النهاية السلمية لإضراب السجون التركية: من الذي انتصر؟

شهدت السجون التركية خلال الفترة الماضية من الزمن حالة من الاستنفار بين نزلائها الذين يعود عدد كبير منهم الى ابناء القومية الكردية ويرتبطون بشكل مباشر بحزب العمال الكردستاني، اذ اشارت الاحصائيات التي اوردها حزب العدالة والتنمية لاعداد اولئك المسجونين الذن اشتركوا بما يعرف بحملة الاضراب عن الطعام الى اكثر من 703 سجناء يتوزعون في 67 سجنا تركياً.

لقد كان هنالك العديد من المدخلات ذات الطابع الانساني التي تقف وراء القيام بهذا الاضراب، من اجل ايصال رأي هؤلاء المساجين الى الحكومة التركية التي يبدوا انها تعمدت نساينهم وتغييب وجودهم فقط لكونهم متهمين بالانتماء الى احد الاذرع العاملة تحت امرة حزب العمال الكردستاني في المدن التركية. فقد كان لهؤلاء مجموعة من المطالب الاساسية التي تمحورت حول ضرورة استخدام اللغة الام في المرافعات القضائية امام المحاكم التركية، فضلا عن تخفيف وطأة شروط وظروف الاعتقال والمعاملة داخل السجون، كما دعوا الى ضرورة ان يتم تعديل الدستور التركي بالطريقة التي تسمح بامكانية نشر التعليم باللغة الام في المدارس التي تنتشر في المدن التي يتواجد فيها الاكراد في تركيا.

لم تستجب الحكومة التركية باي شكل من الاشكال لهذا النوع من انواع الاحتجاج الذي بدأ هؤلاء المساجين بتطبيقه في تلك الفترة وخاصة في المراحل الاولية من الاضراب. الامر الذي قاد فيما بعد الى زيادة اصرارهم على الاستمرار في هذا التوجه الذي زادت حدة مطالبه بأضافة مطلب اخر مس كثيرا بهيبة اردوغان السياسية. اذ برزت الدعوة هذه المرة الى ضرورة السماح لمحامي اوجلان بزيارته واجراء اللقاءات والحوارات معه بعد ان مُنعوا من اللقاء به منذ خمسة عشر شهرا، فضلا عن الدعوة الى نقله من المعتقل الذي يوجد فيه الى معتقل اخر اقل قسوة في ظروفه المعيشية من المكان الذي يتواجد فيه الان. وهو ما ادخل الموضوع الى حلبة السياسة التركية بدرجة اقوى من قبل، خاصة في ظل التصعيد والتعاطف الشعبي الذي أبدى الشارع التركي معرفته بشكل خاص في المدن الكردية حيث خرجت العديد من التظاهرات التي تدعو الحكومة الى ضرورة الاستجابة لمطالب المساجين.

الانعطافة السياسية باتجاه تحول القضية الى عمق الشارع التركي جاءت بفعل الدور الذي مارسه حزب السلام والديمقراطية الكردي. والذي جاء عبر مطالبة العديد من اعضائه فضلا عن عدد من المحامين المنضوين تحت لوائه بالمشاركة بهذه الاضرابات في محاولة منهم للرد على اتهامات اردوغان لهذه الممارسات بانها نوع من الابتزاز السياسي. كما انها جاءت للرد على اردوغان في اثناء مشاركته للمستشارة الالمانية انجيلا ميركل في مؤتمر صحفي حين قال في اجابة له على سؤال وجه اليه بهذا الخصوص "انه لا يوجد اضراب للجوع في السجون التركية باستثناء قيام شخص واحد بمثل هذا الاضراب". لذا جاء في بيان المحامين الذين شاركوا فيما بعد في هذا الاضراب مايلي "ان الاضراب سيصل الى مرحلة حرجة بدخوله الشهر الثاني. لذا نحن لا يمكننا ان نتحمل المسؤولية الاخلاقية المترتبة على مراقبة هذا الوضع بمجرد الانتظار، في الوقت الذي تُهدد فيه حياة هؤلاء الاشخاص. نحن مستعدون للقيام بما يجب القيام به من اجل حل هذه المشكلة، لذا فقد توصلنا الى قناعة بأننا لا يمكن ان نساهم في هذا الحل اذا ما استمرينا فقط بالترقب والانتظار".

في ظل هذا التصعيد بدأت حدة المزاج السياسي لاردوغان بالتصاعد حين اتهم علانية اعضاء حزب السلام والديمقراطية الكردي بانه هو الذي يقف وراء هذه الاضرابات وهو الذي يشجع السجناء على القيام بها. لذا جاء الرد مباشرة من هذا الحزب بالقول "اذا ما كان الاشخاص الذين قاموا بالاضراب سينهون اضرابهم بطلب منا، فاننا سنقوم بالتوسل اليهم للتوقف عنه فورا. لاننا لا نريد لاي من اصدقائنا ان يقوم به بالطريقة التي قد تقود الى التضحية بحياتهم". وهو ماقاد بالنتيجة الى زيادة صعوبة الموقف على اردوغان الذي كان يعرف جيدا بان مفتاح الحل لهذه القضية لايوجد بايدي قادة هذا الحزب بشكل مباشر، وانما بيد اوجلان ذاته.

