النداوي يؤرخ للعلاقات العراقية

بقلم: د. إبراهيم خليل العلاف
معادلة ثلاثية الأبعاد

عرفته منذ أن كان طالبا في الجامعة المستنصرية، حيث كان يدرس للحصول على شهادة الماجستير، والتي نالها سنة 1980، وكان عنوان رسالته "العلاقات العراقية –السوفيتية 1944-1963 ".

وتعمقت علاقتي به عندما أسهمت في التدريس والإشراف والمناقشة لرسائل وأطروحات قدمت في تلك الجامعة. وبعد تخرجه أصبحنا أصدقاء، وزرته في كلية التربية الأساسية (المعلمين سابقا) حين كان عميدا وأتذكر أنني تعاونت معه عندما ترأس جمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين وكنت أنا رئيسا لفرعها في محافظة نينوى. في كل تجاربي معه وجدت انه أستاذ فاضل، ومؤرخ ثبت وإنسان يتمتع بأخلاق رفيعة.

ولد في بغداد سنة 1951 وأكمل دراساته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها، ثم دخل قسم التاريخ بكلية التربية – جامعة بغداد وحصل على البكالوريوس سنة 1972. وبعد حصوله على الماجستير أكمل دراسته وحصل على شهادة الدكتوراه سنة 1990 من الجامعة المستنصرية وكان عنوان أطروحته "العلاقات الإيرانية –السوفيتية 1971-1941".

كان الدكتور عبدالمناف شكر النداوي - قبل حصوله على الدكتوراه - موظفا في الجامعة المستنصرية وللفترة من 1973 ـ 1981 وبعد الحصول على الماجستير تغير عنوان وظيفته، وأصبح مدرسا مساعدا ثم رقي إلى مرتبة أستاذ مساعد 1992، وأستاذا 1996 وأتذكر أنني كنت واحدا ممن قاموا بترقيته إلى هذه المرتبة.

تسنم مناصب إدارية عديدة منها معاون عميد في كلية التربية – الجامعة المستنصرية 1991 ، ورئيس قسم التاريخ في الكلية ذاتها، وعميد لكلية المعلمين (التربية الاساسية حاليا) في الجامعة المستنصرية 2001-2002 ، ورئيس جامعة كربلاء 2002-2003 وحاليا هو رئيس لقسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة الحديدة باليمن الشقيق.

أشرف وناقش العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات العراقية واليمنية. كما درس مواد كثيرة في الدراسات الأولية والعليا معظمها يقع ضمن التاريخ العربي الحديث وتاريخ ايران الحديث وتاريخ جمهوريات الاتحاد السوفيتي الاشتراكية السابقة.

وهو عضو في هيئات رأي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وفي جريدة الثورة (البغدادية) وفي أمانة بغداد. كما كان عضوا في مجلس الجامعة المستنصرية، وخاصة السنوات من 1985-2003. وشارك في أنشطة اتحاد الجامعات العربية لسنوات.

ويتحمل عند كتابة هذه السطور مسؤولية "عضوية المجلس العلمي" لجامعة الحديدة باليمن. وقد اختير ليكون عضوا في هيئات تحرير مجلات عديدة منها مجلة "دراسات في التاريخ والآثار" التي تسلم رئاسة تحريرها لمدة ثلاث سنوات، وهو الآن عضو في هيئة تحرير مجلة "آداب الحديدة". كما شارك في ندوات ومؤتمرات داخل العراق وخارجه، وقدم بحوثا ودراسات وأوراق عمل دار معظمها حول قضايا المعلم ودوره، والنفط وتأثيره، والعشائر في العراق وتاريخها.

وللدكتور عبد المناف شكر النداوي دور كبير في فتح جامعة كربلاء سنة 2002، وتهيئة ملاكاتها، والاسهام في دفع الدراسات التاريخية العليا من خلال فتح دراسات ماجستير في التاريخ في كليتي التربية والتربية الأساسية في الجامعة المستنصرية.

من كتبه المنشورة " العلاقات العراقية – السوفيتية 1944/1963" و"تاريخ آسيا الحديث والمعاصر بجزأين"، و"مشكلات تاريخية معاصرة".

أشرف على رسائل وأطروحات ماجستير ودكتوراه دارت حول موضوعات مهمة. وله رؤية واضحة للتاريخ قراءة ودراسة وكتابة، ومن ذلك قوله: "إن رؤيتنا للتاريخ، تنطلق من أن التاريخ وعاء كبير لنقل كل ألوان المعارف والعلوم السابقة, وهو بحث واستقصاء الماضي كما أنه سجل الخبرات السابقة، ووثيقة لتخليد أسماء ورموز من أبدعوا في كل المجالات، وهو بهذا يعد دافعا وحافزا لمن يريد أن ينتهج المنهج نفسه. وكذلك في التعلم من الماضي لتدبير الحاضر وتوضيحه وتفسير إحداثه وإنارة المستقبل والاستعداد له".

