النهضة تناور للتشويش على تشكيل حكومة الصيد

الصيد نحو الائتلاف لا المحاصصة

تونس - تسعى حركة النهضة الإسلامية المتشبثة بالعودة إلى الحكم على الرغم من معارضة العديد من القوى الديمقراطية بما فيها قيادات عليا في حزب نداء تونس، إلى إرباك تشكيل حكومة الحبيب الصيد المرتقبة من خلال وضع "شروط مسبقة" كما لو أنها معنية بالمشاركة وفي مقدمتها الإصرار على حكومة وحدة وطنية على مقاس رؤيتها السياسية و"تحييد وزارات السيادة" وهي الداخلية والخارجية والعدل والدفاع الأمر الذي رأى فيه سياسيون نوعا من الابتزاز من شانه أن يزيد في تعقيد جهود رئيس الحكومة.

وتجندت قيادات الحركة الإسلامية التي ألقت بها نتائج الانتخابات البرلمانية الماضية على هامش المشهد السياسي بعد نكستها أمام حزب نداء تونس الذي فاز بأغلبية مقاعد البرلمان خلال هذه الفترة، للترويج في وسائل الإعلام المختلفة لفكرة واحدة لا تخلو من الانتهازية وهي "أن مصلحة النهضة البقاء في المعارضة ومصلحة تونس المشاركة في الحكم" متجاهلة أن التونسيين لا يزالون إلى اليوم ساخطين على تجربتها في الحكم عامي 2012 و2013 التي زجت بالبلاد في أتون أزمة خانقة لا زالت مخلفاتها تلقي بظلالها إلى اليوم.

وكانت قيادات من الحركة منها سمير ديلو وعلي العريض قد صرحت قبل تعيين الرئيس المنتخب الباجي قائد السبسي الشخصية المستقلة الحبيب الصيد لتشكيل الحكومة بأنها "غير معنية بالحقائب الوزارية" غير أن نفس القيادات عادت مؤخرا لتؤكد على أن "مشاركة النهضة في الحكومة ضرورة وطنية" بذريعة أن "المرحلة التي تمر بها البلاد" و"دقة الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي" لا يحتمل "حكومة بلا نهضة".

ولم تكتف النهضة بالترويج لتشبثها بالمشاركة في الحكومة التي يطالب التونسيون بأن تقطع مع منظومة الترويكا وتركتها الثقيلة بل سعت إلى وضع شروط مسبقة حيث تدفع قياداتها باتجاه "تشكيل حكومة وحدة وطنية" مبنية على ما تقول انه "التوافق والشراكة" وأيضا "تحييد وزارات السيادة" الأمر الذي أثار انتقادات واسعة في أوساط الأحزاب الديمقراطية التي رأت في تلك الشروط "محاولة لإرباك تشكيل حكومة ائتلاف وطني تكون بمنأى عن المحاصصة الحزبية التي تقدمها النهضة مبطنة بلغة الوفاق".

وتساور السياسيين شكوك جدية حول مصداقية ما تروج له قيادات النهضة من أن رؤيتها تلك "قدمت مصلحة تونس على مصلحة الحركة" لافتة إلى ان الحركة الإسلامية استفردت بالحكم إثر فوزها في انتخابات 2011 وتجاهلت مطالب المعارضة آنذاك بحكومة وحدة وطنية وتحييد وزارات السيادة وكانت تبرر موقفها بأنها "تمارس حقها الشرعي الذي أفرزه صندوق الاقتراع" على الرغم من أنها فازت بنسبة 30 بالمائة وهو ما يعني أن 70 بالمائة من الناخبين التونسيين لم يقبلوا بحكمها.

وبخلاف ما تزعم النهضة، يرى عدد من الأحزاب العلمانية والديمقراطية بما فيها تيار من حزب نداء تونس أن حركة النهضة "متشبثة بالحكم مهما كانت الخيارات ومهما كان الحلفاء وأن موقفها دليل قاطع على ازدواجية الخطاب السياسي لديها، فبعد أن كانت تقر في ما مضى بأن حركة نداء تونس أخطر على البلاد من السلفيين وأنها وجه آخر من أوجه النظام السابق هاهي اليوم تقبل بالتحالف معها وبالمشاركة في حكومتها" على حد تعبير القيادي في الجبهة الشعبية زياد لخضر.

