النمل الأحمر يجتاح غزة المتهالكة

'احتلال بيوته في باطن الأرض'

غزة - يقف المواطن عمار الدلو محتاراً أمام أعداد النمل الأحمر الكبيرة، الذي غزى بيته في ليلة وضحها وجعلت من حياته البيتية مليئة بلدغاته المؤلمة، وحاله كحال الكثير من سكان قطاع غزة الذين انتشر في بيوتهم هذا النوع المؤذي من النمل.
بدأت معاناة عمار قبل عدة أشهر، عندما دخل للاغتسال في بيته، وحينما وضع المنشفة على جسمه شعر بلدغات متتالية ليفاجأ بأعداد كبيرة من النمل تملأ مكان الاستحمام وتغطي المنشفة بشكل كبير، ما دفعه للعودة مجدداً للماء كي يزيل هذا النمل.
وقد اشتكى الكثير من سكان قطاع غزة، وفي فترات متباينة بعد الحرب على قطاع غزة، من ازدياد أعداد النمل في المنازل وخاصة النمل الأحمر، الأمر الذي يؤكده الدكتور سعود الشوا المختص في البيطرة ومكافحة الحشرات الضارة. مستعمرات النمل
وبحسب العلماء؛ فإن النمل يمثل عشرين في المائة من الكائنات الحية على كوكب الأرض، منه من يعيش عمره تحت الأرض، ضمن مستعمرات وأعشاش ومجاميع يقوم ببنائها وقد يتجاور عدد كبيرة من المستعمرات مكوناً مدينة أو وادياً للنمل، كما سماها القرآن الكريم، وقد يزيد عدد المستعمرة الوحدة عن عشرات الملايين من النمل.
وأعشاش النمل ليست واحدة لجميع أنواعها، التي يبلغ عددها أحد عشر ألف نوع، فمثلاً نمل المحاصيل يبني حجرات متصلة تحت الأرض، بينما يشبك النمل الخياط أوراق الشجر ويصنع عشا أخضر أسطواني الشكل، وهناك أعشاش أخرى للنمل قد تكون على شكل حجرات داخل الأشجار مثلما يفعل النمل الحفار. الحرب طالت كل شيء
ويقول الشوا "الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة قبل عشرين شهراً كان لها أثر كبير على الحياة الحيوانية، وكذلك حياة الحشرات، فليس فقط قتل البشر والتدمير، بل إن وجود الدمار والبيوت المهدمة في المناطق السكنية يساعد الحشرات والقوارض أن تعيش في هذه البيوت المهدمة".
وأضاف: "من المؤكد أن القصف الإسرائيلي خلال الحرب على غزة، والذي طال الكثير من مناطق قطاع غزة، قد طال الكثير من بيوت وأعشاش النمل الأرضية، حيث أن الطائرات الحربية من نوع "اف 16" حينما تطلق قذيفة على أي مكان؛ فإنها تحدث حفرة تزيد عن ثمانية أمتار وهو بالتأكيد يصيب أعشاش النمل لأنها تبني بيوتها في هذا المدى".
من جهة أخرى، تقول "ام البراء" شعت من خان يونس (جنوب قطاع غزة) إنها قامت بالمبيت هي وزوجها وأطفالها على شاطئ البحر بعيداً عن بيتها يوما كاملاً، وعندما عادت إليه وجدته مليئاَ بالنمل الأحمر، رغم أنها تقطن في الطابق الثاني من عمارة مكونة من عدة طوابق.
وتضيف شعث، وعلامات الاستغراب تملأ وجهها: "لقد كان البيت مليئاً بالنمل، لدرجة أنني وجدت بعض النمل لا يقف على السكر فقط، بل يقف على الملح الموجود في المطبخ وهو أمر مستغرب بشكل كبير".
