النداء والنهضة مرشحان للتصويت العقابي في الأحياء الشعبية

مقاطعة الأحزاب السياسية

ثاني اثنين إذ هما في مقهى من مقاهي حي التضامن الشعبي بالعاصمة تونس إذ يقول لصاحبه "لا تحزن عليهم لن أمنح صوتي لأي قائمة من القائمات الحزبية" فيرد عليه صاحبه متشنجا "سأمنح صوتي لإحدى القائمات المستقلة نكاية في أحزاب لا تبيع لنا سوى الأوهام".

شابان أحدهما يحذر الاخر من مغبة التصويت لأي حزب من الأحزاب بعد أن قادت البلاد طيلة سنوات سبع من أزمة إلى أخرى أشد.

وسام الفطناسي اصيل جهة نفزة ومراد العياري أصيل مدينة مكثر شابان في الثلاثينات من العمر يصر أولهما على العزوف الانتخابي فيما يتمسك الثاني بالتصويت العقابي لكل من النداء والنهضة الحاكمين اللذين لم يوفرا له لا العيش الكريم ولا الشغل.

ويمثل الشابان عينة من سكان الأحياء الشعبية التي تتحدث عن السياسة عن بعد دون أن تزج بنفسها في الانتماء لأي حزب من الأحزاب حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة الشباب التي تنشط في الأحزاب لا تتجاوز 5 بالمئة وهي كارثة سياسية بأتم معنى الكلمة في مجتمع يزخر بالكفاءات والطاقات التي ما انفكت تبدي اهتمامها بالشأن العام.

قد يكون من الصعب الحديث عن العزوف الانتخابي خلال هذه الفترة وإنما الأجدر الحديث عن نوايا التصويت باعتبار أن العزوف هو حالة تتلو عملية الاقتراع لكن عمليا لا يقود تدني نوايا التصويت في نهاية الأمر إلا إلى العزوف الانتخابي.

تقر الأحزاب السياسية بأنه لا أحد بإمكانه أن ينكر الجهود الكبيرة التي ما انفكت تبذلها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات سواء من حيث عمليات التوعية أو من حيث تمديد آجال التسجيل لتوفير أكثر ما يمكن من الفرص أمام الناخبين لتسجيل أسمائهم في أول انتخابات يفترض أن تفرز مجالس بلدية ممثلة لأهالي الجهات لا ممثلة للقائمات الحزبية المتحزبة.

كما يقرون بجهود الدولة ممثلة في مؤسساتها المعنية في المراهنة على الاستحقاق البلدي وإنجاحه ليكون خطوة تاريخية أخرى في مسار التجربة الديمقراطية التي تنتهجها تونس وهي تشق حقولا من الألغام وطنيا وعلى مستوى المنطقة.

لكن بالقابل، من الإجحاف، كما يرى محللون، الذهاب إلى أن أهالي الأحياء الشعبية يراهنون على الانتخابات لتركيز مؤسسات حكم محلي تكون ممثلة تمثيلا شعبيا شرعيا لهم ولأهالي الجهات الذين يطالبون بأن يديروا شؤونهم المحلية بأنفسهم مراهنين على أبنائهم من الكفاءات في الطب والهندسة والمحاماة والتعليم وفي مراكز القرار الإداري.

ويتوقع شهاب بلخوجة المحلل السياسي أن تكون "نسبة العزوف والتصويت العقابي لقائمات النداء والنهضة مرتفعة في الأحياء الشعبية بالمقارنة مع المدن الكبرى خاصة منها الساحلية المترفهة والمعقل التاريخي للنشاط السياسي".

ويضيف بلخوجة وهو يتحدث إلى مراسل ميدل ايست أونلاين "إن شعور أهالي الأحياء الشعبية بالحيف والحرمان والتهميش دفع بهم إلى نوع من القطيعة مع الأحزاب السياسية وخاصة النداء والنهضة اللذين يحملانهم مسؤولية تردي أوضاع الاجتماعية".

وتفيد الأنباء القادمة من الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لمراسل ميدل ايست اونلاين بأن نسبة التسجيل لا تتجاوز نحو 30 بالمئة من الجسم الانتخابي وهو ما يعني ضمنيا أن نحو 70 بالمئة من الناخبات والناخبين لن يتوجهوا يوم 6 مايو/ايار إلى صناديق الاقتراع.

قد يبدو ذلك أمرا طبيعيا حتى بالنسبة للديمقراطيات العريقة التي تراهن على الطبقة السياسية والدوائر المحيطة بها، كما يذهب إلى ذلك محللون سياسيون، لكن ذلك لا ينفي باي حال من الأحوال ان مثل تلك المؤشرات تعكس حالة من العزوف الانتخابي أو نوايا التصويت العقابي خاصة ضد النداء والنهضة.

ووفق الهيئة العليا المستقلة للانتخابات يستحوذ الحزبان الكبيران ما يناهز 90 بالمئة من القائمات الانتخابية الحزبية ليعمقا لدى التونسيين شراهتهم في انتزاع مجالس بلدية يفترض أن تفسح المجال أمام التونسيين لإدارة شؤونهم المحلية بأنفسهم.

