المياه المعبَّأة، أين الحقيقة؟

بقلم: رجب سعد السيِّد
معدنية؛ ومنقَّاة؛ ومعطَّرة؛ ومكربنة؛ ومؤكسجة؛ و..

معذرةً، قارئي الكريم، فأنا مضطرٌ للاعتماد على بيانات وحقائق أجنبية، عن ظاهرة اجتماعية/اقتصادية/ بيئية/أخلاقية آخذة في الاتساع، وهي انتشار وتزايد استهلاك المياه المعبَّأة في زجاجات بلاستيكية. عزَّت عليَّ البيانات والإحصائيات، وخاب مسعاي في البحث عن إدارات رسمية محلية تمدني بما أريد، فلم أجد مناصاً من النقل عن إدارات وهيئات أمريكية؛ آملاً أن يحرك هذا الحديث (المياه) الساكنة بين ظهرانينا، ويُنطق الأفواه الساكتة على حقيقة المياه المعبأة في زجاجات، التي أصبح من الأمور الاعتيادية أن تجدها بأيدي الأفراد، كما أنها – الزجاجات التي يتفنن المنتجون في جعلها براقة وجذابة – أصبحت مفروضة على رواد المقاهي والمشارب والمطاعم وأماكن اللهو والتسلية. فلعل تعرضنا لهذه الظاهرة، التي يتزايد انتشارها في بلادنا، يكون بداية لمناقشتها؛.
وكما سنرى فيما يلي، فإن طرح القضية للمناقشة في المجتمع الأمريكي أظهر كثيراً من الجوانب السلبية، المتصلة بإنتاج وتداول هذه السلعة المستحدثة، التي يتطور إنتاجها بمعدلات متسارعة، استجابةً لظروف المنافسة الشرسة بين الشركات المنتجة لها، والتي يتزايد عددها كل سنة، ويتنوع إنتاجها من هذه المياه، بصورة تثير الدهشة، بهدف مطاردة المستهلك. ومن هذا الإنتاج المتنوع : مياه العيون الطبيعية؛ والمياه المعدنية؛ والمنقَّاة؛ والمعطَّرة؛ والمكربنة؛ والمؤكسجة؛ والمضاف إليها فيتامينات. وثمة أنواع من هذه المياه لها مذاق خاص، فمنها ما هو بطعم الليمون، أو الفراولة. بل إن التنوع اتسع، فظهرت زجاجات مياه خاصة للأطفال! لا غرابة – إذن – في تلك الإشارة، الواردة بتقرير لهيئة أمريكية تعمل في مجال حماية الموارد الطبيعية، إلى أن نصف الأمريكيين يشربون المياه المعبأة في زجاجات، وأن ثلثهم يشربها بانتظام، أي لا يشرب غيرها؛ وهم ينفقون 10700 دولاراً على المياه المعبأة، في كل دقيقة.
إن شركات المياه المعبأة تحشد كل قدراتها لتسرِّب للمستهلك اعتقاداً بأن مياه الزجاجات البلاستيكية هو قارب الإنقاذ، وحبل النجاة، له ولأسرته، في مواجهة مياه الصنبور غير الصالحة للشرب، بالرغم من أن الأخيرة تخضع - في الواقع - وفي معظم الحالات، لإجراءات مراقبة لعمليات تنقيتها، وإجراءات تدقيق لجودتها، أشد من تلك التي تخضع لها المياه "الفاخرة"، المعبأة في زجاجات. وقد نجحت الشركات المنتجة، بالفعل، في اجتذاب جمهور كبير من المستهلكين للمياه المعبأة، بدليل الرواج المتصاعد لتلك الصناعة، الذي يغذيه توجه يسري بين هؤلاء المستهلكين، يرى أن استخدام المياه المعبأة دليل على رقي الوضع الاجتماعي، بالإضافة إلى ارتباط تلك النوعية من المياه باعتبارات الصحة والسلامة.
ويفسر بعض المراقبين هذا التوجه بأن هؤلاء المستهلكين إنما يخدعون أنفسهم بالأوهام، إرضاءً لنزعات طبقية ذاتية لديهم؛ وقد تأكد توهمهم حين فشل بعض من ادَّعوا أنهم قد "تحولوا" إلى المياه المعبأة في التمييز بينها ومياه الصنبور؛ فقد أجرى برنامج "صباح الخير يا أمريكا" اختبار تذوق لعدد من الأمريكيين الذين رأوا في الماء المعبأ ضالتهم، لتأمينهم من أضرار مياه الصنبور، ومن أجل نكهته الخاصة؛ فلم يستطع هؤلاء المتفاخرون تمييز مياه الصنبور (وكانت من مياه شبكة مدينة نيويورك) من المياه المعبأة. بل إنهم اختاروا مياه الصنبور على أنها نوع ممتاز من المياه المعبأة المشبعة بغاز الأكسجين.
