النهضة عاجزة عن إخفاء تقيّتها في ادعاء التونسة

خطابات ورسائل متناقضة

تحاول حركة النهضة "تونسة" نفسها من خلال نسف إرثها الإخواني، عبر الترويج إلى صورة جديدة مفادها أنها حركة تونسية مدنية تنهل من معين التراكمات الفكرية والفقهية للحركة الإصلاحية التونسية.

وتسعى الحركة الإخوانية بذلك إلى التموقع من جديد ضمن الخارطة الجيوسياسية التي بدأت تتشكل في المنطقة العربية، بعيدا عن تجربة الإخوان الفاشلة في الحكم، وفي مقدمتهم إخوان مصر.

غير أن أخصائيين في جماعات الإسلام السياسي يقولون إن التحولات التي يشهدها المجتمع من جهة والتحولات التي تشهدها المنطقة العربية من جهة أخرى، زجت بالنهضة في حالة من الارتباك من أبرز ملامحها "تمزق" خطابها بين الترويج إلى نفسها على أنها حركة مدنية ديمقراطية وبين "الارتهان" لخطابها الإسلامي المشدود لفكر الإخوان.

ومنذ تنحيتها من الحكم عام 2013 بموجب "تسوية" سياسية، قادها الرباعي الراعي للحوار الوطني، وهو الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد منظمة الأعراف والرابطة التونسية لحقوق الإنسان وعمادة المحامين، الذي حصل مؤخرا على جائزة نوبل للسلام، تحاول النهضة الاستفادة من تلك التجربة منتهجة خطابا سياسيا أكثر انفتاحا على المشهد السياسي التونسي المتعدد فكريا وسياسيا.

وخلال الأشهر الأخيرة، بدت الحركة الإسلامية التي تأسست العام 1981 في إطار "تمدد تنظيم الإخوان" وكأنها تعمل على "التخلص" من "الإرث الإخواني" باتجاه "تجذير" نفسها في تراكمات التجربة الوطنية التونسية، حتى أنها لم تستنكف عن "مراجعة" مواقفها العدائية من نظام الزعيم الحبيب بورقيبة الذي كثيرا ما وصفته بـ"النظام العلماني المعادي للإسلام".

غير أن تلك "المراجعة"، لم تقنع عددا من السياسيين العلمانيين الذين يقولون إن "النهضة لم تقم إلى حد الآن بمراجعات جذرية لخلفيتها العقائدية"، ملاحظين أن سعيها إلى "تونسة" نفسها "جاء نتيجة التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة العربية خاصة بعد فشل حكم إخوان مصر وتغير المشهد السوري".

ويستدل السياسيون العلمانيون على موقفهم بالتصريحات التي ما انفك يدلي بها راشد الغنوشي رئيس الحركة، وهي تصريحات تعكس نوعا من الضبابية والارتباك خاصة في ما يتعلق برؤية النهضة ومواقفها من أهم الملفات المطروحة، سواء في تونس أو في المنطقة العربية.

وخلال الفترة القليلة الماضية، صرح الغنوشي بأنه "لا يعتبر كل من يشارك في محاربة نظام الأسد إرهابيا" الأمر الذي رأى فيه خصوم النهضة أن الغنوشي يعتبر عددا من جهاديي الإخوان يقاتلون من أجل الديمقراطية".

ويتناقض هذا الخطاب مع "خطاب مضاد" ما انفك يروج له الغنوشي مفاده أن "الديمقراطية" لا تتحقق بدعم دول كبرى تضع في مقدمة أولويات سياساتها في المنطقة العربية مصالحها الإستراتيجية، وإنما تتحقق من خلال عملية سياسية تقودها القوى الحية في البلدان العربية لترسيخ تجربة ديمقراطية "وطنية".

ويقول علمانيو تونس إن سعي النهضة إلى محاولة "تأصيل" نفسها فكريا وسياسيا في التجربة الوطنية التونسية لم يكن نتيجة قناعات قيادتها المشدودة إلى حلم الدولة الإسلامية بقدر ما هي "إكراه" من إكراهات الواقع، تهدف إلى "نوع من مسايرة التحولات الإقليمية" حيث باتت الحركة الإسلامية مضطرة إلى "التسليم" بأن ما يجري في المنطقة وخاصة في سوريا وفي العراق هو "صراع محاور إقليمية ودولية" تقودها بالوكالة جماعات إسلامية بما فيها الإخوان حيث تأتي الولايات المتحدة الأميركية التي تقود التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في مقدمة قائمة البلدان التي تسلح التنظيم.

