النهضة 'تتقرب' من التونسيين بالنأي بنفسها عن الاخوان

محاولات استقطاب متواصلة

دفعت ضغوط الفاعلين العلمانيين وجزاء هاما من الرأي العام وتراجع مراهنة قوى إقليمية ودولية على الإسلام السياسي في ظل تقارير بحثية حديثة تعتبره أرضية لتفريخ الجهاديين بحركة النهضة إلى "محاولة إنقاذ نفسها" من مصير الإخوان في المنطقة العربية وذلك من خلال قيادة "جهود سياسية" بدت وكأنها محاولة لـ"تحرير نشاطها السياسي" من سطوة "مرجعيتها العقائدية".

وبدا زعيم الحركة الاسلامية راشد الغنوشي وهو يروج خطابا سياسيا يعتبر غريبا عن الأدبيات العقائدية للنهضة التي تأسست في يونيو/حزيران 1981 لمواجهة نظام الحبيب بورقيبة العلماني، وكأنه يقود حربا شرسة من أجل إقناع القوى السياسية التونسية في الداخل والخارج بأن الحركة تؤمن بالنشاط السياسي المدني "الوفاقي" وتنأى بنفسها عن أي ارتباط تنظيمي وعقائدي بجماعات الإسلام السياسي وتحديدا جماعة الاخوان المسلمين.

وأقر الغنوشي في حوار مع صحيفة محلية نشر الأحد بأن النهضة لم تكتشف أهمية التوافق السياسي إلا في أواسط عام 2014 بعد خروجها من الحكم. على اثر أزمة سياسية حادة اثارت موجة غضب شعبي.

ويرى زعيم النهضة أن مرحلة الانتقال الديمقراطي لا تحكمها ثنائية الحكم والمعارضة وإنما سياسة التوافق باعتبارها "مصلحة وطنية وخط استراتيجي لتونس".

ويذهب الغنوشي إلى حد ربط "سلامة" النهضة الإسلامية بـ"سلامة تونس" قائلا إن "خوفنا ليس على النهضة بل على تونس إذا سلمت تونس سلمت النهضة ولذلك كان التوافق سلامة للجميع".

وقال "حان الوقت لمراجعة رؤية الحركة الفكرية للإسلام وفهمها له" بعد أن "تعرضت للكثير من النقد"، متسائلا "هل من الضروري أن يكون الحزب الإسلامي حاملا لكل المشروع الإسلامي".

وتابع أن "الحكم لا ينتقل من النقيض إلى النقيض في الديمقراطيات المستقرة وإنما من الشبيه إلى الشبيه"، في اشارة إلى أنه لا يمكن أن ينتقل فجأة من حكم علماني الى حكم اسلامي.

ويرى سياسيون أن في خطاب الغنوشي ازدواجية دأبت الحركة الاسلامية عليها كلما تعلق الأمر بالسلطة.

وفيما تقول النهضة إن مؤتمرها القادم سيحسم مسألة الفصل بين الدعوي والسياسي تشدد قوى علمانية على أن تموقع الحركة يبقى رهن مدى "الجرأة" في إجراء مراجعات جذرية تكاد تكون مستبعدة في ظل رفض شق منها التقارب مع العلمانيين من جهة ومراجعة مرجعية الحركة.

ويعتقد محللون أن لجوء الحركة الاسلامية الى المراجعات المحتملة لسياستها ومرجعيتها يعود اساسا إلى صدمة سياسية تلقتها في أعقاب فشلها في الحكم، حيث استعصى عليها ترويض المؤسسات وفقا لمرجعيتها العقائدية.

واشاروا إلى أن النهضة واجهت رفضا من قسم كبير من الشعب التونسي فتلقت صدمة اجتماعية أدخلتها في حالة من "الانطواء" على قواعد لا تتجاوز 30 بالمائة من الناخبين وعجزت على الانفتاح على مجتمع يرفض في معظمه أن تتولى السلطة حكومة إسلامية وفق نتائج دراسة ميدانية أجرتها جامعة ماريلاند الأميركية خلال الفترة ما بين عامي 2013 و2015.

أما الصدمة الثالثة فهي فشل جماعة الاخوان المسلمين المصرية وانتهاء حكمها سريعا على خلفية ثورة شعبية طالبت برحيلها لينهي الجيش تلك الفترة بعزل الرئيس الاخواني محمد مرسي في يوليو/تموز 2013.

وكان الغنوشي قد ألمح حينها إلى أن الاخوان ارتكبوا أخطاء قادت في النهاية الى انهاء حكمهم الذي دام أقل من عام.

وجماعة الاخوان المصرية محظورة بقرار قضائي ومصنفة ارهابية ويحاكم عدد من قادتها وأعضائها بتهم تتعلق بالإرهاب.

وينفي الغنوشي أي ارتباط بين حركته وجماعة الاخوان المسلمين، إلا أنه يرى أن النهضة مقصرة في التواصل مع الناس.

وأعطت عن نفسها

وتحاول النهضة خوض تجربة الانفتاح على مختلف القوى السياسية والمدنية لكن بشكل مدروس.

ويربط سياسيون مستقبل حركة النهضة بالنفوذ السياسي والتنظيمي والروحي الذي يمتلكه راشد الغنوشي وقدرته على احتواء أي تململ داخل الحركة الاسلامية.

ولا يستبعد هؤلاء حدوث انقسامات في النهضة على خلفية توجهها نحو مراجعة خطابها ومرجعيتها.

وقد بادرت بالفعل بإبعاد المتشددين منها من دائرة القرار فيها مثل الصادق شورو والحبيب اللوز وهما يمثلان التيار السلفي.

وقد يقود هذا التيار حركة الانشقاقات في صفوف الحركة، وهو أمر غير مستبعد حتى يأتي عكس ذلك.