ويضيف إلى ذلك قوله: "إن من بين الأمور الأساسية، والتي تدخل في إطار فوائد التاريخ، هي كونه عبرة وعظة. وفي هذا الإطار نجد أن السائد الآن في الغالب، هو قراءة مجريات وأحداث الماضي دون أن تتم الاستفادة منها ودون أن يصار إلى وقفة علمية جادة للاتعاظ بما حدث في الماضي والحيلولة دون تكرار وقوع الخطأ, ويشكل هذا الجانب واحدا من أبرز الأمور في الوقت الحاضر إذ يتعرض التاريخ والمعنيون فيه إلى نقد قد يصل إلى هجوم من قليلي الخبرة وأصحاب النظرة المحدودة أو من الذين أثرت عليهم هجمة المعارضين للتاريخ، فتراهم يوجهون النقد المباشر دون أن يعرفوا أن المشكلة ليست في التاريخ وأهله من المختصين بل المشكلة في القراء أنفسهم حين يقرؤون التاريخ قراءة استعراضية سريعة دون أن يقفوا ليحللوا ويستنتجوا دون أن يقعوا بذات الخطأ الذي وقع فيه السابقون سواء كانوا قادة عاديين أم قادة أم دولا وهذا ما هو قائم الآن فقد كرر كثير من الزعامات أخطاء من سبقوهم على مستوى بلدانهم أو البلدان الأخرى دون أن يستفيدوا من أخطاء السابقين ... "

وفي إطار العودة إلى المدارس الخاصة بتفسير التاريخ، فقد تعددت كثيرا ما بين تفسير خرافي، وأسطوري، إلى تفسير الحتمية وعلاقتها بالتطور الاجتماعي والحضاري، والى تفسير عرقي والى نظرية القائد والبطل والزعيم والى نظرية العامل الاقتصادي المادي والى تفسير ديني ومن ثم تفسير حضاري، وهنا نجد أن كل هذه النظريات كانت رؤى جيدة في حينها قدمت تحليلات واستنتاجات على وفق فهم أصحابها ولكن وعلى مر الزمن ثبت أن الكثير من السلبيات قد سجلت إزاءها وان بعضها قد انهار بعد فترة أو أن التطور التاريخي للمجتمعات قد تجاوزتها.

ولكن نجد أن ما جاء به العلامة ابن خلدون في بعض الآراء التي عرض فيها الشيء الكبير من الايجابية وخاصة في تأكيده على نبذ التقليد والتوجه نحو الإبداع والتجديد والى تأكيده على (لماذا) و(كيف). كما نجد أيضا أن ماجاء به ارنولد توينبي وخاصة في مسألة قانون التحدي والاستجابة يشكل رأيا صائبا بتقديرنا في نشأة الحضارات في الأمس وفي حال الأمم والشعوب والمجتمعات في حاضرنا الراهن إذ أن التحديات قائمة والاستسلام لها يسقط الحضارات ويقوض الكيانات ولكن بالاستعداد والمواجهة والاستجابة الواعية تؤدي إلى دحر التحديات والانتصار عليها وبالتالي البقاء في عالم اليوم.

وأخيرا يرى الدكتور النداوي أن موضوعة إعادة كتابة التاريخ التي أثيرت قبل عقود وعقدت بشأنها الندوات والمؤتمرات العديدة ضعفت وتراجعت إلى حد كبير. وهو يقول إن تلك الدعوة مهمة الآن أكثر ما كانت عليه في وقت إثارتها خاصة وأننا نعيش في ظل تحديات جديدة ومتغيرات كبيرة في عالم الفكر والسياسة والعولمة وثورة المعلومات وتسييس الإسلام والصراعات ذات الأبعاد الإقليمية، والقومية، والعرقية، والطائفية.

وعلى الرغم من أن مثل هكذا دعوة ستصطدم وستجد من يعارضها ويتصدى لها إلا أن من واجب المؤرخين الواعين ضرورة عرضها مجددا إذ من خلالها سيصار إلى تنقية الكثير مما سجلته المؤلفات المغرضة والكتب المحرفة ذات الغايات السيئة. وهكذا يرى الدكتور النداوي أن العودة للماضي، ليس للبقاء هناك في بعده الزمني بل يتطلب الأمر توظيف كل عناصر القوة فيه وتوظيفها في الحاضر. عند ذاك سيصبح الحاضر قويا متينا وقاعدة رصينة نحو الانطلاق للمستقبل, أنها معادلة ثلاثية الأبعاد تحتاج جهدا واعيا متوازنا يرسم علاقة إيجابية بين الماضي والحاضر والمستقبل.