النظام السوري وايتامه في لبنان...

يتصرّف ايتام النظام الامني السوري-اللبناني الذي دفنه اللبنانيون في العام 2005 اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه بطريقة توحي بأنّ في استطاعتهم استعادة الماضي. لا يستطيع ايتام النظام الامني القبول بأنّ لبنان ما قبل اغتيال رفيق الحريري ليس لبنان ما بعد الاغتيال. لا يستطيع هؤلاء تصوّر ذلك، بغض النظر عن كلّ الاخطاء التي ارتكبها اللبنانيون الذين ينادون بالسيادة. كذلك، بغض النظر عن مسارعة ايران، عبر الميليشيا المسلّحة التابعة لها المسمّاة "حزب الله"، الى ملء الفراغ الذي خلفه الانسحاب العسكري السوري من لبنان، وصولا الى تشكيل الحزب حكومة برئاسة نجيب ميقاتي، ابن طرابلس. كان تشكيل تلك الحكومة تتويجا لسلسلة من الاحداث صبّت في جعل لبنان مستعمرة ايرانية لا أكثر. لم يمنع ذلك اللبنانيين من المقاومة على الرغم من بنادق "حزب الله" الموجهة الى صدورهم العارية...

يحلم يتامى النظام الامني السوري - الايراني أن في استطاعتهم اعادة عقارب الساعة الى خلف رافضين الاعتراف بأنّ النظام السوري سقط، بل شبع سقوطا. لم يعد الموضوع موضوع ضربة اميركية او أطلسية يمكن أن تساعد احرار سوريا، من ابناء الشعب السوري، في دخول دمشق وتحرير تلك الدولة العربية المهمّة من نير العبودية والذلّ. الموضوع الآن ماذا بعد رحيل النظام بشكل نهائي؟ هل من أمل في استعادة سوريا وحدتها الترابية واقامة نظام ديموقراطي ومدني في الوقت ذاته؟ هل من أمل في أن تتحوّل سوريا الى دولة حضارية تعترف بأنّ فيها أكرادا وعربا، مسلمين ومسيحيين ودروزا وعلويين واسماعيليين، وأن وجود هؤلاء مصدر ثروة للبلد؟

لا بدّ من العودة الى ما يعانيه لبنان جراء عجز كثيرين فيه عن استيعاب أبعاد الحدث السوري. هناك في لبنان من لا يستطيع تصديق أن النظام السوري سقط فعلا وأنّه صار من الماضي بعدما فقد الركائز الاساسية التي قام عليها. في طليعة هذه الركائز سنّة الارياف الذين اعتمد عليهم مؤسس النظام حافظ الاسد في المواجهة مع سنّة المدن الذين كان يكرههم.

هناك أيضا النظام نفسه الذي لا يزال يعتقد أن الهرب الى لبنان يمكن أن يساعد في انقاذه فلجأ الى تفجيرات في بيروت وطرابلس يعرف الطفل أنه لا يمكن أن تفيده في شيء. هذا النظام سقط عمليا في العام 2004 عندما مدّد بالقوة ولاية الرئيس اللبناني اميل لحّود بما يخالف الدستور أوّلا وعلى الرغم من صدور قرار عن مجلس الامن التابع للامم المتحدة حمل الرقم 1559 هو نسخة طبق الاصل عن اتفاق الطائف في العام 1989 والذي دعا الى الانسحاب السوري من لبنان والى حلّ كلّ الميليشيات... ثانيا وأخيرا.

ما على المحكّ مصير سوريا. هل تساعد الضربة المتوقعة، بعد اسبوع أو شهر أو سنة... وهي ردّ على لجوء النظام الى السلاح الكيمياوي، في المواجهة التي يخوضها مع شعبه؟ هل تساعد في تسريع سقوط النظام الساقط أصلا؟ بكلام أوضح، هل تساعد الضربة في وضع حدّ لمأساة طالت أكثر مما يجب خدمة للذين يعملون على تفتيت سوريا، وهم للأسف الشديد كثر ومن مشارب متنوّعة؟ هناك الاسرائيلي وهناك الايراني وهناك الروسي وهناك آخرون. ما يجمع بين هؤلاء الاستعداد لخوض كلّ الحروب في المنطقة حتى آخر سوري أو لبناني أو فلسطيني أو عراقي وبمختلف أنواع الشعارات الفضفاضة مثل "المقاومة" و"الممانعة" وما شابه ذلك.