ويرجع المحللون تأكيد الغنوشي رفضه وصف كل المقاتلين ضد نظام الأسد بـ"الإرهابيين" إلى مناصرته لـ"الإخوان" الذين يرفعون السلاح في سوريا في إطار "الجيش السوري الحر" الذي له أكثر من كتيبة مثل كتيبة "أحرار الشام" و"الرجال المسلّحون للإخوان المسلمين" و"الحزب الوطني للعدالة والدستور".

ويتناقض موقف الغنوشي هذا مع تصريحات سابقة شدد فيها على أن النهضة تؤمن بالديمقراطية والتعايش بين القوى السياسية والمدنية العلمانية كما يتناقض مع تصريحات حسام أبو هابل أحد ابرز قيادات الإخوان في سوريا لصحيفة "الدايلي تليغراف" بأن "هدف الإخوان هو بناء دولة مدنية بقواعد إسلامية"، قائلا "نحن نحاول رفع الوعي لناحية الإسلام والجهاد".

وحين يدعم الغنوشي إخوان سوريا سياسيا فإنه يدعم ضمنيا مشروعهم لإقامة دولة إسلامية الأمر الذي يتناقض تمام التناقض مع سعيه إلى إقناع القوى السياسية والمدنية العلمانية التونسية بأن النهضة تؤمن بحق الشعب التونسي في ممارسة الديمقراطية التي تستمد شرعيتها من الشعب.

ويتساءل المحللون السياسيون بشأن رفض الغنوشي استقبال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال زيارته المرتقبة لتونس باعتباره "دكتاتورا" أنهى حكم الإخوان قائلين "هل أن محور البلدان الداعمة للإخوان التي يرتهن إليها هي بلدان ديمقراطية تحتكم إلى صناديق الاقتراع".

ويشدد المحللون السياسيون على أن هكذا "ارتهان" يقود بالنهضة إلى إشكال سياسي يعكس ارتباك مواقفها و"انتصارها للإخوان، ويحول دون "تونستها" وتأصيل نفسها في تراكمات التجربة الوطنية التونسية فكريا وسياسيا، كما تدّعي.

ولا يتردد خصوم النهضة في الشديد على أن خطابها الذي يسعى إلى الترويج لها على أنها حركة وطنية تونسية تؤمن بالديمقراطية وبالدولة المدنية "ظاهره خطاب مدني" أملته ضغوطات القوى السياسية والمدنية العلمانية التونسية من جهة، وأملته التحولات الجيوسياسية الإقليمية التي بدأت تتشكل بعيدا عن الإخوان من جهة أخرى، أما باطنه فهو "خطاب عقائدي" ينسجم مع بنائها التنظيمي ومشروعها الإسلامي، الذي كثيرا ما نهل من أدبيات الإخوان.

ويرى علمانيو تونس أن النهضة تعد أول المستفيدين من الأزمة التي تعصف بنداء تونس لتنفذ من "ثغرة" الأزمة باتجاه الترويج لـ"تونسة" نفسها.

ويتوقع مراقبون أن تدفع ضغوطات القوى السياسية والمدنية العلمانية التونسية التي ارتفع منسوبها خلال الأشهر الماضية من جهة، والتحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة العربية بحركة النهضة إلى "الاضطرار" لـ"إجراء" مراجعات "مرة" خلال مؤتمرها القادم.

ويقول المراقبون إن مستقبل النهضة في الخارطة السياسية التونسية يبقى رهن "جرأتها" في الفصل بين "الجانب الدعوي" و"الجانب السياسي".

ويشدد هؤلاء على أن "تأصيل" الحركة الإخوانية لنفسها في التجربة الوطنية يستوجب منها قرارا لا يخلو من "المرارة"، يقضي بـ"التخلص" من الإرث الإخواني باتجاه "تونسة نفسها" وتأصيلها في المشروع الوطني الإصلاحي الحداثي الذي قاده أجيال من المصلحين والمفكرين والسياسيين والفقهاء المستنيرين منذ منتصف القرن التاسع عشر، وقادته لاحقا دولة الاستقلال خلال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن العشرين بزعامة الحبيب بورقيبة.