النيل والفن في لوحات صداحة

قلم: صلاح بيصار
الريف والنيل لمحمد مكاوي

ومازال النيل يجري. ومازالت الحياة تتوهج بنور الحضارة التي صنعها من أعماق التاريخ إلى آفاق الحاضر. تلك الحضارة التي تألقت على ضفتيه. وهو "حابي" عند الفراعنة سيد الأسماك والطيور وجالب النماء. تصوره المصريون القدماء إنسانا وجعلوا منه إلها وتعهدوا ألا يلوثوا مياهه أو يمنعوا جريانه، وكانوا يقيمون له عيدا سنويا يسمى "وفاء النيل" يقام في أغسطس من كل عام. وقد تشكلت أسطورة إيزيس وأوزوريس فوق مياهه. أو ليس موكب مراكب الشمس وسمو زهور اللوتس في ملاحم تشكيلية من وحي فيضه؟

هذا المجرى الحيوي الذي يعد أطول أنهار العالم وأكثرها اتساعا يمتد بطول 6650 كم، ويغطى مساحة من الخصب تبلغ 3,4 كم مربع ويمر مساره بعشر دول أفريقية.

لقد صنع النيل تاريخ مصر وشيد حضارتها وخلع على أرضها ألوانا من السحر، فعرفت الجمال وأهدته إلى الفن الذي باح بالتعبير والتشكيل.

وها هو شوقي يقول:

من أي عهد في القرى تتدفق

وبأي كف في المدائن تغدق

ومن السماء نزلتَ أم فجرتَ من

عليا الجنان جداولا تترقرق؟

ويشدو محمود حسن إسماعيل في قصيدة "النهر الخالد":

سمعت في شطك الجميل

مقالة الريح للنخيل

يسبح الطير أم يغني

ويشرح الحبَّ للخميل

وأغصنٌ تلك أم صبايا

شربن من خمره الأصيل

يا نيل يا ساحر الغيوب

ولا شك أن ما قدمه الإبداع التشكيلي المعاصر، يمثل مساحة تجسد أسطورة النهر العظيم.

الشواديف لمحمود سعيد

ويعد ما قدمه الرائد محمود سعيد من أعمال عديدة من وحي النيل ذروة من ذرى الفن المصري الحديث. كما في لوحته الصرحية الضخمة "المدينة - 1937" التي تمتد باتساع يربو على ستة أمتار مربعة من النور والإشراق. تعد أيقونة متحف الفن المصري الحديث وتتألق بسحر بنات بحري مع المراكب الشراعية التي تقف على الماء وتعانق الأفق. وأيضا لوحته "الشادوف" ذات البناء المعماري والتجسيم والتنغيم وبلاغة التكوين، تتوحد بالنخيل والتلال وحاملات الجرار وسواعد الذين يقدمون ملحمة الأمل والعمل برفع المياه حتى تخضر الأرض.

كوبري الجلاء لمحمد ناجي

وتعد رائعة الرائد محمد ناجي "كوبري الجلاء – 1942" من بين بنات أفكار النهر الخالد نطل فيها على نيل القاهرة وموكب الأشرعة والخضرة الظلية المتمثلة في الزروع والشجار والنخيل وفتنة الأحمر الناري التي تاتلف بالزهور في قلب اللوحة.

ولقد فجر النيل ينابيع الفن عند الفنانة تحية حليم والتي قدمت أجمل أعمالها من وحي الرحلة التاريخية إلى النوبة عام 1962 على المركب النيلية "دكة" والتي ضمت 25 شخصية من نجوم الفن والفكر والثقافة. كما تشير عناوين أعمالها: "عيد وفاء النيل" و"مساكن عائمة على النيل" و"صياد السمك" مع السمرة النيلية التي تطل من لوحات بنات النوبة. وكلها أعمال تتألق بسحر الصورة.

وقد بلغت أسطورة النهر العظيم التشكيلية مداها في معرض الفنان الجنوبي فرغلي عبدالحفيظ أستاذ الفنون "النيل 2010"، والذي امتزج فيه الحاضر بالتاريخ والواقع بالأسطورة والحسية والروحية والخيال الفنتازي بعمق التشكيل في حواريات من الأزرق البهي والأصفر الناعس والأخضر اليانع من قوة الماء والخصب والصحراء مع دنيا البشر والأشرعة وقوارب الصيد.

ولقد جاءت أحدث لمسة تشكيلية حول النيل، هذا النهر الخالد، ما قدمه الفنان محمد مكاوي عميد كلية الفنون الجميلة في معرضه الذي يفتتح هذا الأسبوع بعنوان "القرى والنيل" بقاعة "نهضة مصر" بمركز محمود مختار الثقافي بجزيرة الزمالك. في هذا المعرض تشدو ريشة مكاوي الصداحة بسحر الطبيعة وغنائيتها على النيل من الزروع والاشجار والربى وانبساط الأرض مع صفاء الأفق والنخيل في أكثر من 30 لوحة زيتية تعيد سيرة بساطة الحياة في الريف ونقائها بعيدا عن المدن المزدحمة وطنين الآلة والتصارع والتطاحن البشري، وقد جعل من النيل أسطورته الخاصة والمسكونة بالحلم والشاعرية والنقاء في كثافة تعبيرية ورؤى بصرية تهمس وتخفق وتتوقد. تسمع فيها العين وترى بتعبير الفيلسوف العربي الكندي.

النيل لفرغلي عبدالحفيظ

وأعمال الفنان مكاوي ذات طابع ارابيسكي أخَّاذ، يتوحد فيها الإنسان مع المياه التي تبدو بروح عصرية، ولكن تعيد سيرة الإيقاع الفرعوني أو المصري القديم مع تلك البيوت التي تحتضن بعضها البعض. كل هذا بألوان تتميز بالشفافية والشاعرية.

يا أهل مصر المحروسة .. هذا هو النيل .. ملهم الشعراء والفنانين .. وصانع الحضارة المصرية أعظم حضارات التاريخ .. امتلئوا به وتمثلوه فهو ساكن فينا بمثابة القلب والوريد ونحن منه .. لعله يكون دائما ملهما لنا ودافعا على تواصل الإبداع.

وتحية إلى كل من ألهمهم نيلنا من الشعراء والأدباء والفنانين. أو ليست "ثرثرة على النيل" لأديب نوبل نجيب محفوظ من وحي إلهامه العظيم؟

صلاح بيصار ـ فنان تشكيلي وناقد مصري