النجف: الإسلام السياسي والحياة المدنية

سلطات سياسية لا تبقي للمرجعية الشيعية معنى

ما أفرزته السنوات الأخيرة من أحداث في مجال العلاقة العامة بين المؤسسة الدينية الشيعية في العراق مع نظام الحكم، قد بلور بشكل أوضح موقفين مختلفين قد تكونا وتطورا عبر التاريخ الطويل للعلاقات بين المؤسسة الدينية وأنظمة الحكم في المجتمعات الشيعية. وها نحن أمام نقطة مفصلية ستغير مستقبل حياتنا الاجتماعية حسب ما ستفرزه التنافسات الداخلية في المؤسسة الدينية من اختيار احد المسارين فيها؛ آخذاً بنظر الاعتبار العوامل الخارجية، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والتي أخذت تلعب دوراً بارزا ضمن هذه التنافسات الداخلية في المؤسسة الدينية.

تاريخياً تعود جذور الرؤى السياسية للحوزات الدينية إلى العهد الصفوي، حيث تأسست لأول مرة في تاريخ التشيع حكومة منبعثة على أساس المذهب والأيديولوجيا الشيعية بكل مقوماتها. وأما ما كان قبل ذلك من إمارات وسلطنات شيعية لم تكن سوى سلطة سياسية دون النزوع نحو التطبيق السياسي والاجتماعي للتشيع، او أنها كانت مبتنية على رؤية باطنية تأويلية للمذهب تبتعد عن التطبيق السياسي للفقه الشيعي مثل ما حدث في الخلافة الفاطمية، والتي انقرضت تماما ولم يبق أثر من كيانها السياسي اليوم، فقد تكونت الممكلة الصفوية على أساس إعادة الهوية السياسية للدولة في التقابل مع المشروع العثماني.

السلطة الصَّفويَّة

اتجه العثمانييون نحو إعادة بناء الخلافة الإسلامية على أساس الفقه السني، وبالتحديد الحنفي منه. وفي المقابل اضطر الصفويون إلى أن يؤسسوا لهوية سياسية شيعية للدولة مقابل منافسيهم. وهنا جاءت الحاجة الى فقهاء الشيعة حيث هم الوحيدون الذين لديهم الآليات والأدوات المعرفية لإنتاج سلطة سياسية شيعية في التقابل مع السلطة السنية العثمانية. وعليه بعد ما تكونت الحكومة الصفوية على يد مؤسسيها من أقطاب الأسرة الصفوية ومريديهم من القزلباش دون أي مشاركة للفقهاء، شعر الملك طهماسب الأول ثاني ملوك الصفوية بالحاجة للفقهاء لتكوين الدولة بعد ما قد كانوا حصلوا من قبل على السلطة، فقد طلب الملك من كبير فقهاء العراق آنذاك وهو الشيخ إبراهيم القطيفي المقيم في النجف أولا والحلة أخيرا، القدوم إلى إيران ومساعدة الحكومة لجعل التشريعات الدينية وبناء مؤسسات الدولة على أساس الفقه الشيعي؛ ولكن رأى القطيفي بعدم صحة مشاركة الفقهاء في السلطة لأن لا ولاية ولا شرعية ولا حجية لهم في ذلك، رغم أنه لم يقدح بأصل ضرورة الحكم وفضل الصفويين في دعمهم للشيعة مقابل الاضطهاد الذي كانوا يواجهونه من العثمانيين.

الخلاف في الولايَّة

نقطة الخلاف كانت على مشاركة الفقهاء في السلطة على أساس امتلاكهم لولاية شرعية استمرارا لمشروع الإمامة الشيعية في التناظر مع مشروع الخلافة السنية. وهذا ما يمكن تسميته بتأسيس فقهي لفصل السياسة عن الدين والذي تكرس تدريجيا في الفقه واللاهوت الشيعي منذ نهايات عصر الامامة لحد هذا العهد. ومن معالمه الرئيسية هو تعطيل الاحكام السياسية بما فيها الجزاء والعقوبات الدينية في الفقه الشيعي فلم يجوّز غالبية فقهاء الشيعة العمل بالرجم وقطع اليد والعنق وغير ذلك من العقوبات الإسلامية، وأيضا العمل بالأحكام الاجتماعية المرتبطة بالسلطة مثل قيام صلاة الجمعة وتصدي مناصب في الدولة من قبل الفقهاء وغير ذلك مما كان يعتبره القطيفي حراماً وممنوعاً.

