النغم الحالم يتعقب حزني القديم

بقلم: الطيب لسلوس
منذ سكنْتِني صار لي بيت

أحيانا يكون الاحتفاء بالحياة قادما من الدرجات القصوى لغيابها حيث يكون الإقدام عليها وحشيا وبريئا، عاصفا ومنغما، ثائرا ومستسلما لأعمق نبضها، الحياة المدهشة في أقل تفاصيلها في مفاجأة لحضور حار لكائن بمثابة آخر. حجرا كان عمري.. فلما طوّقتْني
ذراعاكِ صارَ عمري غابةً في شجرةٍ كلُّ غصن منها..
كلُّ برعم يقتلعُ الرّيح من الجذور..
هل لماءٍ أن يمتلئ بدلو؟
هل لثمْرةٍ أن تتلذّذَ بآكلها؟
تقدّمتِ النحلةَُ على الوردةِ .. ومالتْ على الغصنِ النافذةُ
وابْتهج التخريبُ الباردُ الصامتُ في الأرجاء
يكتب علي مغازي بالطريقة نفسها التي يلف بها "ديونيزوس" العنب حول عنقه ويلقي بكل ما لديه من غواية هامسة في أذن حبيبته والتي توازي حشود النساء اللواتي يتبعن "ديونيزوس" إلى حيث لا يسأل وأين لا يريد أن يجيب.
نص علي مغازي مغامرة خلق الإدهاشي في أبسط ما نحيا وما نقول.
أخيرا تدخل أو تحضر الملكة التي التقبيل نفسه عاجز عن أن يحصي معنى أنه الفعل، ومن البداية يريدنا أن نتفق على أن الدال عشوائي وبائس جدا حين يشير أو يوجه معنى ما لدرجة أنه لا معنى للقول في حضور طغياني مدهش للأنوثة.
ومن البداية أيضا يقودنا إلى لوحة أو لقطة سينمائية ناجزة بإعجوبة في اللغة وباللغة فقط. ليرسم لنا في اللقطة الثانية عالمين متوازيين الداخل بحزنه القديم والخارج الفاتن الحالم المطهر والكفيل الوحيد بانتشاله من الداخل. يرسم هذا الحد ليصنع الفاصل بين ما هو حقا وما هي حقا أو ما قد يفعله الحب أو الجمال بنا. أخيرا..
إنّك هنا .. كلّ التّقبيلِ يدُكِ..
...
تلفُّني نعومتُك المراوغةُ بينما النّغم الحالم في الدّاخل يتعقَّبُ حزنيَ القديم
في لحظة السماء بالذات يتذكر دويونيزوس أن السماء ليست السماء لذلك يقول إن السماء سماوية فقط، أي هي نفسها منتمية إلى معنى السماوي بنسبة ما، وأنها تستمد ذاتها من معنى آخر هو عينيها حيث هناك يمكن أن يكون لكل شيء يريد أن يسمو خيط يشده إليهما لم يغادر وجه الحبيبة. لا يزال في عنوان النص المحلوم محاولا تحفيز كل ملامحه بالاستسلام للضوء العنبري المتوهج عبر المسامات والأنفاس. إن كل هذا الكل طفل في حضنها يرى عن قرب ويجمع بين الطروات التي هناك براعم ما يراه حقيقته، إلا أنه يفشل بالإلمام بكل ذلك معترفا أن الرياح لا تزال ضده. لا يزال لا يستطيع أن يعد عمره على أصابعه. السّماء..
السماء السّماويّة تهطلُ في عينيكِ وأنا مستسلم للضّوء العنبري
يتوهّج عبر المسامات..
للأنفاس..
تضبطُ الوقت على إيقاع الرّغبة المحتشدة..
للأوراق التّويجية..
تؤيّد الرّياح ضدي
للأحلام تغمضُ كحلَها..
كحلَها الكحليّ
على طفلٍ في البالِ لم يتعدّ عمْرَه.
...
يا اااااه...
أريد أن تبلغَ القمةُ ذاتي
وأشعر أنني قريبٌ منكِ،
أنكِ داخلي..
أنكِ قريبةٌ
وأنّني داخلُك أخرجُ إليّ..
ولا أعرفُ أين كنتُ وأيّ نهايةٍ منها أبدأُ..
...
تذكّري:
يكفيني انتشاركِ الواسع فيَّ..
...
حقنْتكِ بعرْقي فانْتشيتُ..
رأيتُ الشّمس ترتدّ من بقعة ضوء على كتفكِ المنمّش..
رأيتُ.. يا حبيبتي
يا التي أنا حبيبُك
أنّ كلّ ما دونك.. ذبابٌ على جناح نسر
وكلّ "ما" دوني خصيان يحرسون أبوابَ الحريم.
