، فلا يجيدون سوى الخيبات. لهذا يأخذنا القلق على ما للنَّجف مِن صِيت مدوي وصورة بهية يسبقان القادمين إلى مؤتمرها الثَّقافي الدُّولي.

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com