في مقابل هذا الاتجاه استقبل علماء جبل عامل الدعوة الصفوية للمشاركة في الحكم بكل حفاوة، وهاجر منهم ما يقرب من 100 شخص حيث تحدثت المصادر التاريخية عن خلو جبل عامل من علمائها سوى عدد قليل لا يتجاوز عدد الاصابع. وقد أسس الشيخ علي الكركي كبير علماء جبل عامل أسساً جديدة في الفقه الشيعي ساعدته على التغلب على الموانع الفقهية للمشاركة في السلطة على أساس شراكة بين الفقهاء والملوك بحيث أن الملك يأخذ شرعيته في السلطة السياسية من الفقيه الذي لديه ولاية في عصر الغيبة؛ وقد دون رسائل فقهية يثبت جواز إقامة الجمعة وأخذ الهدايا من السلطان وتصدى المناصب السياسية من قبل الفقهاء.

استمر هذان الخطان في الفقه الشيعي في ضبابية ليتطوراً تدريجيا ويكتملا كمشروعين مختلفين للمؤسسة الدينية الشيعية. وتعتبر الثورة الدستورية الإيرانية أحد المفاصل الرئيسية لهذا التطور التاريخي، حيث أنقسم الفقهاء قسمين: الموافقون لمطالب الثورة الدستورية من مناهضة الاستبداد وتحديده بسلطة الشعب عبر قيام مجالس منتخبة ومؤسسات قضائية وغير ذلك من العناصر الرئيسية للنظام الديمقراطي الحديث، وفي المقابل المخالفون لتلك المطالب اعتبروها غير شرعية ومخالفة لمبادئ المذهب والفقه الشيعي.

هنا ظهرت ثنائية النائيني ـ النوري. يعتبر النائيني في كتابه "تنبيه الأمة وتنزيه الملة"، وعنوانه الكامل هو "تنبیه ‌الامة وتنزیه ‌الملة فی لزوم المشروطیة والدولة المنتخبة لتقلیل الظلم على أفراد الأمة وترقیة المجتمع"، أن ليس هناك شرعية مستقلة عن شرعية الشعب، وهو الذي يحدد مصيره ضمن الممارسة الديمقراطية. وقد أكد أن الاستبداد على نوعين: الاستبداد السياسي والاستبداد الديني والاثنان مرتبطان ببعضهما البعض وحافظان لمصالحهما المشتركة، ولا يمكن قلع هذه الشجرة الخبيثة سوى بالاحتكام للشعب، وحصول هذا سهل في القسم الاول وصعب جدا في القسم الثاني وهو الذي يعقد عملية استئصال الاول أيضاً.

وقد اصطف عدد من كبار فقهاء الشيعة مثل الآخوند الخراساني وهو كبير مراجع النجف آنذاك، والشيخ عبد الله المازندراني مع النائيني في مقابل الاتجاه الآخر الذي كان يرأسه الشيخ فضل الله النوري. وقد اتخذ قسم آخر من الفقهاء وابرزهم السيد كاظم اليزدي في النجف منهجا ثالثا حيث اعتبر الدخول في هذا الموضوع بكل تصانيفه وتقسيماته لا حجية شرعية ولا مصلحة دينية له.

استمر التطور التاريخي فيما بعد لتظهر تدريجيا مدرستان في الفقه الشيعي، الأولى منها ترى شرعية تولي الفقهاء للسلطة السياسية بوصفها واجباً شرعياً على عاتقهم. وعلى رأسهم روح ‌الله الخميني ومحمد باقر الصدر حيث أسسا فقهيا لمشروع كامل للدولة الشيعية المنبثقة من ولاية الفقهاء.

