النظام العربي وجماعات العنف: مواجهة بين الخوف والاعتقاد

بقلم: ابراهيم الهطلاني

كثيرون ممن يهتمون ويتابعون إحداثيات الصراع بين جماعات الإرهاب الفكري أو الفعلي وبين الأنظمة والأحزاب العربية الحاكمة لا يتوقعون وربما لا ينتظرون نهاية فعلية لهذا الصراع على الأقل خلال الفترات القريبة والمتوسطة.
إن تحليل تفاعلات أي صراع إنساني يتطلب منطقيا البدء باستعراض لتاريخ أطراف ذلك الصراع ولان مشهدنا المستهدف هنا أبطاله في مقابل الأنظمة السياسة الحاكمة في العالم العربي في مجملها عبارة عن جماعات وحركات إسلامية وتيارات إيديولوجية فلا بد من تحرير موجز على اقل تقدير لحال تلك التيارات الدينية.
قبل بروز التيار الجهادي المعاصر في المشهد العربي والإسلامي نتيجة للتداعي الدولي نحو الساحة الأفغانية وتضافر الاهتمامات الرسمية وغير الرسمية بدعم المنظمات والجماعات الأفغانية بأهداف متعددة ضد الأيدلوجية الشيوعية بأشكالها الخارجية والداخلية كان هناك دعوتان تحولتا إلى تياران بارزان ومؤثران في الفكر الديني العربي والإسلامي هما التيار السلفي والتيار ألإخواني ونحن نشدد على استخدام مصطلح التيار وهو الفكر الديني بكل أبعاده الأخرى الذي تحول من رؤية واعتقاد شخصي أو جمعي إلى حركة جماهيرية شاملة تؤثر وتتأثر بالمحيط الإنساني والجغرافي ومازالت حاضرة متحركة ولذلك سنتجاوز عن الحركتين السنوسية في ليبيا منتصف القرن التاسع عشر والمهدية في السودان نهاية القرن ذاته أي أنهما ظهرتا بين التأسيس الرسمي للحركة السلفية "السعودية" أو ما يطلق عليها الوهابية في وسط الجزيرة العربية عام 1744 وحركة الإخوان المسلمين "المصرية" التي تأسست عام 1928 في مدينة الإسماعيلية والتي كانت تستهدف التغيير السياسي وتوجيه السلطة وفقا لمبادئها من خلال الدعوة والأنشطة الاجتماعية فيما اهتمت الحركة السلفية السعودية باستهداف قضايا العقائد والعبادات وتوجيهها وفقا للتفسير المعتمد في المذهب وقد بلغت حدود الدعوة النجدية من شبه القارة الهندية شرقا إلى أفريقيا غربا بل وصلت إلى أوروبا وأمريكا بفضل ارتباطها بالدعم الرسمي منذ ما يزيد عن قرنين ونصف وظلت دعوة ابن عبد الوهاب بهياكلها الجديدة مرتبطة بالسلطة السياسية ولم تكون كيانا دينيا أو سياسيا مستقلا بخلاف حركة الإخوان المسلمين في مصر وبقية الدول العربية التي بقيت محدودة الموارد والنفوذ في الطبقات العليا وبعضها مطارد محارب بسبب نشاطاتها السياسية ومع وجود واستمرار العوائق امتد التعاطف الشعبي إلى خارج حدود المنشأ لتصبح لاحقا كيانات إخوانية مستقلة في عدة دول عربية ونتيجة للإجراءات الأمنية الرسمية القاسية بل والوحشية في كثير من الأحيان تكون التيار المتطرف واتخذ من بعض أصول المدرسة السلفية وبعض أساليب التنظيم الحركي السياسي ألإخواني منطلقا ومنهجا شرعيا وقوة معنوية يواجه بها الأنظمة الحاكمة في المنطقة بل وحتى بعض مصادر الفتوى والتوجيه الديني الرسمي ومن خلال هذه القراءة ينظر بعض المتابعين إلى عمليات العنف والاغتيال التي كانت وما زالت تمارسها الجماعات الأصولية أو كما يسميها الرسميون خلايا الإرهاب في مصر والجزائر وحتى بعض دول الخليج العربية على أنها تجاوز منطلقاتها العقائدية إلى دوافع انتقامية شخصية أو جمعية ضد عناصر الأمن والمخابرات الذين مارسوا التعذيب داخل المعتقلات وأثناء التحقيق الأمني التي كانت تتجاوز الحدود الإنسانية المتعارف عليها إلى لا حدود ولا منطق فاختلطت آلام الظلم والقهر مع آمال الايدولوجيا لتقضي على بقايا العقل والتسامح.