يقول وسام الفطاسي وهو ينفث دخان سيجارته "ما ذا قدمت لنا الأحزاب طيلة سبع سنوات، سوى خطاب سياسي يعد ولا يفي بالوعود، أخي الصغير سافر عبر قوارب الموت إلى إيطاليا هربا من البطالة وأبي الذي كان يعمل هو الآن عاطل بعد أن توقف المصنع عن العمل أما أمي فقد اضطرت إلى أن تشتغل كمعينة منزلية في حدائق المنزه".

ويضيف يقول "هذه حالنا، وتريدني أن امنع صوتي لقائمات تتنافس على المجالس البلدية، والحال أن حي التضامن يفتقد إلى أبسط مقومات التنمية والبنية الأساسي، أنظر إلى الشوارع غير المعبدة وأكوام الأوساخ، لن يفرح أحد بصوتي".

وخلاف لما يظن البعض فإن الناخبات والناخبين المنحدرين من فئات اجتماعية هشة على وعي عميق بأن المنافسة في الانتخابات البلدية لن تدور بناء على برامج تنموية محلية خاصة بكل جهة على حده باعتبار الخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية وإنما ستجري بين الأحزاب السياسية وفي مقدمتها منافسة شرسة بين النداء والنهضة.

ولا يختلف موقف مراد العياري الذي جاهر بالتصويت العقابي كثيرا عن موقف صديقه إذ هو يرى أن أفضل طريقة انتخاب تعبر عن موقفه وموقف الشباب عامة هو معاقبة الأحزاب السياسية وخاصة منها الحاكمة التي انتهجت سياسات ممنهجة لتهميش الشباب وتهميش أهالي الأحياء الشعبية والجهات الداخلية لتركز نشاطها في المدن الكبرى التي لا تعاني من معضلات غياب التنمية ونسبة البطالة العالية.

وبنبرة لا تخلو من الاستهزاء يقول العياري "إن الانتخابات البلدية ستفرز مجالس تقاسمها النداء والنهضة كما تقاسما البرلمان على حساب السكان المحليين، وأنا لست مستعدا إلى أن يصعد لا النداء ولا النهضة أو غيرهما على أكتافنا أو يتاجرون بهمومنا ومشاغلنا خلال الحملات الانتخابية".

ويجاهر العياري بأنه "سيمنح صوته لإحدى القائمات المستقلة بعد التثبت في هوية رئيسها وهوية أعضائها" ملاحظا أن "عددا من القائمات المستقلة ليست سوى غطاء سياسيا مخاتلا ومضللا لأنها موالية لهذا الحزب أو ذاك".

ووفق إحصائيات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تمثل القائمات المستقلة نحو 30 بالمئة من مجموع القائمات التي تم تسجيلها إلى حد الآن وهي ظاهرة تحدث لأول مرة في تونس حيث كانت القائمات المستقلة لا تصل إلى هذه النسبة ما يؤكد أن أهالي الجهات المحلية رصوا صفوفهم وحشدوا جهودهم لمنافسة القائمات الحزبية.

ويرى المراقبون أن نسبة 30 بالمئة من القائمات المستقلة تستبطن في حد ذاتها احتجاجا وتصويتا عقابيا مسبقا ضد النداء والنهضة مشددين على أنه ما كان لتصل تلك القائمات إلى هذه النسبة لولا وعي الأهالي بأن الأحزاب تسعى إلى قطع الطريق أمامهم لإدارة شؤونهم المحلية بأنفسهم بعيدا عن الانتماءات الحزبية.

وإضافة إلى ان التصويت للقائمات المستقلة هو في نهاية الأمر تصويت احتجاجي يرى المراقبون أن الانتخابات البلدية ستدور في مناخ يطغى عليه التصويت العقابي خاصة بالنسبة للنداء والنهضة باعتبارهما الحزبين المسؤولين في الحكم.

وفي ظل الأوضاع التي تطغى عليها حالة من الاحتقان رغم الهدوء النسبي تبدو الانتخابات البلدية مرشحة إلى ان تكون ضحية إمعانا لنداء والنهضة على تحويل وجهتها من استحقاق محلي من شأنه أن يفتح مجال مشاركة الأهالي بقطع النظر عن انتماءاتهم الحزبية إلى حرب سياسية على التموقع ضمن مؤسسات الحكم المحلي.

ولا يستبعد المراقبون أن تحمل نتائج الانتخابات مفاجآت خاصة بشأن التصويت العقابي لكل من قائمات النداء والنهضة كما إنهم لا يستبعدون في الآن ذاته أن تجري الانتخابات في مناخ عام لا يخلو من عزوف عديد الفئات الغاضبة على الأوضاع المحلية والعامة.

غير أنهم يتوقعون أن أصوات الناخبات التي تتجاوز المليون صوت قادرة على حسم التنافس لصالح النداء في ظل شعورهن بأن الإسلاميين باتوا يهددون حرياتهن.