النعامة والطاووس: فيلم يتطرق لمناطق محرمة في المجتمعات العربية

القاهرة
دروس صريحة في الحب والجنس

لاكثر من ثلاثين عاما حاول المخرج الراحل صلاح ابو سيف، الذي توفي عام1996، الحصول على موافقة الرقابة على هذا الفيلم الذي كتب قصته بنفسه وشاركه لينين الرملي في السيناريو.
وادى اصرار صلاح ابو سيف على تنفيذ الفيلم الى تغيير اسمه دون ان يتعرض لمضمونه. وكان اول اسم قدمه ابو سيف الى الرقابة "مدرسة الجنس" وقد رفض في حينه عنوانا ومضمونا، وتتالت الاسماء فاصبح "كيف تتزوج وتعيش سعيدا" و "تزوج وعش سعيدا" و"مدرسة الحب" و"دروس في الحب".
واعتبرت فكرة فيلم "النعامة و الطاووس"، وهو الاسم الاخير للفيلم، والتي تقوم على تعليم الحياة الجنسية للأزواج و طلاب المدارس، دعوة مبكرة و سابقة لزمانها إلى أن جاء نجله محمد ليكمل ما عجز والده عن إكماله.
يدور الفيلم، الذي قام ببطولته مصطفى شعبان (الزوج) وبسمة الزوجة بالاضافة الى الفنانة لبلبة التي قامت بدور الطبيبة، علاقة الزوجين مصطفى وبسمة اللذين يحول البرود الجنسي حياتهما إلى جحيم. وينقلب الحب الرومانسي بينهما شجارا دائما تضطر الزوجة بسببه إلى ترك منزل الزوجية واللجوء إلى والدتها دون أن تجرؤ عن الحديث عن سبب المشكلة.
و تحصر بسمة حياتها بين ابنتها و عملها في مصنع خياطة الملابس الجاهزة حيث تدور أحاديث النسوة حول طبيعة علاقاتهن الجنسية مع أزواجهن و لكل منهن شكواها، باستثناء امرأة واحدة نجحت في علاقتها من خلال سعيها الدؤوب إلى استثارة زوجها.
و تحضر إحدى العاملات في المصنع مجلة تطرح مشاكل الحياة الجنسية بين الأزواج، مما شجع الزوجة الشابة للجوء إلى الطبيبة كاتبة المقال لعرض مشكلتها عليها بالتفصيل و خصوصا إهمال زوجها لرغباتها الجنسية و انتهائه من عملية الجماع بسرعة و تركها دون أن تشعر بشيء.
وبهذا العرض الجريء والمباشر للمشاكل الجنسية في المجتمع، تخطى فيلم النعامة والطاووس المحرمات المعتادة في المجتمعات العربية، وتطرق لموضوعات لم يتطرق لها فيلم مصري من قبل، الامر الذي عرضه لسيل حاد من الانتقادات والاتهامات.
وعن الاسباب الدائمة لرفض الفيلم من قبل الرقابة يقول مخرجه محمد ابو سيف: "ان جرأة الموضوع وعدم استعداد الناس لمناقشته علي الملأ هو السبب الرئيسي للرفض طوال الفترة الماضية، فنحن كما يقول لسنا مستعدين في هذه المرحلة للخوض في مثل هذه الموضوعات والرقباء دائما يتعاملون معها علي طريقة لا داعي "لنشر الغسيل".
غير ان المخرج محمد ابو سيف مؤمن بمقولة والده بأن "الفيلم الذي يخرج الجمهور منه دون التفكير فيه لا يستحق المال الذي انفق عليه، فالسينما ليست للتسلية فقط. ونحن أن كنا نتكلم عن موضوع الجنس فلا نتاجر به فأنت لم تشاهد في النعامة والطاووس أي مشهد جنسي خارج كما يفعل الآخرون".
ويرى مخرج الفيلم ان الحوار الصريح والمباشر في قضية مثل التي طرحها ليس عيبا، ويضيف: "تشعر ان الجمهور اثناء العرض يجلس علي أطراف اصابعه لا يصدق ان هذا الكلام يثار في فيلم مصري. وأنا أعرف جيدا أن هناك من سينتقد الفيلم لمباشرته لكني حرصت علي أن تكون هذه المباشرة هي الاطار العام للفيلم لسببين: الاول اننا نعرف جيدا الطريقة الصحيحة التي قيلت بها الرسالة وثانيا ان القرآن الكريم الذي هو أعظم الرسالات علي الاطلاق جاء مباشرا، ثم إن المباشرة في الفيلم لم تضايق أحدا، والناس فهمت رسالتنا لأن الفيلم ليس به رموز وهذا وقعه أفضل".
وعن الاختلاف بين رؤية والده المخرج الراحل صلاح ابو سيف وبين رؤيته للفيلم يقول: " كنت سأغير في هذا السيناريو بالتأكيد لو جاءني من شخص آخر غير صلاح أبوسيف. وأذكر أني تحدثت مع ناقد صديق وأخبرته اني في حيرة شديدة حيال هذا العمل فهل أنفذه علي طريقتي أم علي الطريقة التي أختارها صلاح أبوسيف؟ صديقي نصحني أن أقدمه بطريقتي الخاصة ولكني فضلت ان اضع هذا الفيلم لصلاح ابوسيف وعلي ذوقه الخاص لأنه أحد أفلامه الكثيرة التي لم تتحقق وكان يريد أن تتم".
