النووي وواقع الحال في الخليج

بقلم: أحمد شهاب

كشف قادة دول مجلس التعاون الخليجي في منتصف كانون الأول/ديسمبر 2006 عن رغبتهم في امتلاك مفاعلات نووية على غرار المفاعلات النووية الأخرى في المنطقة، وتحديدا المفاعل الإيراني الذي يبدو أنه حرك السواكن في نفوس الدول العربية والإسلامية للدخول مجددا في النادي النووي، والتخلص من إرث الخوف والقلق من التقدم خطوة جديدة في هذا الحقل، بعدما كانت هذه الأماني المتجددة في حكم المحرمات.
قبل سنوات طويلة خاضت بعض الدول العربية تجارب أولية في هذا الاتجاه، لعل أبرزها تلك المبادرة المصرية في أواسط الخمسينيات، حيث بادرت إلى إنشاء لجنة الطاقة الذرية في موازاة البرنامج النووي الإسرائيلي بالتعاون مع فرنسا، لكن المشروع عانى من عدم توافر الإرادة السياسية التي تدعم استمراره، وبررت الحكومة تعليق البرنامج آنذاك بضرورة اتخاذ إجراءات احترازية بعد حادث تشيرنوبل.
وفي حزيران/يونيو1981 شن الطيران الإسرائيلي غارة على المفاعل النووي العراقي ودمره بالكامل، بعدما عجزت المحاورات الودية عن إقناع الرئيس العراقي استبدال اليورانيوم المخصب بوقود يقل فعاليةً عن اليورانيوم، وهو عبارة عن ماء خفيف بقوة ضغط لا تتجاوز (3,24) ويطلق عليه مسمى «كاراميل»، وهو مادة صالحة لإنتاج طاقة نووية للأغراض السلمية فقط، ويمنع استعمالها في تخصيب اليورانيوم لإنتاج السلاح النووي.
أما ليبيا فقد قررت في كانون الأول/ديسمبر 2003 التخلي طوعا عن برنامجها النووي وإلغاءه تماما، وكان الليبيون قد بدأوا برنامجهم في سبعينيات القرن المنصرم، لكنهم ما لبثوا أن فككوه بعد تعرضهم لضغوط أميركية ودولية كبيرة، وقرروا السماح للمفتشين الأميركيين والبريطانيين بتفقد المنشآت الليبية، والتأكد من خلوها من أي أنشطة نووية.
لكن السنتين الأخيرتين شهدتا أكثر من إعلان رغبة عربية بتملك برامج نووية، منها الرغبة المصرية، والتي تعتبر أرضا خصبة لنجاح البرنامج لما تمتلكه من خبرة سابقة في هذا المجال، وكذلك الرغبة الخليجية، التي أبدتها دول المجلس، لكن المقلق أن محور التفكير الذي يلازم المسؤولين عند الحديث عن الانضمام للنادي النووي لايزال يتوقف عند حيازة السلاح النووي، حيث يعتقد العديد من المسؤولين المؤيدين لتفعيل هذا البرنامج، ويوافقهم بعض أهل الرأي، بأن أهمية اقتحام دول المجلس هذا الحقل يكمن في ضرورة السعي لتحقيق توازن عسكري مقابل القوة الإيرانية، بينما يقلل المعارضون من أهمية الحاجة الفعلية لتحقيق هذا التوازن، اعتمادا على العلاقة الاستراتيجية بين دول الخليج والولايات المتحدة، تدعم الاستقرار في المنطقة دون الحاجة لبناء قدرات نووية.
ويغفل كلا الطرفين عن حقيقة مفادها أن القوة لا يُحققها إنشاء مفاعلات نووية لسببين أساسيين، الأول: أن الأغراض المخصصة لها مثل هذه البرامج، والتي ستجري تحت رعاية ومراقبة الدول الكبرى، إنما هي سلمية الطابع، والغرض منها توفير بدائل آمنة للطاقة، ولا يمكن أن تدعم هذه الدول برامج عسكرية بهذا الحجم، والسبب واضح هو أمن إسرائيل، وما يدور في بعض أروقة الإدارة الأميركية من ضرورة إنشاء مفاعلات خليجية مقابل المفاعل الإيراني هو محض هراء، هدفه توجيه رسالة تحذير للجمهورية الإسلامية، وليس تسليح الخليج نوويا.
