النصر قادم!

منذ فتح هذا الجيل عيونه على الدنيا وبدأ يدرك ويعقل، صار يسمع عن النصر الذي هو قاب قوسين او ادنى.

لايعلم الجيل اصلا نصر من هو وعلى من ولماذا؟

اسئلة ليس من المهم الاجابة عليها فالاصل هو ان النصر آت وكفى.

كل الاطراف المتصارعة في عالمنا العربي اليوم تنتظر النصر وتعد اتباعها به.

يقول المثل الشعبي "كل واحد عدوّه مقابل عينيه" وفي رواية أخرى ان لم يكن هنالك من عدوّ فعلينا ان نوجده.

ترى ماذا جنى العرب من عداوات بعضهم المستدامة المزمنة، ماذا حققوا ومن انتصر على من؟

نعم هم ناقضوا وصية النبي (ص) ان لا يعودوا جهلة وجاهليين يضرب بعضهم رقاب بعض فراحوا يفعلونها مرارا وتكرارا وهم يحلمون بالنصر.

اي نصر هذا الذين يمكن ان يحققه عرب مفككون مشتتون تتناهب حياتهم واعمارهم "قدسية الصراعات" التي تسبق التنمية والسعادة البشرية والرخاء، وتسبق الثقافة والفن والابداع.

اي ابداع واية ثقافة في مقابل ذلك النصر الموعود؟

تنفق اموال الشعوب بسخاء نذورا من اجل ان يأتي يوم النصر.

الاعداء يتآكلون ويتفككون بينما نحن نصعد ونرتقي ونصنع امجادا من خرافة وجودنا العاطل وذاكرتنا الهامشية ووعينا المتصحّر الجامد.

العلّة التاريخية سوف تتشظى الى عِلل ومن حولها مباخر تبجيل النصر المؤزر وضرب الطبول لكي يأتي سريعا.

اجيال الرومانسية الثورية والقومية شبعت من حديث النصر المؤزر واشبعت شعوبها وما أتى النصر ولا عاشته البلاد والعباد.

نرجسية اعدائنا ولؤمهم جعلتنا نزيد من "تصبيرة" النصر المؤزر والحاسم ونقضم من اعمارنا لكي نقرّب مسافة قدوم العدو.

بأمكاننا ان نعيش حياة مدنية مسالمة وعندنا ما يكفي من اسباب الحياة المرفهة السعيدة.

لكنها احلام طوباوية واما الحلم الذي صار حقيقة فهو حلم النصر المؤكد والحازم.

كان النصر ينتظر الانقلابات التي شهدها العراق منذ اواخر اربعينيات القرن الماضي حتى سقوط النظام وبدء الاجتياح الاميركي 2003.

مع ذلك ما زالت ثقافة النصر الذي هو آت يجري التلويح بها لاطفال صغار مستمتعين باللعبة هي بالضبط لعبتهم التي لا تكاد تفارقهم وتبدو الحياة من وجهة نظرهم خيارا صعبا ما لم تقترن بخيالات النصر المؤزر.

قصّتنا مع اسرائيل كما نعلم هي قصة طويلة كان النصر المؤزر فيها قاب قوسين او ادنى لكن وقع ما لم يكن في الحسبان اذ طُمَس النصر ولم يتحرك دعاته لانقاذ ما يمكن انقاذه.

بالطبع لا احد من الممكن ان يمنع آخر من ان يحلم لكن الحلم هنا مرتبط بالنصر.

نصر افتراضي مثل كائنات مجهولة تصطنع انتصارات، علامات نصر يلّحون بها.

في تلك البانوراما العرضية المتعلقة بانتظار الفرضة السانحة كان "اعداء" الامّة يتكاثرون بمعنى انهم سوف يتركوننا بسلام ونحن نرفع خيمة الوطن.

كل اعداء العرب اخذوا التهديدات على محمل الجد، فسخّروا اعلاما واعلاميين لملاحقة دعاة النصر حتى صار الاثنان علامة فارقة على زمن عربي مشوّه.

ظاهرة النصر المؤزر سوف تفقد قيمتها لترافقها ازمات مستحكمة وغرق في ديون وبطالة ومتاهات لاحد ولا حصر لها.

فأي نصر مؤجل من الممكن ان يتحقق في وسط بطون خاوية وشباب محبط فلا عمل ولا زواج، هذا ما يردده ملايين العرب المحبطين.

مهما يكن من امر فهي ظاهرة عربية بامتياز، يملك العرب حيثياتها وتاريخها وفي الوقت نفسه يحاولون ازاحتها عن لا وعيهم باليقين بالنصر المؤزر.