هناك فريق سياسي وإعلامي يعتقد أن تلك الصدامات بين الطرفين مجرد ملاحقات أمنية وعسكرية لمجموعات خارجة على النظام والسلم الوطني وتعمل السلطات الرسمية على التصدي لها والحد من نشاطاتها وهذا تحليل مقبول وصحيح من حيث التوصيف الظاهري إلا انه لا يلقى التسليم الكامل لدى بعض المتعمقين في قراءة الأزمات وهو فريق آخر يرى في تلك القراءة تحليلا ظاهريا يتجاوز الأصول إلى الفروع والأسباب إلى النتائج ويعتقدون أن القراءات المطروحة حاليا تستهدف عمدا تغييب الواقع والخوف من مواجهة الحقيقة وربما تعود أسباب هذا التوصيف المتأزم في نظرهم إلى خلل متوارث في التصور والتحليل.
إن القراءة المنطقية في نظر الفريق الثاني لمراحل الأزمة تفرز منطقيا فهما آخر لحقيقة الصراع الذي يحتاج إلى كتابات توصيفيه مطولة ولن نذهب بعيدا عن الواقع إذا ما وصفناه اختصارا بأنه صدام بين خوف الأنظمة وتمسكها بمكتسباتها وبين معتقدات وتفسيرات تلك الجماعات وهذا الرأي يتجنب أصحابه الخوض في تفاصيله ويكتفون بطرحه بشكل عام إما خوفا من نقمة أو تهمة وإما مداراة لاستمرار نعمة.
منطقة الوسط أو الملتقى الآمن الذي يضمن سلامة الجميع مازالت خالية حتى ألان من كلا الطرفين ولم نرى أي طرح صادق ومعقول لحل الأزمة لان أي خطوة إلى الأمام ومن أي طرف ستحتاج إلى تنازل في المبادئ أو المكاسب وهي بلا شك خطوة جريئة لن يقبل بها أي طرف مخافة الخسارة فالجماعات الدينية تمنعها أحلامها بإقامة خلافة أو دولة وفق معتقداتها الدينية أو تفسيراتها الظنية وعلى تلك الأسس يمنعها أيضا حكمها وموقفها السياسي تجاه الأنظمة الحاكمة من اتخاذ أي خطوة ايجابية نحو الأمام ويحد من إمكانية التقائها مع السلطة الحاكمة التي تفتقد الغطاء والسبب الشرعي سواء الديني القديم أو العلماني والديمقراطي الجديد، ومن جهتها تعتقد الأنظمة الحاكمة أن التقائها بتلك الجماعات والسماح بنشاطاتها سيفقدها سلطتها ويقلص من نفوذها وربما فتح عليها أبواب الحساب والعقاب وافقدها مكاسبها.
كل أطراف الصراع المتحركون في الساحة السياسية العربية والإسلامية يسعون بشكل ما إلى السلطة والثروة استيلاء أو استملاكا لغايات وعناوين مختلفة وبمنطلقات متعددة، بعض النظم العربية تستخدم بعض الممارسات البرلمانية أو التحركات الديمقراطية لإطالة عمر النظام قدر المستطاع والبعض الآخر يستخدم الشعارات القومية مستغلا استمرار الصراع العربي الإسرائيلي لتغطية جرائمه الداخلية وتجاوزاته الإنسانية تجاه معارضيه بدون التورط في مواجهة حقيقية مع القوات الإسرائيلية ولو أدى هذا الخيار إلى التخلي الفعلي عن أجزاء من الوطن المهم سلامة النظام وبعض الأنظمة العربية تستغل المشاعر الدينية وترفع عناوين تراثية بدعم من مراجعها الدينية لإظهار الوجه اللامع للنظام مع الاجتهاد في تقبيح المضامين السياسية الأخرى المغايرة للسائد المحلي وهكذا تستمر السلطة السياسية في سلطتها بغطاء ايدولوجي تباركه السماء!
وكما استفادت الحركات والجماعات الإسلامية من هذا التفاوت في أشكال وأساليب الكيانات السياسية العربية الحاكمة خلال الخمسينات والستينات وهي فترة انتشار وسيطرة الفكر اليساري على كثير من الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي عندما لجأ عدد كبير من المنتمين للجماعات الدينية المضطهدة في مصر والشام إلى دول الخليج العربي وغالبا إلى السعودية "المحافظة" كذلك الحال خلال الثمانينات والتسعينات استفادت أنظمة عربية وغير عربية من تلك الجماعات والتيارات في تنفيذ سياساتها ومصالحها في أكثر من موقع جغرافي أما الصراع الحالي فما زال محتدما بين القوى الرسمية التي تمتلك السلطة والثروة وبين القوى التي تمتلك الايدولوجيا والأفكار ولها منطلقاتها الشعبية ورغم اختلافنا معها إلا أن الوقائع تؤكد أنها مازالت تمثل خطرا وتهديدا للأنظمة العربية أكثر من تهديدها للوجود الأجنبي وتسبب إحراجا في ذات الوقت للمرجعيات الدينية الرسمية على الأقل في نظر الشعوب. إبراهيم الهطلاني Hemah99@hotmail.com