ما يفترض أن تتركّز عليه الانظار في المرحلة الراهنة ليس الضربة الاميركية أو الاطلسية التي قد تأتي قريبا، كما قد تتأخر. من الافضل أن يكون التركيز على مرحلة ما بعد الضربة، أي على مستقبل سوريا كدولة ودورها في المنطقة. كيف العمل من أجل اعادة بناء المؤسسات السورية؟ كيف تخليص سوريا ومن سيحكم سوريا من عقدة الدور الاقليمي، وهو دور أقرب الى وهم من أي شيء آخر؟

يمكن لسوريا أن تكون بلدا واعدا بالفعل، خصوصا بعدما أظهر شعبها الذي يقاتل على غير جبهة كلّ هذا الوعي والنضج في الحرب التي يخوضها مع نظام لم يبخل عليه بأي نوع من أنواع الاسلحة ووسائل القتل... ولكن من أجل سحقه واستعباده واذلاله.

مرّة أخرى، الموضوع ليس موضوع ضربة قد تحصل وقد لا تحصل، قد تأتي سريعة أو قد تتأخّر، علما أنها آتية يوما. الموضوع مرتبط بمساعدة الشعب السوري في اعادة بناء مؤسسات دولته التي قضى عليها نظام عمره يزيد على اربعين عاما. قضى على هذه المؤسسات الواحدة تلو الاخرى. انه نظام يرفض الرحيل قبل التأكد من أنّه لن تقوم لسوريا أيّ قيامة من بعده.

ما يبعث على بعض الامل أن التفجيرات التي استهدفت الشيعة والسنّة في لبنان، لم تؤد الغرض المطلوب. هناك قناعة باتت راسخة لدى معظم اللبنانيين والسوريين، الشرفاء حقّا، بأنّ كلّ الوسائل التي يلجأ اليها النظام لم تعد تجده نفعا. فهذا نظام لم يعرف يوما سوى لغة الغاء الاخر. لم يعد ايتامه في لبنان قادرين حتى على الدفاع عنه، علما أنّهم يعدون نفسهم باعادة الحياة اليه. هل من نهاية أسوأ من هذه النهاية التي جعلت من النظام ينتقل من شعار الانتصار على لبنان كبديل من الانتصار على اسرائيل...الى شعار الانتصار على الشعب السوري كبديل من الانتصار على لبنان؟

انّها بالفعل نهاية لا يحسد عليها نظام اعتقد في يوم من الايّام أنه يمتلك سوريا ولبنان والسوريين واللبنانيين وأن هناك حلفا في المنطقة سيشعل الشرق الاوسط دفاعا عنه. لم يدرك أن شركاءه في هذا الحلف يتفوّقون عليه في لعبة الابتزاز وأنّهم سيتركونه لمصيره بعد استهلاكه... وهذا ما نشهده الان بأمّ العين!

تعود مشكلة النظام السوري الى أنه لا يعرف ايران جيّدا على الرغم من محاولته أن يكون حليفا وندّا لها. كذلك، لا يعرف اسرائيل التي وفّر كل وسائل الطمأنة والضمانات لها.

تكمن مشكلة النظام السوري في النهاية، وهي مشكلة لا يستطيع يتامى النظام في لبنان فهمها، في عجز هؤلاء اليتامى عن استيعاب أنّ لكلّ شيء نهاية وأنّ الغش والابتزاز لا يمكن ان يساهما في قيام الدول وحماية الانظمة... أو نشوء الامم، مهما تاجروا بفلسطين والفلسطينيين.