المولود التفاعلي البكر وفرحة الانتظار

بقلم: د. فاطمة البريكي
الإبداع وليد المعاناة

كثيرًا ما تواجه التجارب الأولى والرائدة بالرفض، ليس لعدم استحقاقها لغيره، ولكنها طبيعة النفس الإنسانية التي تنفر من كل ما يأتي غريبًا وشاذًا وخارجًا على مألوفها. وأيا يكن مجال هذه التجارب الأولى وحقلها، فإنها لا بد أن تواجه الرياح المعاندة نفسها، التي تأبى أن تتركها تمضي في طريقها بسلام دون أن تعترضها، وكأنها تضعها على محك اختبار أمام نفسها، وأمام مبدعيها، وكذلك أمام المقبلين عليها، وترى إن كانت ستثبت أمام أول عائق يقف في طريقها، فتستحق البقاء والخلود، أو إن كانت ستستسلم وتخضع لتئد نفسها بنفسها وهي لا تزال في بداياتها.
ولكن هذا لا يمثل إلا جانبًا واحدًا من الصورة فقط، فهذه التجارب الأولى نفسها تجد من يقتنع بها، ويقف معها، ويدافع عنها، لأنها تقدم له شيئا، ولأنها تهمه كما تهم مبدعها ورب فكرتها. وأجدني أقف اليوم هذا الموقف، وبين يدي المجموعة الشعرية التفاعلية الأولى عربيًا، للشاعر الدكتور مشتاق عباس معن، الذي استفزته جراحات الوطن وعذاباته فقدَّم نصوصًا حديثة جدًا في بلد تسير الأحداث فيه عكس اتجاه التاريخ.
وعلى الرغم من أن هذه المجموعة تحتاج إلى تعريف أولي بها، قبل الدخول في تقديم دراسة نقدية لها، وهو ما أشعر بمسؤوليتي تجاهه بمجرد أن وصلني القرص، إلا أن عددًا من الكتاب قد قاموا قبلي –مشكورين- بالتعريف بهذا العمل، وأعتقد أن من الواجب الآن التركيز على تقديم عدة دراسات نقدية تتناول هذا العمل من جميع الزوايا، تعرض لإيجابياته وسلبياته، وتلقي الضوء على ما هو كائن فيه، وما يجب أن يكون فيه.
ومع علمي اليقيني بأن معظم من سيقرؤون هذا المقال لن يكونوا قد اطلعوا على المجموعة الشعرية التفاعلية العربية الأولى لأسباب عدة، منها أنها غير متوافرة على الشبكة العنكبوتية حتى الآن، ولا يزال توزيعها يتم من خلال الإهداءات الخاصة التي يقوم بها الشاعر مشتاق عباس، إلا أنني سأتجنب التعريف بالمجموعة في هذه السطور إلا في حدود ما يتطلبه السياق فقط، وسأركز على النقد الفني الذي سيُعنى بإبراز الإيجابيات والتأكيد عليها، والكشف عن السلبيات والتنبيه إليها. تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق! هذا هو العنوان الذي اختاره الشاعر الدكتور مشتاق عباس معن لمجموعته الشعرية التفاعلية، الأولى عربيًا، والتي طال انتظارها كثيرًا من قِبَل جميع المهتمين بالأدب التفاعلي في العالم العربي، وقد أثمر هذا الانتظار مجموعة شعرية كاملة، وقد كان منتهى أملنا قصيدة واحدة.
ويبدو أن الشاعر قد أقدم على وضع مجموعته الشعرية هذه وهو ممسك بقلم نازف، يحركه قلب معجون بوجع العراق ولونه المتراوح بين الأسود والأحمر، ليسطر –ويصمم- مجموعته الشعرية التفاعلية، التي اختارت أن تصدر من قلب العراق الدامي لشاعر يوقن "أن الناس توابيت"، وهذا سبب كافٍ للالتفات إليها، والاهتمام بها اهتمامًا خاصًا، ولكن المجموعة في الواقع تفرض نفسها بنفسها على كل مهتم بالأدب التفاعلي كي يقبل عليها قراءة وتصفحًا ونقدًا، لأنها تجمع بين أهم عنصرين يجب أن يتوافرا في النصوص الأدبية التفاعلية، وهما: الأداة الفنية، والأداة التقنية، وأقصد بالأولى الموهبة، والمَلَكَة الأدبية الحقيقية، فيما أقصد بالثانية العناصر التكنولوجية التي تكسب النص صفة التفاعلية، بحيث تكون جزءًا من بنية النص، ومؤثرة على نحو أصيل في معناه الكلي، وليست مجرد "ديكور" خارجي.
