النحس السياسي: ثلاثيةُ الاعتذَار والقطَار والاستهتار

صباح ليس جميلاً يا بلادي الحزينة بنظامها السياسي المنحوس والمعقد والمتوتر والمضطرب انفعالياً سواء على مستوى الخطاب السياسي أو القرار الرسمي الذي يصدر اليوم وسرعان ما يلغى في الغد، صباح ليس سعيداً يا بلادي التي صارت أكثر قبحاً ودمامةً وليس فينا مبارك ورجاله ونظامه السياسي وكذبه المعتاد وشعاراته الباهتة وسخريته التي نالت من شرف وقيم هذا الوطن الغالي.

كل يوم يمر على مصر والظروف والمؤشرات الراهنة تؤكد أن مصر لم تكن أكبر من جمال مبارك الوريث غير الشرعي للبلاد والعباد فحسب الذي كان فرداً وحيداً وسط مجموعة من محترفي السلطة، بل أكبر أيضاً من جماعة محظورة تحترف العمل السري والسير في مناطق العتمة والظل وحينما أتيحت لها الفرصة في ظروف فوضوية بغير رقيب أو حساب وجدناها تتعثر في البداية وتفشل وتتخبط وتقامر بمستقبل هذا الوطن وتغامر بتاريخه وتساوم على أمنه وأمانه وكرامته. بالإضافة إلى أنه ليس لديها أي تاريخ سياسي رسمي يحسب لها ويضمن ثقتها لدى الشعب الذي أصبح بالفعل فأر تجارب.

إن هذه السطور كتبت والقلب يعتصر على أبنائي وبناتي من تلاميذ المعهد الأزهري الذين ماتوا تحت عجلات القطار الفاسد بوزيره وحكومته ورئيسها الذي يحترف الفشل يوماً بعد يوم، وشيخ الأزهر الحالي والسابق والأسبق الذي جعل هذا المعهد الأزهري يبعد عن الكتلة السكنية بأكثر من عشرين كيلومتراً وكأنه يعاقب حملة القرآن وحافظي علوم السنة والشريعة الإسلامية وكل هذا والتيارات الغافلة تنادي بتطبيق الشريعة، أية شريعة التي تتحدثون عنها وأصحابها وحملة علومها ومعارفها تهان آدميتهم يومياً وأخيراً قتلوا بفضل عجز الدولة وقصور حكومتها وغفلة أصحاب الشعارات والنداءات التي لا تغني ولا سمن من جوع.

تكتب هذه السطور ونحن ونقيم سرادق عزاء لمصر كلها ليس فقط لضحايا القطار، بل لفساد الزمان أيضاً، وتأبين إجباري لدستور مشوه ملفق عديم اللون والطعم والرائحة اللهم سوى تكريس السلطة المطلقة لجماعة باتت محظورة وغدت شرعية بغير قانون أو ورقة عرفية وكأنها أرادت بذلك الخروج الضوئي أن تنتقم من حكم العسكر عن طريق التجريب المعملي الاختباري في الشعب المصري. وهي أيضاً في طريقها لمعمل التجارب لم تنس الجماعة متمثلة في الرئيس المصري الشرعي أن توجه خطاباً رقيقاً لصاحب الفخامة السيد شيمون بيريز رئيس دولة إسرائيل وينبغي ألا ننس خطاب الفضيحة هذا ونحن نتلوك بنادرة سحب السفير المصري من تل أبيب في الوقت الذي نعترف فيه صراحة بالكيان الصهيوني المتمثل في إسرائيل القذرة، وألا ننس العبارة الصادمة بالخطاب الموقع من الرئيس المصري وهي الإعراب عن الأمنيات لشيمون بيريز بالخير ورغد العيش لدولة إسرائيل، مع التوسل إلى القارئ الكريم بألا يغفل عن الجملة التي تعلو توقيع فخامة رئيس البلاد والعباد الدكتور محمد مرسي الموجهة إلى الكيان السافر وهي "صديقكم الوفي"، لذا فأنا لا أتعجب أبداً من أي قرار يصدر عن الرئيس مرسي أو عن جماعته أو حتى عن حكومته غير المحترفة التي تضم هواة سياسة.

تحدث الكارثة في مصر في الصباح وينتقل المسئولون إلى موقع الحادثة بعد وقوعها بخمس أو ست ساعات بخلاف أميركا الذي نجد فيها الرئيس الأميركي الشرعي بانتخابات غير قابلة للشك أو الظن بطائرة بمجرد وقوعها أما نحن فأظن أن مبارك الرئيس المصري السابق رغماً عن أنفنا وأنف الجماعة الإخوانية والتيارات السلفية والمدنية والليبرالية والعلمانية باعتباره صاحب الضربة الجوية قد أخذ طائرات مصر ومطاراتها بمحبسه الطبي الفاخر.

ويجب علينا في ظل ظروف مصر العصيبة الآنية أن نعترف جميعاً بوجود حالة من النحس ترافق وتصاحب الحياة السياسية العامة وهذا النحس المستدام وليس المؤقت يعرقل كل مساع التقدم والنهضة التي ليست مشروع الإخوان الهلامي والخرافي، فالنظام السياسي بحق تتابعه دماء متناثرة من كل جانب؛ شهداء الثورة، وشهداء الواجب الوطني بسيناء، وشهداء أحداث محمد محمود، وشهداء مذبحة بورسعيد وأخيراً تلاميذ الجنة بمنفلوط، ناهيكم عن حالة النحس التلا تلازم أعمال اللجنة التأسيسية لطبخ وطهي الدستور المصري بدءاً من معايير اختيار الأعضاء التي لا تمت للدستورية أو الناحية القانونية بشئ، انتهاءً بالمواد والصياغات اللغوية العجيبة لها والتي تنبئ عن كيف يفكر المصريون الآن.

وتبدو من الغرابة أن يذهب المصريون إلى أحد العرافين أو كهنة السياسة من شيوخها المخضرمين ليصنع لنا عملاً مضاداً نفك ونبطل به هذا النحس السياسي الذي صار سمة لمصر بعد الثورة لكنها الحقيقة.

د. بليغ حمدي إسماعيل