وعن سبب قبول الرقابة المصرية للفيلم بعد ان رفضته لاكثر من ثلاثين سنة يقول: "حصل نوع من حرية التعبير أكثر من ذي قبل فأنا لم أغير شيئا لكن العقلية التي تدير الرقابة هي التي تغيرت وآمنت بأهمية القضية التي نطرحها ووجدت نظرة مختلفة تستحق الاشادة من الدكتور مدكور ثابت (رئيس الرقابة) ومعاونيه، وهي نظرة تتفهم المتغيرات الاجتماعية بشكل أكثر عقلانية وهذا هو ما حدث ونتمنى أن يستمر ذلك الي الابد".
وعن اختيار الاطار الكوميدي لهذا الفيلم يقول: "الكوميديا موجودة في جميع أفلام صلاح أبوسيف وعندما نتكلم عن الكوميديا يجب ان تذكر أنني لم أقدم كوميديا متهالكة ولفظية مثل التي ترونها الآن، ثم أنني لا أدري لماذا يري الناس الفيلم كوميديا وأغلب الظن ان الضحك الذي كانت تضج به الصالات وقاعات العرض هو ضحك عصبي لتخفيف توتر وطأة الموضوع فأنا شعرت ان الذين كانوا يضحكون بشدة يبحثون عن أي شيئ من أجل الضحك".
ومن بين الانتقادات التي وجهت للفيلم ان مشهد ليلة الزفاف فيه يظهر قسوة وجهل شديدين، وهو ما يراه البعض امرا مغالى فيه. غير ان المخرج يؤكد ان مثل هذا بل واكثر يحدث كل يوم، ويتذكر ان الشاويش الذي خدم معه في الجيش كان يحكي أشياء أكثر وحشية من تلك التي قدمها الفيلم. اما الاسباب وراء هذا السلوك غير الانساني فهي عدم وجود الاسس العلمية الصحيحة، وان النساء في مجتمعاتنا لا يعرفون شيئا عن العلاقة الجنسية قبل ليلة الزفاف وربما بعد ذلك أيضا.
وما يقوله مخرج الفيلم هو ايضا محل نقد شديد من الكثيرين، اذ يرون انه من الطبيعي الا تعرف النساء شيئا عن الحياة الجنسية قبل الزواج، والا فاننا نطالب بانفلات جنسي كما يحدث في الغرب. ويرد مخرج الفيلم على هذا النقد بقوله: "التجربة شيء والمعرفة شيء آخر. نحن لا نبرر الحرام ولا نقبله ولا نبرر ايضا الجهل بالامور التي تؤثر بشكل كبير علي مسار العلاقات الزوجية، ولعلك شاهدت في الفيلم كيف عرفت الفتاة معلوماتها الجنسية وعلاقتها بالرجل وشاهدت كيف تعاملت معها والدتها عندما وجدتها تلعب مع طفل صغير وهي في سن الثامنة فقد حذرتها من التعامل مع الاولاد والرجال وقالت لها «لو شفتك مرة ثانية مع ولد هاقتلك». هذا الخوف من الاتهام بقلة الادب تحول لدي الفتاة عندما كبرت الي ان الادب بعينه هو عدم الاحساس بالزوج ولهذا اتهمها بالبرود. وهذا ا لاتهام تجده في معظم منازلنا من الزوج لزوجته رغم أن العلم ينفي تماما ان تكون هناك نساء باردات، والمشكلة في التربية والثقافة الجنسية".
ويشدد المخرج على انه حتى يتسنى لنا أن نعيش حياة اجتماعية دون مشاكل لابد أن ننتبه لأهمية الفتور في العلاقات بين الازواج ونبحث لها عن حل عند المعنيين بالأمر، وهناك وسائل شرعية أشرت لها في الفيلم كرجال الدين والاطباء والمدرسين وأولياء الامور وكلهم مسئولون عن الجهل والتجهيل لقضية مهمة مثل التي عرضناها في الفيلم. وأنا في الفيلم لم أعرض الكيفية التي تمارس بها هذه العلاقات ولكن وضعنا أيدينا علي الاسباب التي تفسدها ودائما أردد رسالة صلاح أبوسيف ولينين الرملي وهي رسالة الفيلم أيضا.. يجب ان يتعلم اولادنا الجنس بطريقة صحيحة حتى لا تفسد حياتهم. وعدم سعينا لتعلم اولادنا بصورة صحيحة يجعلهم فريسة لمصادر أخري رخيصة ليأخذوا منها معلوماتهم وما أكثرها فالمجلات الاباحية والكتب الصفراء والآن المحطات الفضائية التي يشاهدها أبناؤنا تضر أكثر ما تفيد. والجانب الاخر الذي يربط العلاقات بين الازواج بالاخلاق هو جانب خطير، فكثير من نسائنا لا يعبرن عن مطالبهن بحجة «الادب».
وعن ردود افعال الجمهور يقول ابو سيف: "الشريحة الاجتماعية المتوسطة وفوق المتوسطة متجاوبة بشكل منقطع النظير وشريحة افلام العيد والميكانيكية وغيرهم يحترمون التجربة والمدهش ان النساء متفهمات جدا للقضية ومتعاطفات معها ويمكن أن تقول انهم أكثر اقبالا علي مشاهدة الفيلم".
وعن مدى نجاح الفيلم يقول مخرجه: "انا راض عن الفيلم تماما وبنسبة 500 % والحمد لله. ولكني سوف أنتظر نتيجة التجربة كمنتج، فقد صرفت ما يوازي 2 مليون جنيه وأنا في حاجة إلي استعادتها فقط ولا أريد أن أكسب من الفيلم. كفاية انني كسبت الفيلم نفسه".