وسأعمد في هذه المقالة إلى تخصيص الكلام على العناصر التقنية التي استخدمها الشاعر في مجموعته هاته، وبيان مدى توفيقه أو إخفاقه في كل منها، ومن أبرز هذه العناصر: الكلمة، والصورة، والصوت، واللون، والحركة، والروابط المتشعبة. على الرغم من أن الأداة الفنية تحتاج إلى عدة وقفات خاصة بها، إلا أن ما تتميز به هذه المجموعة الشعرية من استثمار العناصر التقنية المختلفة وتوظيفها فنيًا في نصوصها يفرض علينا أن نوجه انتباهنا إلى هذا الجانب التقني، دون إغفال القيمة الفنية للنص الأدبي نفسه، الذي يمتلك سحرًا خاصًا يستحق أن تُفرّد له دراسة منفصلة في وقت لاحق. الكلمة: لا يمكننا أن نتكلم على أدب تفاعلي أو غير تفاعلي إلا حين تحضر الكلمة، إذ لا يوجد الأدب بعيدًا عن الكلمة، حتى إن اقترنت بعناصر أخرى، إلا أن أي عنصر آخر لا يمكن أن يغني عنها، وإذا استطعنا الاستغناء عن كل العناصر الأخرى في الأدب فإننا لا يمكن أن نستغني عن الكلمة، لأنها هي الأساس.
وغياب الكلمة لا يُقصد به الغياب بمعنى عدم الحضور فقط، وإن كان هذا المعنى مقصودًا في سياق النفي السابق، إذ تتحول النصوص حينها إلى فن بصري بعيد عن الحقل الأدبي، ولكن قد يُقصد بغياب الكلمة ضعف بنيتها، أو ركاكة أسلوبها، وهذا يحدث حين تغيب الموهبة الأدبية، لذلك يجب التأكيد على أن الكلمة –حتى إن اقترنت بعناصر أخرى كالصورة والصوت وغيرهما- يجب أن تكون ذات تأثير قوي، وألا تحتاج إلى دعم بقية العناصر لها، لأن العناصر الأخرى لا تحضر لدعم الكلمة، إنما لإثرائها وإضافة معان أخرى لها.
في هذه المجموعة الشعرية التي تتضمن حوالي تسع قصائد وقطع شعرية، بالإضافة إلى عدد كبير من الجمل الشعرية الأخرى، حضرت الكلمة بقوة تبلغ حد العنف أحيانًا، ورقة تبلغ حد الشفافية أحيانًا أخرى، وكانت تنقلنا من جو إلى جو بسلاسة تمتص الصدمة المتوقعة لدى القارئ قبل حدوثها، وقد نجحت في التغلغل إلى أعماق القارئ/المتصفح وإدخاله في جو النص، وهو ما يثبت أن استخدام الأداة التقنية لم يكن بهدف استمداد القوة منها وتعضيدها للنص.
تراوح طول القصائد والمقطوعات والجمل الشعرية ما بين الطويل والقصير جدا، وهو ما لم يكن متنافرًا على امتداد المجموعة، بل بدا منسجمًا مع فكرة المتن والحاشية التي اعتمد عليها الشاعر في تصميم مجموعته الشعرية؛ فالمتن غالبًا ما يكون طويلا، ثم تأتي الحواشي والهوامش أقصر منه، وفي هذه المجموعة توجد قصيدتان في المتن، وبقية القصائد والمقطوعات بمثابة هوامش أو حواشي، وهي ما تغلب عليها صفة القصر، بالإضافة إلى الجمل العابرة من خلال الشريط الإخباري الحاضر في جميع الصفحات دون استثناء، مستجيبة لمتطلبات هذا الشريط من الاختصار والاختزال والكثافة في طرح الفكرة.
