النساء.. ما تتطلبه المساواة الجندرية!

التحايل على المساواة

تعرَّف العالم على عددٍ كبيرٍ من المفردات والمصطلحات العلمية والصياغات اللغوية على صعيد قضية المرأة منذ ظهور الحركات النسوية في العالم بواكير القرن الماضي. من تلكم المفردات والمصطلحات "تعليم المرأة"، "سفور المرأة"، "تحرير المرأة"، "حقوق المرأة"، "النهوض بالمرأة"، "المساواة" وغيرها. بالمقابل ظهرت مصطلحات توفيقية من قبيل "التكامل"، "التعاون" و"الآصرة" وما اليها.

وحققت النساء منذ ذلك الحين في العديد من البلدان الكثير من الإنجازات على مستوى تأمين أو إنتزاع بعض الحقوق كما في الحصول على "حق الاقتراع" في عدد كبير من البلدان وإنْ كان على مدى واسع ليس في عدد السنين وإنّما في عدد العقود من الزمن. ففي الوقت الذي إنتزعت فيه النساء الأميركيات حق الاقتراع عام 1920 الذي أصبح علامة فارقة في تاريخ نضالهن السياسي حصلت النساء العربيات بالتتابع على هذا الحق في خمسينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ويلاحظ أنّ النساء العربيات حققن مكاسبهن على مستوى التشريع وتصاعد الوعي الاجتماعي بأتجاه دعمهن وبخاصة على مستوى الحقوق الأساسية كالحق في التعليم وفيما بعد الحق في العمل بتأثير من النُخب السياسية الوطنية التي مارست العمل والنشاط ولعبت دوراً مهماً في حركات التحرر القومي والوطني التي إجتاحت العالم العربي منذ خمسينيات القرن المذكور.

وكان لدخول النساء ومشاركتهن الفاعلة والمؤثرة في هذه الحركات دورٌ مهمٌ على هذا الصعيد كما في المثل الذي ضربته المرأة الجزائرية أيام حرب التحرير من أجل الاستقلال والتضحيات التي قدمتها وتقدمها المرأة الفلسطينية والعراقية في ظل ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية قاهرة. وفي الوقت الذي كانت فيه هؤلاء النساء يحتفين بإنجازاتهن وثمار جهودهن لتحقيق تلكم المكتسبات واصلت النساء الغربيات العمل والكفاح ليس على صعيد المطالبة المباشرة لتحقيق مكاسب سياسية وإنّما لتطوير العقلية وإحداث التغيير اللازم في المنظومة الفكرية والمفاهيمية للمجتمع.

فكان أنْ ظهرت حركات وتيارات فكرية بمرجعيات علمية ونظرية قوية وراسخة كما في التيار الماركسي والأشتراكي للردِّ على أنصار التيار التحرري الليبرالي وجاء بعد ذلك وبتأثير من الفيلسوفة الفرنسية المعروفة سيمون دي بوفوار في كتابها "الجنس الآخر"، التيار الراديكالي. وظهرت تيارات فكرية أخرى كما في التيار الثقافي والتيار الحديث وأخيراً وليس آخراً التيار الجوهري والتيار التقاطعي الذي يأخذ بالاعتبار تنوّع مكانات النساء وانتماءاتهن الاجتماعية مما يجعل من الصعب الحديث عنهن كما لو كنّ كتلة محددة يتطلب أمر معالجة إشكالاتها وصفات موحدة. وهكذا تتالت الجهود وإزدهرت الإمكانات. وحفلت المؤتمرات العالمية التي عُقدت في مختلف أنحاء العالم بجدالات ساخنة وملهمة تتناول أوضاع النساء في مختلف الفئات والجماعات والبلدان حتى بلغ الأمر أنْ خصصت المنظمة الدولية عقداً كاملاً للمرأة للفترة من 1975 – 1985 أقيمت خلاله أعداد لا حصر لها من النشاطات والفعاليات المصممة للفت الإنتباه الى أهمية قضية المرأة وتمكينها من التحرر والنهوض.

وإستمرت الجهود المثابرة بالتصاعد حتى بلغ الأمر أنّ فرع الدراسات النسائية الذي شُرع بتأسيسه في عدد من الجامعات الريادية المرموقة في العالم يُعد اليوم الأكثر نشاطاً وحيوية من حيث الانتاج الفكري لصالح الإرتقاء بقضايا المرأة والنهوض بها والدعوة الى إحداث التغيير اللازم لصالحها. ولعلَّ في ظهور مفردة جديدة غير مألوفة سرعان ما أثارت نقاشات ومحاولات لتعريبها كما في "جندر" مقابل المفردة القديمة "جنس" دليل ساطع على حيوية هذا الفرع، فرع الدراسات النسائية. وقد عُرِّبت المفردة "جندر" الى "نوع" إلا أنّها بقيت إشكالية بحيث صار تناولها كما هي برغم تحفظات البعض أسهل.

