النوخذة جمعة الرميثي: الغوص قديماً نفط ذلك الزمن..

بابي مفتوح لجميع أبناء الإمارات لنعلمهم 'تراثنا'

لم يقتصر مهرجان الغربية للرياضات المائية الذي تنظمه هذه الأيام لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية، في مدينة المرفأ بالمنطقة الغربية، بالتركيز فقط على المسابقات المائية والأنشطة البحرية التي تقام في قلب المهرجان، وإنما سلط الضوء على أهم المهن البحرية التراثية التي تُعدّ من أهم الحرف التى كان يمارسها الأجداد والآباء في الماضي.

وفي دورته السابعة المتجددة، يُبحر مهرجان الغربية بنا في رحلة بحرية تراثية عرفها الإنسان الإماراتي قديماً، رحلة الكد والبحث عن الرزق، رحلة مليئة بالمخاطر والتعب والمغامرات، يرويها لنا النوخذة جمعة محمد حبتور الرميثي رئيس جمعية الصيادين في المرفأ والمسؤول عن أحوال وأوضاع الصيادين في المنطقة الغربية بإمارة أبوظبي.

أبحر بنا النوخذة في سفينة ذكرياته إلى عبق الماضي، وبدأ حديثه معنا قائلاً: "علاقتي بالبحر علاقة قديمة جداً قدم التاريخ، والغوص قديماً نعتبره (عيشتنا الأولية) أي مصدر رزقنا للعيش، وهو نفط ذلك "الزمن الأولي" الزمن القديم، فهو مصدر الدخل الأهم عندنا في الماضي.

والغوص بحثاً عن اللؤلؤ يحتل مكانته اللائقة في التراث الشعبي لدولة الإمارات العربية المتحدة، فهو يبرز أصالة الإنسان في المجتمع الإماراتي، ونحن في زمننا الحالي نحرص حرصاً شديداً على المحافظة على مهنة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ والصيد وغيرها من الحرف والصناعات المرتبطة بالحياة البحرية التى عرفها ولد الإمارات وبرع فيها وورثها لأولاده من بعده".

وأضاف قائلاً: "أنا باعتباري نوخذه معروف منذ الخمسينات، أدعم جميع فئات الصيادين والغواصين ومحبي البحر سواء كانوا كباراً أو صغاراً، وبابي مفتوح لجميع أبناء الإمارات لنعلمهم تراثنا "الأولي" القديم وليستمر هذا التراث ينقله أبناؤنا الحاليين لأولادهم، ويتوارثونه جيلاً بعد جيل".

ويكمل حديثه ويقول: "سأخبركم اليوم عن مهنـــة الغوص بحثاً عن الجوهرة البيضاء مـــن أعماق البحر، التجهيز للرحلة يكون قبل شهر من إعلان النوخذه عن انطلاق الرحلة، حيث يتقدم البحارة الذين يرغبون في الذهاب للرحلة، وتبدأ الاستعدادات والتجهيزات".

وفي وقت إقلاع سفينة الغوص يكون على متنها النوخذه ومساعدوه وعدد من الغواصين ومساعد الغواص، وهو من يقوم برفع الغواص وسحبه من الماء. وبدون هؤلاء لا يمكن للسفينة أن تشق طريقها بحثاً عن المغانم.. فرحلة الغوص تحتاج إلى العمل الجماعي الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى رحلة غوص ناجحة.

ويشرح جمعة أنه مع آذان الفجر الذي يرفعه أحد البحارة يبدأ المشوار البحري ويستيقظ جميع من على ظهر المركب بما فيهم النوخذة لصلاة الفجر، ومن ثم يتناولون التمر والقهوة ليمدهم بالقوة والطاقة للعمل.

بعدها تبدأ رحلة الغوص، والغواص الجيد كل ما عليه فعله قبل الغطس تجهيز عدة الغوص كاملة، ومن ثم أخذ نفس عميق قبل الغطس مع ربط شبكته بإحكام، والشبكة هي الوسيلة التى سيتم من خلالها تجميع اللؤلؤ ووضعه فيها بكل حرص شديد، حيث تكون مدة بقاء الغواص في أعماق البحر بما لا يزيد عن دقيقتين ونصف ثم يقوم بهزالحبل منبهًا زملائه لسحبه الى السطح برفق قبل أن ينقطع عنه الأكسجين.

وبعد ذلك تبدأ فترة الاستراحة فينام الجميع في وقت الظهيرة، وبعد الاستيقاظ يبدأ من جديد العمل فيتعاون الجميع على فلق المحار حتى غروب الشمس، والبحار أثناء عملهم يكررون الأهازيج والأغاني التراثية البحرية، حيث تعد الأغاني البحرية عاملاً مهما لبث الحماس والتعاون بين البحارين وتدفعهم للعمل بكل شغف وقوة وتخفف عنهم التعب والإرهاق وتزودهم بالصبر على فراق الأهل والأحبة.

ويقول جمعة الرميثي في نوعية اللؤلؤ: (يعتمد جمال اللؤلؤ على عمق غوص الغواص، فكلما كان الغوص أعمق كان نتاج ما يحملة الغواص أجود، فغوص البحار ما بين 5-35 متراً يعرف بـ "الخور" ونتاج هذا الغوص يعد من أجود أنواع اللؤلؤ، وغوص الغواص لحوالي 3-4 أمتار يسمى بـ "المغطس"، أما غوص الغواص لحوالي متر ونصف فيسمى "ميني").

وفي نهاية الرحلة البحرية والعودة للدار يقول النوخذة: "بعد العمل الشاق والمتواصل طيلة أشهر متواصلة، بعيداً عن الأهل والأقارب والأحبة، نعود للديار بعد أن حظينا بكنوز البحر، متوجهين للقاء الأحبة وهم ينتظرون عودتنا يوماً بعد يوم بكل شوق، وعند سماع أنباء العودة يجتمع النساء والأطفال والأقارب لاستقبالنا على الشواطئ وهم يغنون الأغاني التقليدية مبتهجين بسلامة عودتنا".

انتهت رحلت الغوص، مع النوخذة جمعة الرميثي ولم تنتهِ ذكرياتها، فتراث الأجداد سيبقى خالدًا راسخًا ما بقيت الحياة.