لذا وفي ظل هذا الادراك اراد اردوغان باعتباره رئيسا للوزراء والمسؤول المباشر عن اصدار اي قرارات مهمة تتعلق بهذا الشأن التركي، العمل على التهرب من الصدام المباشر مع هذه القضية في هذا الوقت بالذات حيث تشغله الازمة السورية وتداعياتها بشكل كبير خاصة في ظل استعصاء الحل الذي يحلم به مع بقية الدول الداعمة له في هذه الازمة التي استطالت حتى وصل مداها الزمني الى 20 شهرا من الصراع الدامي. وهو ما اضطر اردوغان الى اعتماد الاستراتيجيات التالية في تهربه من موضوع الاضرابات في السجون التركية ضناً منه بانها ستجبر المساجين والقوى الشعبية الداعمة لهم للرضوخ لتعاليه وانكاره لحقيقة ما يجري:

1. اتخاذ اردوغان قراراً مفاجأً بتمديد فترة زيارته الى اندونيسيا اثناء مشاركته في مؤتمر بالي للديمقراطية. ومنها توجه الى بروناي للقيام بزيارة رسمية لها لم تكن بالاساس موضوعة على جدول اعماله. والهدف من ذلك تأخير عودته الى تركيا والابتعاد عن مناقشة قضية الاضراب مع الحكومة التي قررت العديد من احزابها الاستماع الى المضربين والاخذ بآرائهم على محمل الجد.

2. التهديد من بالي بان تركيا بحاجة ماسة الى اعادة عقوبة الاعدام شأنها شأن بقية الدول الاخرى التي لازالت فيها هذه العقوبة سارية المفعول كما في الولايات المتحدة الاميركية. في اشارة الى لغة تهديد واضحة بامكانية اعدام اوجلان وكل من يسير على خطاه او يهدد الدولة التركية. وهي اشارة واضحة لمن اسهم في الاضراب بانهم سيلقون عقابا اشد من الذي يعيشون وطأته اليوم. الا ان ذلك الرأي ووجه بالعديد من الانتقادات الداخلية في تركيا ولم يؤدي الى نهاية الاضراب باي شكل من الاشكال.

3. لم تجدِ هذه الاستراتيجية نفعا، لذا عاد من بالي وهو محمل بكل افكار التخوين لهؤلاء مجددا اتهامه لاعضاء حزب السلام والديمقراطية فضلا عن المساجين بانهم يبتزون الحكومة وتعهد بان الحكومة لن تنحني لمثل هذا الابتزاز. دون ان توقف ستراتيجية التهديد هذا الاضراب او تحد منه.

4. تلقف اردوغان الازمة التي حصلت مؤخرا في غزة لتوجيه انظار الاتراك وبعض القيادات الحزبية التي بدأت تتعاطف مع مطالب المضربين عن الطعام، باتجاه التحول نحو غزة. لذلك توجه اردوغان سريعا باتجاه القاهرة مصطحبا معه وزير خارجيته لاجراء لقاء رسمي مع الرئيس المصري والقطري بخصوص غزة. في الوقت الذي اشارت الكثير من الاراء ذات العلاقة بان الدور التركي هذه المرة كان دورا هامشيا في مجمل موضوع غزة. مما يعني بان الاضراب في السجون التركية كان احد اهم اسباب دفع اردوغان نحو اقحام انفه في الموضوع الفلسطيني. وهو مالم يسعفه في انهاء الاضراب ايضا.

لذا وفي ظل فشل اردوغان في ادارة هذا النوع من التحدي السياسي، بدأ اعضاء حزب السلام والديمقراطية الكردي بالدعوة الى بناء نصب لقائد حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان، وهو ما اجبر اردوغان الى الاستماع في وقت متاخر لنصيحة بعض السياسين الاتراك ممن اشاروا عليه بضرورة تهدأة الموقف واتخاذ زيارته الى مصر معبرا لايجاد الحل بطريقة التفاوض غير المباشر لانهاء الازمة والحد من تصعيد المطالب التي يتقدم بها حزب السلام والديمقراطية. لذا وعلى نحو مفاجأ انفرجت الازمة بقيام عبدالله اوجلان بايصال رسالة عبر اخيه الى جموع المضربين عن الطعام داخل وخارج السجون التركية، دعاهم فيها الى التوقف عن الاستمرار في الاضراب وانهاء الازمة مع حكومة اردوغان سلمياً. علما بان هذه الدعوة قد تزامنت بالضبط مع تصريحات وزير العدل التركي الذي قال "نحن لا ننظر الى ماحدث على انه ازمة سياسية خالصة بقدر ما هو ازمة انسانية. لقد بدأنا باعتماد الترتيبات القانونية التي ستسمح باستخدام اللغة الام في المحاكم التركية.... وبعد أن أنهى هؤلاء الاشخاص اضرابا عن الطعام، فأن تركيا ستجري محادثات مع حزب العمال الكردستاني". وهو ماجعل احد الكتاب الاتراك يشير في عنوان مقاله "اوجلان لا زال قائداً" الى اهمية الدور المحوري الذي لعبه اوجلان كقائد مهم في انهاء الازمة وتحويل مسارها باتجاه فرض لغة الحوار على اردوغان الذي كان يتهرب منها بذات الطريقة التي تهرب بها من تطبيق بنود اتفاق اوسلو بين الطرفين بحسب اعتراف الحزب الجمهوري التركي، وكانت سببا في اندلاع الصراع مجددا.

د. دياري صالح مجيد

كاتب واكاديمي عراقي

Dr.diearrysm_iraqiwriter@yahoo.com