المولوية .. رقص الدراويش

وسيلة لاستدعاء الحضور الإلهي

ربما ارتبطت كلمة "الرقص" في مفهوم العامة بنوع من الخلاعة والمجون واستثارة الغرائز بالإيحاء والميوعة؛ وحتى الخاصة من المثقفين الذين يفهمون "الرقص" على أنه "فن" فإنهم لا ينكرون أهمية الإيحاء الجسدي حيث هو فن تعبير بالجسد.

ولكن ما نتحدث عنه الآن هو رقصٌ من نوع خاص؛ بل شديد الخصوصية – رغم شيوعه وانتشاره – مثله مثل أي نوع آخر من الرقص؛ وأعني به رقص الدراويش أو المتصوفة، فهو يمتاز بالرزانة والاحتشام في الحركات والملابس والغناء المصاحب له؛ إنه نوع راق من الرقص الجماعي؛ يؤدى بأدب وسهولة؛ فهو أشبه ما يكون بالأوبرا.

إنه رقص المولوية الذي ابتكره جلال الدين الرومي كتعبير جسدي راق عن السمو الروحي يصاحب الأدعية والأذكار والقصائد الصوفية.

وقد شهد العصر الحديث تحولاً – ربما – جزئياً في الأناشيد المصاحبة له.

لكن التحول الأكبر هو في الانتقال به من حلقات الذكر إلى المنتديات والفنادق والمسارح والمؤتمرات الثقافية؛ والاحتفالات الإعلامية؛ والأفلام السينمائية وغيرها؛ حتى أصبح السؤالُ مُلحاً في طلب الإجابة: هل يمكن أن ننسب هذا الرقص إلى كونه فنَّاً إسلامياً؟

خصوصاً بعد أن استقر إلى حدٍّ كبير مصطلح الأدب الإسلامي؛ وأصبح له روابط عالمية؛ وسدنة ينافحون عنه وعن مشروعيته ورسالته؛ فكراً ومضموناً؛ شكلاً وصياغةً؛ موسيقى وإيقاع وموهبة خاصة.

وعلى الرغم مما يمتاز به شعر الرومي من عاطفة متدفقة وخيال خصب وفلسفة عميقة وتعبير مبدع وبراعة في اختيار القوافي وروعة في التصوير وموسيقى عذبة .. الخ.

إلاَّ أن جلال الدين الرومي نفسه يقول:

"وما الشعرُ حتى أفاخر به؛ إن لي فناً خاصاً لا يوجد عند الآخرين".

نعم .. فجلال الدين الرومي – كما هو معروف وثابت عنه – ينطلق من قاعدة ثقافية علمية عقلية وروحية وتجريبية إلى تصوف يحتقر الجسد ويتعالى على الماديات على نحو يذكرنا بصاحب الفتوحات الفيلسوف الصوفي؛ القطب الكبير محي الدين بن عربي في فهمه تحويل الحضرة الخيالية إلى صور محسوسة أو مشهدية؛ وإن كانت تجليات يدركها الخيال دون وساطة لمحسوسات مادية.

لقد شرح ابن عربي آلية هذا التحول بقوله:

"إن (التجلي) يقيم تفاعلاً بين المرئي واللامرئي؛ بين الجسماني والروحي.."

ونتذكر هنا قول الإمام أبوحامد الغزالي:

"من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج وليس له علاج". فهل في هذا رد وردع كاف لمن يرفضون الموسيقى؛ بل ويذهبون إلى تحريمها؟!

وإذن فإن لجلال الدين الرومي فضلا كبيرا وثابتا في استخدام الموسيقى على نطاق واسع في طقوس المولوية التي ابتكرها وأراد بها سموا للروح إلى اكتشاف الحب الإلهي والذوبان فيه.

وإذا كان المتصوفة يَقبلون الغناء ويُقبلون عليه على عكس ما ذهب إليه غيرهم من المتشددين من كراهية وتحريم؛ فقد كان شرط المتصوفة في الغناء هو حسن النوايا وشرف المقاصد؛ وقد كان وما يزال للمولوية المصحوبة بأشعار المتصوفة أو بالأذكار التي تسبح الخالق عز وجل وتمجده وتستغفره تراثاً شفوياً شديد الأهمية تتوارثه الأجيال.

لقد انتشرت فرق المولوية الصوفية وراحت تطور رقصاتها فلحق بها تطوير كبير منذ وفاة جلال الدين الرومي؛ وأصبحت هناك مسميات مثل رقصة (السيما) رمز الحب الإلهي التي انطلقت من مدينة قونية التركية حيث يرقد مبتكرها المتصوف الشاعر الفيلسوف جلال الدين الرومي؛ ولحق بها تطوير وتحوير كثير عبر القرون؛ ورقصة "الدراويش" التي تؤديها فرق عديدة في مصر وسورية والمغرب؛ وهى من أجمل ما يمكن أن نراه بين الطرق الصوفية ومنها جاءت "رقصة التنورة" فى مصر!