وتشير إلى أن هذا النمل مؤذٍ بشكل كبير لأنه يلدغ، ما يسبب الحساسية والحكة، منوهة إلى أن بعضاً منه قد جاء على يدها وهي لا تدري ما جعلها تشعر بقرصه واحمرار المنطقة التي جاء عليها. مقابر سابقة
من ناحيته يقول الدكتور سعود الشوا :"النمل الأحمر الذي يعيش في الطبيعية موجود تحت الأرض في المناطق السكنية بشكل عام، إضافةً إلى أماكن قد يكون فيها مقابر سابقاً منذ مئات السنين، حيث أن مملكة النمل تعيش من مئات السنين وتعيش بالأماكن التي تم فيها تحلل عظام أو ما شابه ذلك، في بعض المناطق التي كانت أحراش وغابات غطتها التربة وأصبحت اليوم مناطق سكنية كل هذه لها علاقة على وجود النمل الأحمر.
وحول سبب انتشار النمل بشكل كبير خلال هذا الصيف؛ أكد الشوا أن الإنحباس الحراري الذي اشتكى منه كل العالم يعتبر سبباً رئيسياً، مشيراً إلى أن الحر الشديد هو الوقت المناسب للنمل للتكاثر وللبحث عن الغذاء الذي يتم تخزينه لفصل الشتاء، لأن الشتاء يمنع النمل والحشرات بشكل عام من الخروج فيحاول من الصيف يأخذ أكثر قدر من الغذاء يستطيع تخزينه.
وأضاف أن الحرب أعطت النمل فرصة أكبر للخروج والبحث عن الطعام، ما جعله ظاهر بشكل واضح رغم انه موجود في أعشاشه على مدار سنوات طويلة. أضرار النمل من ناحية أخرى يقول "أبو محمد" أبو كويك والذي يقطن وسط مدينة غزة: "تفاجئنا خلال الأشهر الماضية بأعداد كبيرة من النمل تدخل عندنا وتفحر فتحات من بين بلاط البيت وتدخل المطبخ بطريقة كبيرة".
وأكد أنه حاول كثيراً مكافحة النمل إلا أنه كان يعود بعد فترة، مشيراً إلى أن هذا النمل تسبب بحساسية واحمرار كبير في جسم طفله الرضيع وهو نائم.
ونوه أبو كويك إلى أنه لم ير مثل هذا النمل بهذه الكثافة في بيته، موضحاً أنه في بعض الأحيان كان النمل الأسمر الصغير يدخل بيته، وعند إغلاق الفتحات التي يدخل منها ورشه بالمبيدات لا يعود إلا بعد فترات طويلة.
ويشير الشوا إلى أن هذا النمل يسبب إزعاجاً كبيراً للسكان، حيث أن مكان اللدغة يكون مزعجاً، ومن الممكن أن يتسبب بحساسية وأمراض جلدية لأصحاب البشرة الحساسة.
وبين أن الخوف من هذا النمل تكمن لدى الأطفال، مشيراً إلى أنه من الممكن أن يسبب في أماكن اللدغة التهابات وإصابات بالتلوث البكتيري والالتهابات الفطرية. الدعوة للمكافحة
وتابع: "إذا أتى هذا النمل على الأكل أو أوعية الطعام، ممكن أن يسبب أمراض، ومن ناحية ثانية من الممكن أن يخرب الأثاث، وهذه بحد ذاتها خسارة اقتصادية، أما في الزراعة فمن الممكن أن يدمر الكثير من مزروعات النخيل وبراعم المزروعات الأخرى".
وأكد الشوا على ضرورة مكافحة هذا النمل بالمبيدات الخاصة المعتمد لدى الجهات الصحية بطريقة صحيحة حتى لا يسبب أذية لسكان قطاع غزة مع استمرار بقاء البيوت المهدمة، موضحاً أن الأطفال الرضع عرضة لأذيته بشكل كبير.
وأشار إلى أن القضاء على هذا النمل "صعب جداً وذلك للتعقيد في حياة النمل وطرق الوقاية التي يتبعها في مملكته". (قدس برس)