النساء يتفوقن على الرجال في تونس

بقلم: هشام القروي

اطلعت على تقرير احصائي متعلق بشأن قلما يخوض فيه المعلقون السياسيون العرب، بالرغم من أن الموضوع يستحق الاهتمام وتسليط الضوء من حين الى آخر، حتى إذا لم يكن سياسيا بالمعنى الدقيق للكلمة. وقد يستغرب بعضكم أن أكتب اليوم عن هذه المسألة، وقد يرى البعض في ذلك "موقفا ما" من ...أو ازاء...الخ.
والواقع أن المسألة عادية تماما في الغرب، ولا تثير وجع الدماغ الذي يصيب كل من يقترب منها في العالم العربي، حيث تصبح قضية اجتماعية مجالا للمزايدات السياسية بين الأحزاب، وحتى بين الدول.
أريد أن أتحدث عن هذا التقرير المتعلق بالمرأة التونسية في مجال حيوي، وهو التعليم العالي، حيث يبدو أن حضورها تجاوز حضور الرجل ليبلغ نسبة 56 في المائة من مجموع الطلبة المسجلين فى مختلف الجامعات والكليات والمعاهد العليا. وقد ابرز التقرير المذكور استنادا لنتائج التعداد العام للسكان والسكنى الذى اجرى فى تونس خلال العام الماضي ان المرأة التونسية انتقلت في السنوات الاخيرة من المساواة الى الشراكة الفاعلة وسجلت نسبة حضورها في سلك التعليم تطورا كبيرا لتتجاوز في بعض القطاعات 50 بالمائة وفاقت الـ70 بالمائة في بعض المهن الطبية. وتمثل النساء نسبة 31 بالمائة من الممارسين لمهنة المحاماة و27 بالمائة من القضاة و56 بالمائة من مجموع الطلبة، فيما يتم تأهيل المرأة لمواكبة مستجدات مجتمع المعلومات والمعرفة وتوظيف امكاناتها لكسب المزيد من الرهانات وتعزيز موقعها في منظومة البحث العلمي والتكنولوجيا واقتحام المهن الواعدة وانماط العمل المستحدثة. وجاء فى التقرير ان مراهنة تونس على المراة منذ الاستقلال جاء من منطلق الايمان بدورها في الاسرة والمجتمع وبانه "لا تنمية ولا حداثة ولا تقدم بدون مشاركتها" باعتبارها تمثل نصف المجتمع.
كما ارتفع عدد تواجد المرأة التونسية في الحكومة من اثنين عام 1999 الى سبعة عام 2004 ونسبة حضورها في مجلس النواب من 11.5 بالمائة في عام 1999 الى 22 بالمائة عام 2004 كما توقع التقرير ان تتدعم نسبة تواجدها في المجالس البلدية أيضا.
واشار التقرير الى ان المرأة اصبحت تشغل في تونس عديد المناصب الهامة مثل مستشارة لدى رئيس الجمهورية ورئيس اول لدائرة المحاسبات ونائب اول لرئيس مجلس النواب ومحافظة ووكيل نيابة عامة ورئيسة بلدية مقابل ارتفاع نسبة تواجدها في المجلس الاعلى للقضاء الى 14 بالمائة اضافة الى ارتفاع نسبة تمثيليتها ضمن اعضاء السلك الديبلوماسي التونسي في الخارج لتصل الى 24 بالمائة. واوضح التقرير ان النساء حققن تطورا يفوق الذي حققه الرجال في الحياة النشيطة حيث ارتفعت نسبتهن الى26.6 بالمائة من مجموع السكان النشيطين فى سوق العمل في تونس.
ويتوقع استمرار تعزيز مكانة المرأة ودورها في مختلف اوجه الحياة فى المجتمع التونسي خلال السنوات المقبلة بهدف زيادة نسبة تواجدها في مواقع القرار والمسؤولية لتصل الى 30 بالمائة .
وهناك توجه ايضا نحو اعطاء المرأة التونسية فرصا اكبر للتوفيق بين حياتيها الاسرية والمهنية من خلال اقرار نظام خاص للام يمكنها حسب رغبتها من العمل نصف الوقت مقابل الثلثين من الاجر مع الحفاظ على حقوقها في التقاعد والضمان الاجتماعي.
وبالنظر للصعوبات التي تعيشها النسوة في بلدان عربية أخرى، فإنه من الموضوعية التنويه بهذا التقدم في تونس، ولدي ملاحظتان حوله، الأولى هي التأكيد على أن حقوق المرأة هي جزء لا يتجزأ من حقوق الانسان، وأن أي مكسب يتحقق لها هو مكسب للمجتمع بأسره، نساء ورجالا وأطفالا. بعبارة أخرى، لا يمكن للمدافعين عن حقوق الانسان في أي بلد أن يعتبروا مسألة حقوق النساء في المساواة مع الرجال أمرا ثانويا أو لا يستحق العناية أو شأنا متروكا للنضال النسوي وحسب. والملاحظة الثانية لها صلة مباشرة بالسياسة والانتخابات. ففي مجتمع تصل فيه نسبة النساء المتعلمات درجة متقدمة، من الطبيعي تماما أن نجدهن يصوتن في أي انتخابات الى جانب الحزب الذي يعتقدن أنه ممثل لمطامحهن ومحافظ على مكاسبهن. ولست أتحدث هنا عن حزب معين ولا عن بلد معين، وإنما هو استنتاج عام يشمل التصويت النسائي في أي بلد. فهل من المعقول أن يصوت النساء لطرف يعد بحرمانهم من حريتهن أو بالتراجع عن مكاسبهن؟ هذا ما يجعل الديمقراطية ممكنة في بلدان لا تزال تخشاها، بسبب الاسلاميين أو سواهم. أعتقد أن النساء – اذا منحن حقوقهن، والقرآن الكريم نفسه حريص على ذلك – هن الحصن الحقيقي للنظام الديمقراطي. وما وقع في الكويت مؤخرا من تمكين النساء من الحقوق السياسية والمدنية التي يتمتع بها الرجال جدير بالتنويه أيضا، وفيه اشارة الى تغيرات مهمة ستحصل في بلدان الخليج. ولنا عودة الى الموضوع ان شاء الله. هشام القروي