وإذا كان من أهم شروط حضور الكلمة في الأدب التفاعلي ألا يكون عدد الكلمات في النصوص كبيرًا فإن هذه المجموعة نجحت في تحقيق هذا الشرط إلى حد كبير، وكما ذكرت فإن طول نصي المتن لا يمثل مخالفة لهذا الشرط، لأن طولهما مقبول وليس مفرطًا. الصورة: غلبت الصورة الثابتة على مجموعة "تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق" الشعرية التفاعلية، ولم يوظف الشاعر الصورة المتحركة في هذه المجموعة إطلاقًا. وتظهر الصورة ابتداء من الصفحة الأولى، وهي الصفحة الرئيسية للمجموعة، ذات الخلفية الزرقاء الداكنة، تتوسطها صورة تمثال حجري له أكثر من فك سفلي، مغمض العينين، كأنه يصرخ، أو يريد أن يصرخ، ولكنه مكمم! –أو هكذا يبدو- وهي صورة رمزية تغني بنفسها عن أي تأويل.
والملاحظ أن حضور الصورة كان يتم بطريقتين تتكرران في كل النصوص، الطريقة الأولى هي وضع الصورة جنبًا إلى جنب مع الكلام، وهذا يعزز فكرة الفصل بين الكلمة والصورة، أو الأبجدية والأيقونة، وهي الفكرة التي يحاول الأدب البصري –بصورة عامة- التحرر منها، إذ يجب أن يتماهى العنصران في كينونة واحدة، لأنهما يمثلان شيئًا واحدًا في النهاية، ولا مبرر لفصلهما، فكل منهما يمثل رسالة منقولة من طرف مرسل إلى طرف مستقبل، وبإمكانهما الاتحاد ليفيد كل منهما من مزايا الآخر، لذلك كان الأفضل لو دُمجت الصورة والحرف ليمثلا نصا واحدًا متكاملا بدلا من هذا الفصل، أو الدمج، التعسفي.
والطريقة الثانية هي استخدام الصورة بوصفها خلفية للنص المكتوب، وهذا استخدام تقليدي لها، وفي كثير من نصوص المجموعة –إن لم يكن فيها كلها- يمكننا الاستغناء عن الصورة/الخلفية دون أن يؤثر ذلك على قيمة النص أو يخلّ بمعناه. وفي أصل توظيف الصورة بوصفها عنصرًا من عناصر النص التفاعلي يجب أن يكون حضورها ضروريًا وأساسيًا للنص، أي أن تكون جزءًا من بنيته الأصلية لا يمكن الاستغناء عنه إلا بالاستغناء عن جزء من المعنى، وغياب الصورة لا بد أن يحدث خللا في النص، لأنها تغيِّب معها الجزء الخاص بها من المعنى.
لا يمكنني –شخصيًا- النظر إلى الصورة في هذا النص بوصفها جزءًا منه، وهو ما يجب أن يكون في النصوص البصرية عمومًا، وفي الأدب التفاعلي على وجه خاص، إذ يُشتَرَط أن يمثل كل عنصر فيه جزءًا لا يتجزأ منه، بحيث لا يمكن الاستغناء عنه، ولو حدث ذلك لأخلّ بالنص، أو لفقد النص معه جزءًا من معناه. إننا هنا نستطيع الاستغناء عن الصورة –في تقديري الشخصي- ويبقى النص حاضرًا بقوته ومؤثرًا بعمق في قارئه، دون أن يؤثر فقدان الصورة عليه سلبيًا.