والثاني: انه حتى لو وافقنا جدلا على إمكانية نجاح دول المجلس في تخصيب اليورانيوم والبلوتونيوم بنسبة مرتفعة جدا بما يؤهلها لإنتاج القنابل النووية، فإن مجرد التفكير في استخدامها يعد قرارا بتعريض دول الخليج لأضرار بالغة، إذ إن إنشاء مفاعلات نووية للأغراض المدنية والسلمية بحد ذاته تكتنفه العديد من المخاطر، فما بالك بالاستخدامات العسكرية؟
لذلك فإن على المسؤولين في دول المجلس التخلي عن التفكير في الأبعاد العسكرية من الطاقة، أو بطرق إيصال رسائل تحذير ورعب إلى هذا الطرف أو ذاك، والتفكير عوضا عن ذلك في المنافع التي يمكن للطاقة النووية أن تقدمها لهذه الدول، وذلك بناء على حاجاتها الحقيقية من الطاقة، فخبراءُ الطاقة يؤكدون أن دول المجلس تواجه في السنوات المقبلة ضغطا مضاعفا على طاقتها الإنتاجية من الكهرباء والماء، وبحسب تقرير مجلس الطاقة العالمي، فإن دول الخليج سوف تحتاج خلال السنوات العشر القادمة إلى ما يقارب 100 ألف ميجاوات من الطاقة الإضافية.
ينبغي على دول الخليج أن تفكر جديا في الفوائد التي يمكن أن تعود عليها من هذه الطاقة، كما يجب عليها التفكير في الضمانات الأكيدة لحفظ أمن المنطقة من إشعاعات الطاقة النووية ونفاياتها، وكل ذلك يجب أن يسبق التفكير في المكاسب السياسية والعسكرية، فمعظم دول العالم تعتمد على سد احتياجاتها من الطاقة الكهربائية على الطاقة النووية، حيث تشير التقارير إلى أن عدد الدول التي تستخدم الطاقة النووية تصل إلى 32 دولة، وهذا التوجه المتزايد نحو الطاقة النووية يُثقل على باقي دول العالم، ومنها دول الخليج، للعمل وبسرعة لخوض غمار هذا الحقل، ولا أعتقد أن الأمر يخلو من مجازفة، لكنني أعتقد أن حاجات المنطقة المتزايدة للطاقة، وضرورة إيجاد بدائل آمنة للطاقة، يستحق ذلك.
لكن منذ العام 2006 وحتى إعداد هذا المقال، لم يسجل أي تقدم جدي في هذا المضمار، ولم تثبت دول الخليج أنها جدية في توفير متطلبات الدخول إلى النادي النووي، فالعلامة الأولى للجدية هي توفير بيئة علمية ملائمة للتطور، فإنشاء مفاعلات نووية يتطلب خبرات علمية وفنية عالية، وهي غير متوافرة الآن، ولا توجد ثمة مؤشرات على إمكانية توافرها في المستقبل المنظور، ومن المقلق جدا أن تلجأ دول الخليج كالعادة في كل حقل إلى تسليم البرنامج بالكامل إلى الخبرات الأجنبية، لنصحو بعد سنوات على واقع ارتهان دولنا إلى الآخرين.
توفير بيئة علمية يعني باختصار توفير مراكز بحث علمية متخصصة تستوعب التحول المنشود، ويعني التخلص من إرث الممنوعات من التفكير، والثقة بأبناء الخليج لحمل همومه وأحلامه وتأهيلهم علميا وفنيا، فهم بالتأكيد أكثر حرصا على أوطانهم، وربما المطلوب لا يتسق مع الواقع القائم حاليا، والعقليات البسيطة التي تحارب العلم، وتلاحق طلبته في الخارج لتمنعهم من إتمام تعليمهم العالي، وتتفنن في تصدير قوانين رفض وإعاقة الاعتراف بالشهادات العلمية، لا تتناسب مطلقا مع ما يتطلبه الانتقال إلى عصر العلم والمعرفة. أحمد شهاب، كاتب كويتي ahmed.shehab@awan.com