ولكن التنورة المصرية تُرقص بالألوان المزركشة وبموسيقى شعبية تراثية، أكثر منها دينية.

• كيف بدأت المولوية؟

عندما علم جلال الدين الرومي أن شيخه شمس الدين التبريزي قد قتل في دمشق؛ ارتدى جُبَّة رمادية ولف جسده بعباءة سوداء وراح يدور هيماناً ويتمايل ويئن؛ ومنذ ذلك الحين استغرقه الرقص الصوفي وموسيقاه فكانت رقصة المولوية المنسوبة إليه.

وهناك من يذهب إلى أن التسمية جاءت نسبة إلى مولانا المولوي وهو جلال الدين الرومي.

ومن يذهب إلى أنها وصف حركة الراقصين في الميل يميناً ويساراً قبل أن تشتد حماستهم ويبدأون في الدوران حول أنفسهم؛ ودورانهم الجماعي في الحلبة أو القاعة.

لكن الثابت هو أن المولوية كانوا أول من أدخل الموسيقى لحلقات الذكر؛ وأول من تحرك بحركات راقصة دائرية بعد ان كان الذاكرون فى طقوسهم يثبتون فى اماكنهم مع تحريك اجسادهم يمينا وشمالا .

• كيفية أداء الرقصة وفلسفتها:

ورقصة المولوية – كما يعبر أصحابُها عنها - تمثل حركة الحياة في دورانها حول محورها ومع الحركة الدائرية؛ فهي تبدأ بارتفاع اليد اليمنى مع تحرك الجذع إلى أعلى وخفض اليد اليسرى إلى الجانب الآخر نحو الأرض؛ وتمتد اليد اليمنى إلى منتهاها بينما تكون اليد اليسرى مضمومة إلى الصدر أمام القلب ويدور الدرويش دورة كاملة حول نفسه على أصابع قدم واحدة مثبتة على الأرض، بينما القدم الأخرى تدور مع دوران الجسم.

أما العينان فتنظران إلى الأرض أو تغمضان ويكون الرأس محنياً على الكتف؛ ومع دوران كل شخص حول نفسه بهذه الكيفية؛ تدور الجماعة كلها فكأن هذه الدورات تمثل دورة الكون أو الحركة الفلكية؛ ومما يلفت النظر أنه مع سرعة وحماس الراقصين فإن الجزء السفلي من ملابسهم يبدأ في الارتفاع والدوران مشكلاً ما يشبه المظلات المفتوحة.

ويراعى أن تكون أرض القاعة محل الرقص مقسومة بخط رمزي يمثل خط الاستواء؛ ويعلل الراقصون عدم سيرهم فوقه بأنه يرمز للصراط المستقيم في سعي الروح نحو الحقيقة.

وهكذا فللرقص لدى المولوية طقوس.. فكل حركة من اليدين والقدمين والرأس لها معنى ودلالة خاصة والدوران عكس عقارب الساعة دليل على تبادل الليل والنهار.

وهم يدخلون الساحة بعباءة بنية بلون التراب دليلا على الأرض، ورئيس الفرقة يرتدى عباءة سوداء، فوق ألبسة بيضاء فضفاضة تدل على كفن الموت ويضع طربوشا طويلا من اللباد الخشن يسمى "القلبق" وهو يرمز إلى شاهد القبر.

ويخلع الدراويش عباءاتهم البنية ببطء ويمرون على شيخهم ويقبلون يده فيقبل رؤوسهم.

يخلعون العباءة وكأنهم يتجردون من الحياة ذاتها فى طريق الخلاص فتبدو تحتها ثيابهم البيضاء الواسعة وهي الكفن استعدادا للموت.

وتشمل أناشيد منشدي الفرقة ابتهالات وتسابيح وأشعار لجلال الدين الرومي وتواشيح مختارة؛ ويصاحبها عزف على الناي كأساس وقد يواكبها عزف على آلات وترية وهوائية.

وقد أجمع الدارسون على أن جلال الدين الرومي استخدم الموسيقى على نطاق واسع؛ فتفردت المولوية بالاعتماد على العزف المصاحب للإنشاد حيث السماع عند جلال الدين الرومي وسيلة لاستدعاء الحضور الإلهي؛ وترياقاً يشفي من العلل وسبيلاً للسكينة والتحرر من سجن الماء والطين.

ومما لا شك فيه أن هناك أبحاثا ودراسات كثيرة تناولت لغة الجسد التي يعتمد الرقص عليها مكملة للغة المنطوقة؛ وأن لها إبداعها وأثرها الكبير.

إنه رقصٌ تعبيري جماعي مسرحي يصاحبه الغناء.