النقاب وحقوق المرأة... مصدر التشدد

علمهم السحر!

في القوانين الدولية، وفي غالبية دول العالم المتحضر، أصبحت حقوق المرأة مشروعاً كبيراً لرفع الظلم التاريخي الواقع عليها والسعي لمنحها قدم المساواة في كل ما تستحقه في العمل والمنزل والحياة بشكل عام، ومنع أي تعد عليها وضمان حقوقها الشخصية بقوة القانون والنظام.

إن صراع المرأة العربية من أجل حقوقها في بيئة تتوافق مع دينها، ومع ثقافتها وتقاليدها الاجتماعية، هي مهمة جليلة ظلت المحاولات فيها تتأرجح بين النجاح والفشل منذ البدء على مستوى التنظير، وعلى مستوى التطبيق، وكان من الطبيعي تاريخياً أن يكون المبادرون لذلك هم المقتنعون بحقوقها من الرجال، وهو أمر يصح على غير العرب من حضارات العالم، ولئن صح البدء بمصر عربياً فقد كان أحد أوائل المقتنعين، بذلك هو الإمام محمد عبده الفقيه الذي انتهى به الأمر إصلاحياً كبيراً حيث كان حريصاً على تطوير دور المرأة ومنحها حقوقاً أكبر في الحياة العامة والخاصة. وكما يؤكد بعض الباحثين، فقد قدم دعماً كبيراً لقاسم أمين في مؤلفه الأول عن المرأة وتحديداً فيما يتعلق بالجوانب الفقهية منه، وقد نال أمين شهرةً كبيرةً بذلك الكتاب وأتبعه بكتابين جعلته علماً يُشار له بالبنان في التاريخ العربي الحديث في هذا الموضوع.

فقهياً، وفي فترة لاحقة، جاء المحدث الشهير ناصر الدين الألباني، وأفتى بأن النقاب على سبيل المثال ليس واجباً على المرأة، وألف في ذلك عدة مؤلفات جادل فيها مخالفيه وهم كثر، ولم يزل له تلاميذ وأتباع يؤيدون اجتهاده في هذه الجزئية، ويدعمونه بأقوال فقهاء متعددين تراثياً في أكثر من بلد عربي، ولكن أحد الذين تأثروا به، والذي كتب تأصيلاً أعمق تراثياً وأشمل موضوعياً لحقوق المرأة في كتاب كبير يقع في مجلدات هو الفقيه المصري عبد الحليم أبو شقة، وأسمى كتابه "تحرير المرأة في عصر الرسالة"، وهو كتاب يعتمد -ما يعتبره المحدثون- صحيح السُنة في إثبات حقوق المرأة بما يقارب ما هو معروف في العصر الحديث.

على المستوى الاجتماعي، فقد كان كثير من البلدان والمجتمعات العربية تتعامل مع المرأة بتسامح كبير وبمكارم أخلاق وتقاليد ترى فيها الأم والأخت والزوجة والبنت والقريبة المكرمة والأجنبية المحترمة، وليس صحيحاً ما يسوقه بعض المثقفين العرب من اتهامات بأن ذلك جاء نتيجة للفقه الصحراوي القادم من بيئة الجزيرة العربية، فقد كانت اجتماعياً في تلك البيئة محل الفخر والاعتزاز، والحماسة في وقت الحروب، وكانت تمارس العديد من المهن، ولا تلتزم في كثيرٍ من المناطق بجزئية النقاب على سبيل المثال.

السؤال الذي يثور هنا هو إذا كان ما سبق صحيحاً، فمن أين جاء التشدد المعاصر ضدّ المرأة؟ في محاولة الإجابة على هذا السؤال فإنه وكما يرى بعض الباحثين قد جاء من البيئة الهندية التي جاء منها كثير من مبادئ ومواقف جماعات الإسلام السياسي الحديثة، فقد كانت البيئة الهندية ذات تراث طبقي راسخ وعميق يحتقر المرأة ويمنعها أبسط الحقوق، وقد قام فقهاء الهند بأسلمته نظراً للطبيعة المرنة للخطابات الدينية القديمة في التأقلم مع الواقع قبل التحول لمرحلة السيطرة عليه وفرض مشاريعها بالكامل.

النقاب ليس واجباً

ومن هنا فقد كتب محمد قطب عن "تحرير المرأة"، وحذر منه بوصفه مشروعاً يندرج ضمن ما يسميه المؤامرة الغربية ضد العالم الإسلامي، والذي سبق له الإبانة عنه في كتابه "واقعنا المعاصر". وهنا تمّ إدخال الموقف من المرأة ضمن مشروعٍ سياسي ينطلق من استغلال الدين وتوظيفه، وقد لحقه آخرون بوعي أو من دونه، ومنهم محمد بن إسماعيل المقدم الذي ينتمي للسلفية السياسية في كتاب من مجلدات ثلاث تحت اسم "عودة الحجاب"، وجاء بتشددات فقهية أكثر تفصيلاً.

اليوم، نجد في السعودية أن المرأة حصلت على كثير من حقوقها الكبرى، فقد أصبحت الأنظمة القضائية تقف في صفها وتأخذ حقوقها الخاصة بقوة القانون وبسرعة يُشاد بها، كما أصبحت سياسياً تمتلك حصة كبيرة ثابتة في مجلس الشورى، وفي دولة الإمارات فهي تحظى بكامل حقوقها، وهي شريكة الرجل في كافة المجالات من القضاء إلى القوات الجوية.

أخيراً، فإن حقوق المرأة في البلدان العربية تختلف من بلد لآخر، فتجربة تونس تختلف عن تجربة مصر، وتجربة لبنان تختلف عن المغرب، وتجربة دول الخليج تختلف عما سبق، والمرأة في سبيل الحصول على حقوقها، ينبغي أن تعي البلدان التي تعمل بها، والسياق السياسي والاجتماعي الذي يحكم تلك البلدان، وأن تراعي التطوير المتدرج الناجح، وألا تهوي في أجواء التغيير الثوري الذي ساد العالم العربي بعد ما كان يعرف بـ"الربيع العربي".

عبد الله بن بجاد العتيبي

كاتب سعودي