والثانية رأت بفصل الدين عن العمل السياسي وليس السياسة بالضرورة، حيث لا توجد هناك أي قاعدة أو أساس فقهي مقبول لامتلاك الفقهاء لولاية سياسية تؤهلهم للقيام بمهام الدولة. لكن هذا لا يعني أن ليس لهم رؤية سياسية تجاه الأحداث أو حلول مقترحة بوصفهم يمثلون مؤسسة اجتماعية واسعة النطاق في المجتمع. وهذا ما تأسس بالتحديد على يد السيد أبي القاسم الخوئي ضمن مباحثه الفقهية وتطور وتبلور أكثر في جيل تلامذته وخاصة في السيرة السياسية للسيد السيستاني.

السياسي والمجتمعي

بإمكاننا التعبير عن هذا الخلاف الفقهي السياسي ضمن ثنائية الإسلام السياسي والإسلام المجتمعي. فالفريق الأول كلهم من رواد مشاريع الإسلام السياسي والمنتجين للأحزاب الدينية في إيران والعراق ولبنان وغيرها من الدول ذات المكون الشيعي. وأما الفريق الثاني لا يهدف إلى تأسيس حزب لأن ليس لديه مشروع سياسي لطائفته خارج النطاق العام لإرادة الشعب بما فيه حفظ مصالح الطائفة التي تمثل جزءاً من الشعب.

وتشترك الأحزاب الدينية الشيعية في كثير من الأمور مع نظائرها السنية ضمن النطاق العام لمشاريع الإسلام السياسي؛ فهم ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية باختلاف مذاهبهم الفقهية، ويتعاملون مع الديمقراطية كوسيلة للوصول للحكم يمكن تجاوزها بعد الحصول على ثمارها حيث أنها ليست سوى وسيلة، وهو يلغون التعددية السياسية وحتى الاجتماعية منها لحد كثير.

أما في المقابل، لا يؤيد الفريق الآخر تطبيق الشريعة، ويعترف بالديمقراطية كخيار وحيد في عصر الغيبة حيث ليس هناك شرعية دينية للحكم، ويدعو الى دمج المكونات الشيعية ضمن مجتمعاتهم مع حفظ خصوصياتهم الثقافية والدينية وليس السياسية منها.

يبدو أن الرؤيتين ما زالتا في مسيرهما للتطور في الاسس والمبادئ والنظريات في كلتا الحوزتين، القمية والنجفية؛ ورغم أن هناك أغلبية في قم للفريق الاول وأغلبية في النجف للفريق الثاني، ولكن من الصعب تعميم الحالة على كل منهما بسبب وجود حالات مخالفة في كل من قم والنجف حيث بقايا حوزة النجف من تلامذة الخوئي في قم من جهة، وبقايا تلامذة الصدرين الاول والثاني في النجف.

ما يمكن استخلاصه مما سبق هو أن انتصار أي من هذين المسارين سيغير ليس فقط النظام السياسي في البلد، بل سيؤثر في نمط الحياة الاجتماعية للعراقيين بكل تفاصيلها.

ما نشاهده اليوم بكل وضوح هو ائتلاف الأحزاب السياسية الشيعية في السلطة مع مسار الإسلام السياسي في النجف في مقابل المنهج التقليدي المتمثل بالسيستاني، وذلك لضمان بقائهم في السلطة ضمن مصالح مشتركة بين الطرفين. ومن هذا المنطلق يمكن فهم الهجمات الصريحة من جهات حكومية وبعض القادة الدينيين للأحزاب الدينية في النجف ضد منهج السيستاني، بعد ما كان له الدور الرئيس في نظام انتخابي جاء بهؤلاء الأحزاب للسلطة.

علي المعموري

كاتب وأكاديمي عراقي