ومن المفارقات اللافتة للانتباه أن هيئة حماية البيئة في الولايات المتحدة، التي يدخل في نطاق مسؤولياتها مراقبة صلاحية وجودة مياه الشرب، التي تمد بها شبكات البلديات المنازل، لا تهيمن على صناعة تعبئة المياه، فهذه من الصناعات الغذائية، وتخضع – بالتالي – لهيئة أخرى، هي هيئة الرقابة على الأغذية والعقاقير، التي لا تعتد بالقياسات المعيارية التي تتشدد بها الهيئة الأولى، في مراقبتها لنوعية المياه المعبأة؛ وكل ما يهم هيئة الأغذية والعقاقير هو أن تكون المياه معبأة في ظروف، وبشروط صحية قياسية، تطلبها الهيئة في الأطعمة التي تراقب إنتاجها؛ وهي لا تراجع منتجي المياه المعبأة في مسائل مهمة أخرى، مثل نوعية مصدر المياه، ومدى قربه من المنشآت الصناعية وخزانات الصرف الصحي الأرضية. ويؤكد أحد المراقبين على أن نوعاً من تلك المياه المعبأة، تحمل زجاجته ملصقاً ورقياً عليه صورة جبل تحته بحيرة، بما يوحي بأنهما المصدر الطبيعي لمحتوى الزجاجة؛ والحقيقة هي أن مصدر مياه تلك الزجاجة عبارة عن بئر غير بعيدة عن منطقة صناعية، تصل تسريبات من صرفها إلى مياه تلك البئر!. ومن جهة أخرى، فإن ضوابط هيئة حماية البيئة الأمريكية تشترط خلو ماء الصنبور من الفيروسات، والبكتيريا، و"الإنتاميبا كولاي"؛ أما الهيئة المشرفة على المياه المعبأة فإنها لا تتشدد بهذا الخصوص، وتضع حدوداً قصوى لتلوث مياه الزجاجات بهذه الكائنات المجهرية الممرضة.
وقد شاركت جهات رقابية وبحثية كثيرة في الجدل الدائر حول المياه المعبأة؛ فأصدر مسؤول بإحدى هذه الجهات بياناً يقول بأن 40% من المياه المعبأة هي ، في الحقيقة، مياه صنبور خضعت للمعالجة، وأحياناً دون معالجة! ويشير البيان إلى أن أكثر نوعين من المياه المعبأة رواجاً في أمريكا تنتجهما شركتان شهيرتان للمياه الغازية، ومصدر المياه في أحدهما هو مرفق المياه في ولاية أمريكية، مضافاً إليه بعض المعادن!. وينتهي بحث منشور، أعده الباحثون في هيئة رقابية بحثية أمريكية إلى أنه بالرغم من أن أحداً لا يستطيع الجزم بأن كل مياه الصنبور جيدة، فبعضها لا يتوافق والشروط الصحية القياسية، إلاَّ أن ذلك لا يجعلنا نؤكد على أن المياه المعبأة أكثر أماناً من مياه الصنبور. ويؤكد علماء من جامعة جنيف هذه الحقيقة، ويضيفون بأن 50% من الزجاجات المعبأة بالمياه لا تختلف عن مياه الصنبور، إلاَّ في احتوائها على بعض المعادن والأملاح المضافة، وذلك لا يمنحها ميزة عن مياه الصنبور، ولا يجعلها أصح منه. وكانت منظمة الصحة العالمية قد أصدرت بياناً، بالعام 1997، يقول بأن المياه المعبأة ليس لها قيمة غذائية أعلى من مياه الصنبور، التي تصل إلى المستهلك، دون عناء، في بيته، والتي تقل تكلفتها كثيراً عن المياه المعبأة؛ فثمن زجاجة واحدة من المياه الأمريكية المعبأة يساوي ثمن ألف جالون من مياه الصنبور، وثمن لتر واحد من مياه الزجاجات البلاستيكية يعادل ثلاثة أضعاف ثمن لتر البنزين.
ومن الدراسات التي توصلت إلى نتائج تدين المياه المعبأة في زجاجات، دراسة دامت لأربع سنوات، أخضعت خلالها ألف زجاجة من 103 نوعاً للتحليل؛ فوجد أن ثلثها يحتوي على مخلفات من الزرنيخ وبعض المركبات المسرطنة، بمستويات تركيز فاقت، في بعض الأحيان، المستويات المسموح بها من قِبَل الإدارات الصحية والصناعية الأمريكية. وأجريت دراسة ثانية على مئات من الزجاجات، من 38 نوعاً، من ولاية كاليفورنيا وحدها، فوجد الزرنيخ في عينتين، ومركبات كلورينية في 6 زجاجات، وكميات محسوسة من التولوين في 6 زجاجات أخرى. واهتمت دراسة ثالثة بمقارنة 57 عينة من المياه المعبأة، بعينات من مياه الصنبور، في ولاية كليفلاند الأمريكية؛ فكانت 39 عينة من مياه الزجاجات أنقى من مياه الصنبور، بينما احتوت 15 زجاجة مياه على مستويات من التلوث البكتيري أعلى من مياه الصنبور؛ وهذا يعني أن كل إنتاج المياه المعبأة ليس على ذات المستوى من النقاء والصلاحية.
