النيو صعاليك شهود على عصر الانحطاط الجديد

بقلم: الخير شوار
يحيا الفلس والجدعنه

اختير الشاعر المصري الشهير أحمد فؤاد نجم في وقت سابق من قبل المجموعة العربية في "النداء العالمي من أجل مكافحة الفقر" ليكون سفيرا للفقراء في العالم إلى جانب الزعيم الأفريقي الكبير نيلسون مانديلا. وفور اختياره لذلك الدور قال أحمد فؤاد نجم بروحه الساخرة المرحة "سأشكّل حكومة عالمية للدفاع عن مصالح الفقراء، وستضمّ في عضويتها السيّد المسيح والإمام علي بن أبي طالب والصحابي أبي ذر الغفاري."
ويمثل أحمد فؤاد نجم نموذجا للشاعر المتمرد إلى درجة أنه اعتبر أحد أحفاد الصعاليك بامتياز، وقد عرف رفقة المطرب الملتزم الراحل الشيخ إمام عيسى من خلال الأغاني المتمردة على السلطات المصرية وحتى العربية خاصة في سبعينيات القرن الماضي.
ورغم الشهرة المنقطعة النظير التي يتمتع بها أحمد فؤاد نجم، فلا يزال حتى الآن يعيش في بيت شعبي قمة في التواضع في هضبة المقطم الشعبية، لا يمتلك مالا، ولا يرتدي إلا اللباس المصري التقليدي، لكنه وهو في سن الشيخوخة مازال معارضا شرسا، يمشي في المظاهرات ويفضح الظالمين إلى النهاية.
وعندما سئل نجم عن ممتلكاته قال ساخرا "أنا أمتلك سبعين مليون كاملة."، ويقصد بها عدد سكان مصر الذين أحبوه، لكن الحقيقة أن ثروته الحقيقية تتجاوز ذلك إلى أكثر من 300 مليون، وهو عدد سكان العرب، مضاف إليها الملايين الذين أحبوه من الشعوب غير العربية، ومن أطرف ما كتب "الصعلوك" أحمد فؤاد نجم ما جاء في قصيدته "أصل الحكاية": زي النهار ده من كام سنه مفيش لزوم للعد والحسبنه
أصل الحكايه عد عمرك يا جحا
قال يوم مفلس وخمسه سته عكننه
فلس.. فلس.. فلس يحيا الفلس والجدعنه
وليس أحمد فؤاد نجم وحده من احترف الصعلكة بمفهومها النبيل وكان خير خلف لعروة بن الورد وأمثاله، فغيره كثير ممن تمردوا على المؤسسة الرسمية، ومن أشهر صعاليك مصر المعاصرين الكاتب الساخر محمود السعدني وهو شقيق الفنان صلاح السعدني، والذي ولد سنة 1927، وقد كان مؤهلا للانضمام إلى فرقة نجيب الريحاني المسرحية، لكنه يوم موعد التجريب كان قد توفي الريحاني نفسه سنة 1949، وكان السعدني لمدة طويلة مثالا للصعلكة والإفلاس، فنام على الأرصفة وذاق الجوع والتشرد، ثم في سن متأخر تحسنت حاله وأصبح ميسور الحال يدخل الفنادق الفخمة ويقيم فيها لكن روح الصعلكة الحقيقية لم تفارقه.
وتعرض السعدني لألوان من الفقر والإفلاس، لكنه كسب الأموال وتدفقت عليه من غير أن يحتسب وعرف طوب الأرض كما يقولون من الفلاح البسيط إلى اللص الشرير وحتى الملوك والباشوات والمليونيرات ونام على الأرصفة، ثم نام في أشهر وأفخم فنادق أوروبا، لكنه ظل كما هو لم يتغير، وبقي وهو الميسور الحال، لا يحب أكل الفنادق والمطاعم الفخمة ويحب الأكلات الشعبية المصرية مثل الطواجن ولحم الرأس والفتة بالخل والممبار والكوارع وغيرها.
ولعل أشهر جماعة متصعلكة في القرن العشرين هم جماعة "تحت السور" في ثلاثينيات القرن العشرين بتونس، وكانت تضم خيرة الشعراء والفنانين الهامشيين من أمثال علي الدوعاجي، ومحمود بيرم التونسي، ومصطفى خريف، والهادي لعبيدي والهادي الجويني وغيرهم، وقد تشكلت تلك الجماعة الهامشية في تونس العاصمة في مقهي بحي "باب السويقة" الشعبي، وكانوا يفتحون نقاشات بلا حدود، بسقف حرية غير محدود، لكنها بالمقابل كانت جماعة هامشية بكل معاني الكلمة، وكان من (ضحاياها) الكاتب علي الدوعاجي الذي توفي في الأربعين من عمره مدمنا على الحشيش، متأثرا بالسل، ولم يمش في جنازته إلا عدد محدود جدا من الناس، لكنه كان كاتبا متميزا، وقد خلَّف كتابات جيدة منها مجموعة قصص بعنوان "جولة بين حانات البحر المتوسط".
ومن أشهر صعاليك الجزائر الكاتب الراحل علي بن عاشور الذي ينتمي زمنيا إلى جيل السبعينيات، لكنه كان متمردا على تلك الشعارات ساخطا عليها، متهكما بها، وعاش حياة ضياع وصعلكة حقيقية في فرنسا، وكتب في مجلات عربية مرموقة، وله كتابات متميزة في أرشيفات المجلات. وقد عاش في أواخر حياته القصيرة في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، ثم انتقل إلى تونس، وهناك توفي نتيجة لتعرضه لحادث مرور قاتل، ولم تتناول وسائل الإعلام موته بشكل كاف فقد عاش هامشيا ومات هامشيا.
أما في المغرب فخير من يمثل حياة الصعلكة الكاتب الراحل محمد شكري صاحب كتاب "الخبز الحافي" الشهير، الذي يؤرخ لحياة قاسية إن كانت تسمى حياة فعلا وعاش في الهامش أميا لا يقرأ ولا يكتب إلى أن تجاوز العشرين من عمره، لكنه أصبح بعد ذلك من أشهر الكتاب العرب ومات منذ سنين وقد خلف ثروة معتبرة أوصى بها لخادمته لأنه لم يتزوج، وحرم إخوته وأهله من ذلك الميراث.
ولا يمكن الحديث عن الصعاليك الجدد دون الحديث عن الشاعر الفلسطيني الراحل محمد القيسي الذي أطلق عليه زميله الراحل محمود درويش لقب "أمير الصعاليك"، فقبل رحيله كان مثالا للشاعر المتشرد المتمرد، وقد ارتبطت الصعلكة عنده بالرحيل الدائم.
وهناك فئة أخرى من الصعاليك الجدد جدا، وهم طائفة من المدونين على الإنترنت، الذين وجدوا في تلك الوسيلة التكنولوجية الحديثة فضاء للرفض المطلق، وتأسيس أوطان بديلة ولو افتراضية، ويبقى هؤلاء الصعاليك المدونين مجهولين، فكلهم يتخذ أسماء مستعارة.
إن الصعلكة بمفهومها النبيل لم تتوقف عند عروة بن الورد والشنفرى وتأبط شرا، القدماء، بعض الصعاليك الجدد من المدونين خاصة، يستعيرون تلك الأسماء الكبيرة في سبيل مواصلة رسالة التصعلك التي لا تنتهي وإن اختلفت أساليبها من عصر إلى آخر. الخير شوار ـ الجزائر