باختصار، عُني بكلمة "جندر" الفروق أو التوقعات السلوكية الاجتماعية لكلا الجنسين الأمر الذي ينطوي على درجة "تصيّر" اجتماعي وليس مجرد قالب اجتماعي يُؤخذ على ما هو عليه كما في مفردة "جنس" التي أعيدت الى الخانة الطبيعية لها من حيث أنّها تشير الى الأختلافات البيولوجية الفيزيقية المعروفة التي يولد بها الذكور والأناث والتي لا دخْل لهؤلاء أو أولئك بها لكونهم ولِدُوا فيها. يلاحظ أنّ مفردة "جندر" اختراع أميركي ظهر في سبعينيات القرن الماضي وإستعصى فهمها لفترة من الزمن على المواطنين الأميركان أنفسهم من غير المتخصصين بدايةً. شاعت المفردة اليوم لتشبَّ كالنار في الهشيم حتى صارت معروفة بدلالاتها اللغوية والسياسية والاجتماعية.

مع ذلك ما زلنا هنا نعيش على إرث الماضي ويكتفي الكثير منا بالمفردات التي ضاقت بمعانيها عما يعتمل في الواقع من تغيّرات وإرهاصات وتحولات. فلم تعد قضية تأمين بعض الحقوق الأساسية بقضية كما في تعليم وعمل المرأة أو حق الاقتراع، بل وحتى الترشيح للمشاركة في انتخابات تجرى على الصعيد المحلي أو الوطني. وصار أمر الحديث وتحليل ما يجري على مستوى التمييز الفردي والاجتماعي ضد المرأة مألوفاً، إلا أنّ ما تمّ إدراكه في العالم اليوم لم يُدرك للآن في هذه البقعة من العالم وبخاصة على مستوى المجتمع ككل. والمقصود هنا مفردة "المساواة الجندرية".

يلاحظ ألا تؤخذ أي من هاتين الكلمتين بمعزل عن الأخرى "مساواة" و"جندر" إنّما تؤخذا معاً لتشكلا مصطلحاً منحوتاً بطريقة مُحكمة. فالمساواة الجندرية لا تهتم بالمساواة على مستوى الحقوق السياسية والتشريعية الاجتماعية العامة فحسب، بل تتطلب شيئاً أكثر من هذا وذاك. إنّها تتطلب تغييراً حقيقياً ملموساً على مستوى القوالب الاجتماعية والثقافية في المجتمع لتمكن الجنسين (الذكور والأناث) من بلوغ حالة من المساواة والتفاعل الاجتماعي الإنساني الطبيعي وبلا تحفظات، هذا يعني بتبسيط شديد أنْ يسمح المجتمع ببكاء الرجال وإرتفاع ضحكات النساء وأنْ لا يكون اللباس مقياساً يستدعي المضايقة أو النظرات المرتابة، ويعني أيضاً ألا يخجل الرجل من قضاء بعض الوقت في المطبخ ليس ليحل محل الزوجة المسافرة أو لمساعدة زوجته المريضة وإنّما ليساعد الزوجة الحاضرة أو الزوجة العامرة بالصحة والعافية ممن قد يُعيقها عملها من إتمام وجبة الغذاء بالوقت المحدد والمناسب.

وأنّهما لذلك يتعاونان بتبادل إيجابي وإنساني أخلاقي يؤخذ طواعية وبلا إستعلاء أو تذمّر أو شعور بالمنّة أو حتى الكثير من الإمتنان، كما يحدث في الغالب. إنّه يعني ألا يفترق الزوجان عندما يذهبان للتعزية بوفاة أحد أو عندما يؤديان فرض الزيارة الدينية لأيٍ من الأضرحة المقدسة ليختارا مدخلاً نسائياً وآخر رجالياً وهما اللذان تحركا كوحدة عائلية متماسكة وقوية مبارك لهما فيها دينياً واجتماعياً ونفسياً وقانونياً. حتى يحدث ذلك، فإنّه ليس ممكناً الحديث عن مساواة جندرية، إنّها أوسع بكثير من كل المفردات والمصطلحات القديمة التي أشير الى أكثرها شيوعاً هنا. إنّها تعني أنْ نسبغ سمة الإنسان على كلينا الرجل والمرأة وأنْ نضع الكثير من الثقة بآدمية الانسان رجلاً كان أم امرأة. ليس مهماً مَنْ يتقدم على مَنْ إنّما المهم أنْ يتميز الواحد عن الآخر بمستوى الأداء والإخلاص للعمل والأنتاج. فيما عدا ذلك فإننا كائنات حيّة تعيش الحاضر بمقاسات وأثواب عتيقة متهرئة عفا عليها الدَّهر.

لاهاي عبد الحسين

كاتبة عراقية