بعد أن يلهو بكل ما يعني هي الحاضرة من وفي كون مشرع وأنيس يمشي نحو القمة التي هي نفسها اختلت وفقدت معاني أن تكون قمة، يتداخل معنى أن يوجد في حد يعني هو، وحد يعني هي، لكنه مع ذلك يجد العزاء في أن تكون منتشرة أين يذهب وأين يحل.
ليس هناك شيء يستطيع أن يفلت بقيمة تخصه دون أن يدور من حولها كقمر لنجم لا يستطيع أن يضيء دونه شيء، فكل الرجال مجرد خصيان على باب حريم ذكور بلا معنى ، وكل "هم" مجرد مدى تحليق وادعاء الذباب للتحليق أمام النسر، وما يعني أن نسر يحلق في كل المحاولات التي يريدها أن تكون بابا لفتح روح آخرى لا تقول شيء لأنها هي كل شيء، يضل علي مغازي "دويونيزوس" قريبا يشاهد ويمعن في النظر بشتى البصائر لتفاصيل حبيبته كما لو كان التأمل يخلقها من صمته، يراهن على كل ما حولها ليلمع أخيرا بمعنى من معانيها. ...
منذ سكنْتِني صار لي بيت
وصار للكلمة ألوان..
صار للون أشكال..
وللشّكل روائحُ ينتشرُ فيها الهواء..
الهواء الذي يتقاذفُه شعرُكِ..
شعرك ما زالَ رطْبا في الرّقبةِ مِنْ غسْله..
والمنضدة أمام ركبتك العارمة...
المنضدة تنزفُ لونا يُحَفّز زرقةَ الخلفيةِ
على كَشْف كُلّ طيّة فاخرةٍ تُنجزَ في هذا الشّتاءِ الوافر تخيلاتَي الأكثر وحشية..
تخيلاتي التي
على
شكل
بجعةٍ تُدوّرُ عنقَها المثالي..
يستمر الرسم الباذخ لتفاصيل تفاصيل تجعل الحضور مترفا وغير قابل للإحاطة، الحضور المجيد للحبيبة الحياة ودون عناء شديد يرسم ذلك الانبهار الشديد الغامر والذي لا يفارق ماديته، والجسداني الذي لا يعترف أو لا يلتفت إلى ما ينم كل ذلك الحضور من طغيان آخر خفي لم يقله في أي كلمة، طغيان صاف وبريء لجمال لا يحتاج حتى إلى الاعتراف بروحانيته أو كأنما تلك الحبيبة لا تحتاج إلى روحنة من فرط الجميل الذي هي عليه، ربما يتضح هذا المعنى بالذات في قوله بعض الطيور المتألقة يستحيل تصويرها، تماما مثلما استحال عليه أن يشمل ذلك الحضور الطاغي للحبيبة.
ولهذا نجده في الأخير يدعو إلى تدفق البلاغات مادام لا شيء يقول من أين يبدأ حضورها وأين ينتهي. يستسلم للنهاية عجز المعنى ولنهاية إدراك معنى ثابت للجسد حيث تظل الأشياء صامتة مهما لبست من معاني نعتقد في غالب الوقت أنها لباسها، فغالبا ما نعتقد أن معنى بيت يحيط بمعنى هذا الأخير لكن عند هذا الحد من الرؤيوية يستحيل البيت شيئا غير محدود وغير مضبوط، بل وغير قابل للباس أي معنى متفلت من ما نريد أن يكون حدا له.
بعد الوقوف على هذه الحقيقة يستسلم الطفل ديونيزوس للعب بالنار، نار والاحتراق بها في صمت لأنها الممكن الوحيد للفعل الوحيد القابل للإدراك واللمس. إنها كما لو كانت الشمس الوحيدة التي تستطيع أن تجعل هذا الحضور تحت نهار ممكن، ولذلك سيكون الوقوف على رماد قلب لن يستريح حتى تأكله النار هو الفعل الاخير الممكن. ...
بَعْض الطيور المتأنّقة المناقير يستحيلُ تصويرها..
...
أيتها الغمامية كعبارة هامسة في الأذن..
أحبّكِ..
... ...
... ...
ولْيبدأْ تدفّقُ البلاغة
في حالة كهذه الشّفاه عادةً تبالغُ في اللّين
وهذا القلب..
هذا القلب عادةً لا يستريحُ من الخفقان حتى تشبعَ منه النّار.
علي مغازي شاعر إدهاشي ينتقي جملته كصانع لؤلؤ قديم، مازح في كل ما يفعل وصارم بالقدر ذاته في ترسيخ خطوات فرادته، ووجدتني أرمي شباكي في بحيرة هذا النص لأنني بحق لم أستطع أن أقرأه وأعبر، وهذا بعض عشقي لجماليات هذا النص. الطيب لسلوس ـ شاعر وناقد من الجزائر neighblue@hotmail.com