النجار: مصر تفتقد لطرح مبادرات خلاقة مع دول حوض النيل

كتب ـ محمد الحمامصي
قضية ذات أولوية

تكمن أهمية هذا الكتاب "مياه النيل .. القدرة والبشر" للباحث والكاتب أحمد السيد النجار في كونه يلقي الضوء على قضية ذات أولوية في اللحظة الراهنة، وهي قضية مياه النيل الواردة من خارج حدود مصر كقدر جغرافي لا مجال لتغييره والجهود البشرية المصرية القديمة والحديثة للتعامل مع هذا القدر، وتمكين مصر من إمساك مصيرها المائي بيدها، والجهود الممكنة للتعامل مع هذا القدر في المستقبل في ظل تصاعد مطالب دول حوض النيل في مياهه ومطالبتها بتقليص حصة مصر منه.

إن الاتفاقية الإطارية لمياه النيل، والتي وقعت عليها كل من إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا والكونغو الديمقراطية في 14 مايو/آيار الماضي، وقاطعتها مصر والسودان بزعم أن الاتفاقية غير قانونية، شكلت قلقا متزايدا على الجانبين المصري والسوداني، فالاتفاقية هدفها إعادة تقسيم المياه بشكل عادل بين دول حوض النيل وإلغاء كافة الاتفاقيات الاستعمارية التي تعطى لمصر نسبة كبيرة جداً من المياه على حساب بقية الدول ـ حسب وجهة نظر دول حوض النيل ـ ومنها على سبيل المثال اتفاقية عام 1929 بين مصر وبريطانيا التي تمنح مصر حق الفيتو على مشاريع الاستكشاف والإنتاج، فضلاً عن الحصول على معظم مياه النيل، وكذلك اتفاق عام 1959 بين مصر والسودان، والذي سمح للبلدين بالحصول على 55.5 و18.5 مليار متر مكعب من المياه على التوالي في كل عام.

يرى النجار أن مصر قد تحفظت على الاتفاقية الإطارية للإستخدامات غير الملاحية للأنهار الدولية والتي أقرتها الأمم المتحدة عام 1997 "بسبب ما تتيحه هذه الاتفاقية من إمكانية إلغاء الاتفاقيات القائمة والاتفاق على معاهدات جديدة لتقسيم مياه النهر الدولي ـ إلا أن مصر ملتزمة تماما بمبدأ التعاون الفعال مع دول حوض النيل لتطوير الإيرادات المائية للنهر، واقتسام أي إيرادات جديدة تنجم عن ذلك بشكل عادل مع دول الحوض، أما بالنسبة للحصص القائمة والمستخدمة فعليا، فإن مصر لا تقبل المساس بأي قطرة منها، على اعتبار أن الحياة الإنسانية والنباتية والحيوانية في مصر قد ترتبت على الاستخدام الكامل لحصة مصر من مياه النيل".

وأكد رئيس الوحدة الاقتصادية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة الأهرام "أن المساس بهذه الحصة يعني إيقاع ضرر جسيم بالحياة في مصر، وبقراءة موضوعية يمكن التأكيد على أن المواقف التاريخية المتتابعة لمصر من قضية مياه النيل تتسم بالموضوعية والعدالة، وإن كانت، منذ عهد الرئيس السادات وحتى الآن، تفتقد للقدرة على طرح مبادرات خلاقة وعلى بناء جسور من الثقة الحقيقية والتعاون المائي والاقتصادي العادل والفعال مع باقي حوض النيل".

وشدد النجار على أن أي مسعى لدول حوض النيل بشأن اقتسام مياهه، يجب أن تنصب على تطوير الموارد المائية التي تبدد فعليا واقتسامها على أساس عادل "أما المساس بأي قطرة من الحصة الفعلية لمصر والسودان من مياه النيل فهو أمر مرفوض قطعيا لأنه يمس حياة قائمة بالفعل على مياه ضرورية ومستخدمة وليست فائضة".

وحول الخيارات المائية لمصر في حال انقسام السودان يقول النجار "إن المشروعات الأساسية لتطوير الإيرادات المائية لنهر النيل، من خلال إنقاذ ما يتبدد في مناطق المستنقعات، هي مشروعات موقعها هو جنوب السودان في مناطق مستنقعات بحر الجبل وبحر الغزال ومستنقعات مشار على نهر البارو، وبالتالي فإن تحقيق أي تطوير للإيرادات المائية لنهر النيل، كحاجة ماسة لمصر التي تعاني من عجز مائي سيزداد في المستقبل، ويضطرها من الآن لاستخدام مياه ذات نوعية منخفضة من تنقية مياه الصرف الصحي والمياه الجوفية المنخفضة النوعية ـ وهو أمر يتطلب وجود علاقة بالغة العمق مع جنوب السودان تقوم على تبادل المصالح والتعاون الشامل على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهو أمر يجب أن تبادر به مصر في حالة انفصال جنوب السودان حتى لو وصل الأمر إلى طرح مبادرة سياسية لبناء علاقة وحداوية معه".

ويؤكد النجار في كتابه الصادر هذا الأسبوع عن دار الشروق المصرية أن المشروعات الممكنة لتطوير إيرادات النيل تكفي لتغطية احتياجات كل دول الحوض، وزيادة حصص كل دول المجرى الأعلى والأوسط والمصب "وإذا كانت مصر تمسكت دائما بالنهج التعاوني لا بديل له، مع ضرورة طرح أفكار مبتكرة وخلاقة لتعزيز هذا التعاون وإقناع الدول الأخرى به، وإقامة شبكة كثيفة من العلاقات الاقتصادية وبخاصة في مجال الزراعة، والعلاقات العلمية والتدريبية والعسكرية مع دول الحوض حتى يصبح النهج التعاوني السلامي، أمرا بديهيا في إدارة العلاقات بين مصر وهذه الدول بشأن مياه النيل".

ويضيف "هناك أمر آخر يخص مصر وهو ضرورة تطوير الكفاءة المتدنية لنقل المياه، وتطوير أساليب الري وإلزام المزارعين الذين يزرعون الخضر والفاكهة بزراعتها بالتنقيط وليس بالغمر وإعادة النظر في التركيب المحصولي لتوفير المياه ورفع كفاءة استخدامها، وذلك لتوفير كميات كبيرة من المياه من ترشيد الاستخدام الداخلي لاستخدامها في التوسع الزراعي الأفقي الضروري لمصر".