ويتدخل أنصار البيئة ونشطاؤها في الجدل، ويتساءلون: ما دام الأمر كذلك، وهذه هي حقيقة المياه المعبأة، فما حاجتنا إلى أن يتحمل كل من المستهلك والبيئة أعباء إضافية؟ فالمستهلك هو الممول الحقيقي لهذه الصناعة، غير الصديقة للبيئة، التي تضخمت في السنوات القليلة الماضية، والتي تبلغ قيمة مبيعاتها، في العالم، حالياً، 35 بليون دولار/سنة. وقد شهد العام 2002 مبيعات بلغ حجمها 24 بليون لتر من المياه المعبأة، في الولايات المتحدة وحدها، دفع المستهلك الأمريكي ثمناً لها قدره 8 بليون دولار!؛ بزيادة قدرها 11% عن السنة السابقة؛ مما يجعل من هذه الصناعة الأسرع نمواً بين صناعات المشروبات عامةً، متخطيةً مشروبات تقليدية شائعة، مثل القهوة والحليب، محتلةً المرتبة الثانية، بعد المشروبات المبرّدة. وتعلق منظمة بيئية سويسرية على هذه الإحصائيات فتصف صناعة تعبئة المياه بأنها إهدار للمال، واستنزاف للموارد الطبيعية، وتحميل للبيئة بضغوط إضافية. وعلى سبيل المثال، تبين أن شركة أمريكية منتجة للمياه المعبأة تسحب المياه من بئر طبيعية بمعدل أكثر من ألفي لتر في الدقيقة؛ ويدوم العمل لمدة 24 ساعة باليوم، ولسبعة أيام بالأسبوع، وطوال أيام السنة!. إن هذا المثال يغذي تخوفاً من أن تؤدي هذه الصناعة المتوسعة إلى استنزاف خزانات المياه الجوفية، وهي مياه تحتاج لزمن طويل لاستعواضها، ويعتبرها العلماء من الموارد الطبيعية غير المتجددة.
وتمثل الزجاجات والأواني البلاستيكية التي تعبأ فيها المياه أعباء بيئية، بأكثر من منظور؛ إذ يخدم هذه الصناعة صناعة أخرى، تنتج هذه الزجاجات والأواني، تستهلك مليونا ونصف مليون طن من خام البلاستيك، على المستوى العالمي، سنوياً. ومعظم هذه الكمية هي مادة من مشتقات النفط (بولي إيثيلين تيرفثالات). إنها، بالواقع، من المواد البلاستيكية قليلة السمية، غير أن معالجتها لإنتاج البلاستيك الشفاف يتخلف عنها انبعاثات سامة، من عناصر النيكل والإيثايل بنزين وأكسيد الإيثيلين، تعادل مائة ضعف لما ينبعث من إنتاج كمية مماثلة من الزجاج.وعلى صعيد بيئي آخر، فإن صناعة أواني وزجاجات تعبئة المياه، تستهلك في الولايات المتحدة وحدها، مليونا ونصف المليون من براميل النفط، سنوياً، أي ما يكفي لتوليد الطاقة لربع مليون بيت، أو لإمداد مائة ألف سيارة بالوقود، طوال سنة كاملة.
وبعد استهلاك المياه المعبأة، يكون مصير الزجاجات الفارغة مستودعات القمامة؛ ويقدر أحد المسؤولين البيئيين أن مستودعات النفايات الأمريكية تستقبل 9 من كل 10 زجاجات مياه فارغة، أي بمتوسط قدره 30 مليون زجاجة، باليوم الواحد؛ ويمكن أن يطول بقاء الزجاجة في البيئة، دون تحلل، لألف عام كاملة! ولا يمكن التعويل على عمليات التدوير للتخلص من هذه النفايات، فصناعات البلاستيك الأمريكية لا تستوعب إلا 5%، فقط، من مخلفات البلاستيك، وتعتمد على 95% من خامات أصلية، كمدخلات. لا سبيل – إذن – للتخلص من جبال زجاجات المياه الفارغة غير الإحراق؛ والثابت أن إحراق البلاستيك ينتج عنه ملوثات غازية خطيرة، منها "الدايوكسين"، وهو مادة مسرطنة؛ كما تحتوي مخلفات الإحراق الصلبة على عناصر فلزية ثقيلة؛ فإذا كان التخلص من المخلفات البلاستيكية بالطمر، نتج عن طمر البلاستيك مادة "الفثالات"، التي تتسرب إلى المياه الجوفية، التي هي أحد المصادر الرئيسية للمياه المعبأة. رجب سعد السيِّد