وبرأي محللين فإن ترويج النهضة لما تقول انه حكومة وحدة وطنية لا يمكن فهمه خارج سياق المأزق السياسي الذي تعيشه الحركة بعد هزيمتها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية لافتين إلى أن هذه الفكرة بدأ الترويج إليها راشد الغنوشي غداة فوز حزب نداء تونس بأغلبية مقاعد البرلمان في محاولة لإنقاذ الحركة من خلال انتشالها من موقع المعارضة المهمشة في السخط الشعبي والعزلة السياسية عليها بعد أن زجت سياساتها بالبلاد في أزمة على جميع الصعد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

ومن الناحية السياسية تتناقض فكرة "حكومة وحدة وطنية" مع توجه القوى الديمقراطية إلى تشكيل "حكومة ائتلافية" تجمع الأحزاب الديمقراطية حول برنامج تنموي وسياسي موحد باعتبار التقارب بين البرامج بينما تبدو دعوة النهضة "ضبابية" خاصة وأنها لا تمتلك برنامجا أصلا.

وتتطابق آراء الخبراء مع مواقف الأحزاب العلمانية حيث يؤكدون أن المرحلة الدقيقة التي تمر بها تونس تستوجب مباشرة برنامج تنموي وسياسي واحد عملي وواضح لإنقاذ البلاد ويستجيب لتطلعات التونسيين وهو برنامج لا يمكن أن يتوفر في حكومة وحدة وطنية تجمع الكل في سلة واحدة مع اختلافات جذرية ليس فقط على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وإنما على مستوى نمط المجتمع ونمط الدولة أيضا.

ويشدد الخبير عبد المجيد البدوي على أن فكرة "حكومة وحدة وطنية" تستبعد ومن الأساس برنامجا تنمويا وسياسيا واحدا" وهي فكرة تبدو في ظاهرها "جذابة" لكنها غير مجدية لأن البلاد في حاجة إلى حكومة ائتلافية تجمع أحزابا ذات برامج متقاربة تلتقي بعد نقاشات ومشاورات حول برنامج واحد.

ولم تتوقف محاولة النهضة لإرباك تشكيل حكومة ائتلافية بين الأحزاب الديمقراطية عند الدعوة إلى "حكومة وحدة وطنية" تكون طرفا فيها بل تجاوزتها إلى المطالبة بتحييد وزارات السيادة وهي مطالبة رأت فيها الأحزاب العلمانية "إصرارا من الحركة الإسلامية نابعا عن رغبة منها في عدم فتح العديد من الملفات وأخطاء ارتكبت زمن حكمها" ومن أهمها ملفي اغتيال المعارضين العلمانيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

ودفعت جهود النهضة إلى إرباك تشكيلة حكومة الصيد والتشبث بالعودة إلى الحكم بقيادات نداء تونس إلى الخروج عن صمتها حيث رأى عضو المكتب التنفيذي عبد العزيز القطي موقف النهضة "تطاولا" على إرادة الشعب التونسي "واستهزاءً" بنتائج الانتخابات، و"وقاحة سياسية لا مثيل لها" مشيرا إلى أن النهضة "لم تستوعب الدرس وما زالت تعيش نشوة انتخابات 2011".

وفي الوقت الذي تقود فيه قيادات النهضة وخاصة المحسوبة على جناح المتشددين مثل العريض وعبد اللطيف المكي ونورالدين البحيري الترويج لمشاركة الحركة في الحكومة مع مزاعم أنها دعيت إلى ذلك، تؤكد قيادات نداء تونس بأنها لن تتحالف مع النهضة وإنما ستتحالف مع الأحزاب الديمقراطية.

وأكد الأمين العام للنداء الطيب البكوش أن "مكان النهضة في المعارضة وأن لا أحد طرح عليها المشاركة، كل ما في الأمر أنه تم التشاور معها مثل بقية الأحزاب حول الوضع العام بالبلاد".

ويقول محللون سياسيون إن جهود النهضة لإرباك تشكيل حكومة الصيد فاشلة مسبقا بالنظر إلى إجماع الأحزاب الديمقراطية على تشكيل حكومة ائتلافية خالية من النهضة من أجل تنفيذ برنامج تنموي وسياسي يقطع مع تركة فترة حكم الترويكا ويستجيب لتطلعات التونسيين إلى إنقاذ البلاد من الأزمة الخانقة وإلى تأمين سلامة التجربة الديمقراطية الناشئة.