من الاقتراحات المقدمة بخصوص هذا العنصر على سبيل المثال عدم اللجوء إلى الصور الجاهزة، أو عدم استخدامها كما هي، بل محاولة ابتكار صور جديدة وخاصة بالنص نفسه. يمكن في هذا الصدد استخدام بعض التقنيات القديمة التي كانت تستخدم في الأدب البصري، كالتشكيل بالكلمات، كما يمكن التدخل في الصور قبل استخدامها، بنثر الكلمات أو بعض الأحرف فيها، أو بتخفيف ألوانها كما في مقطع "تمهل أيها البحرالأعف" الذي جاءت الصورة فيها بالأبيض والأسود فقط، أو غير ذلك.
في بعض الأحيان تأتي الخلفية منسجمة مع مضمون الجمل الشعرية الموجودة في الشريط الأصفر، ولكنها لا تمثل جزءًا منها (أي من الجمل الشعرية)، بحيث يمكن قراءتها بمنأى عن الخلفية دون أن يتأثر مضمونها. ومن ذلك على سبيل المثال مقطع "لا داعي للعجلة: لا تعي خطوتي أين رأس الدوائر؟؟ فالطريق يحدّب أضلاعه..إلخ"، إذ جاءت الخلفية زرقاء عبارة عن خطوط محدّبة متكررة بعشوائية. الصوت: الصوت ليس مجرد خلفية مسموعة للنصوص التفاعلية، بل هو عنصر أساسي فيها، لا يمكن الاستغناء عنه إلا بالاستغناء عن جزء من المعنى يقدمه هو ولا يمكن أن يعوض عن غيابه عنصر آخر من عناصر النص.
في مجموعتنا الشعرية هاته نجد أن الصوت حاضر بوصفه "ديكورًا" خارجيًا أكثر مما هو حاضر بوصفه جزءًا من النص، وكأن عملية اختيار الصوت حدثت بعد الانتهاء من نظم النصوص بحيث يتم تركيب كل صوت على قصيدة أو قطعة من المجموعة، وهو ما يجعل الصوت بعيدًا جدًا عن جو النصوص المصاحبة لها.
ولكي يتجنب الشاعر هذا الفصل القائم بين أجواء النصوص وأجواء المقطوعات الموسيقية المترافقة معها عليه أن يبدأ في ابتكار طرائق جديدة للكتابة الشعرية، تتوحد مع الصوت، وتنبني عليه. ليس شرطًا أن يكون الصوت موسيقى فقط، من الممكن أن يكون كلامًا، أو كلمات، من الممكن أن يكون صوتًا طبيعيًا، أو أن يكون –بحسب أجواء النص- طلقات على سبيل المثال، يمكن أيضًا أن يكون الصوت مصحوبًا بالصدى حين يجد الشاعر المعنى يتطلب ذلك، أو غير ذلك من الاحتمالات الممكنة التي تخرجنا عن دائرة المقطوعات الموسيقية التي تبقى ضيقة مهما اتسعت.
كما أن الصوت في هذه المجموعة يحتاج إلى ضبط في أكثر من موضع؛ ففي كثير من النصوص يتقطع الصوت عند تكرار المقطع من البداية، وهذا يشير إلى وجود خلل ما في عملية تكرار المقطع الصوتي أو "لصقه"، وهو خلل يتكرر في عدة مواضع كما ذكرت، مثل "في مدار عتيق"، و"ولقد مشيت وما علمت"، و"يعقوب"، وغيرها.
من جهة أخرى فإن قوة الصوت لم تكن واحدة على امتداد المجموعة؛ فالصوت يتراوح علوًّا وانخفاضًا بالانتقال بين الصفحات المختلفة. وفي مقطع "تحاصرني المنايا والشظايا" يتأخر ظهور الصوت عدة ثوانٍ، حتى أن المتصفح يظن للوهلة الأولى أن هذا النص غير مصحوب بصوت –وهو أمر وارد جدا-، ولكنه يتفاجأ بعد ذلك بمقطع صوتي يظهر على استحياء، وهو غير متناسب –في رأيي- مع أجواء المجموعة الشعرية كلها، لأن الصوت إذا كان مقطعًا موسيقيًا معروفًا وله كلمات معروفة فإنه يحيل إليها تلقائيًا، وهذه الإحالة يجب أن تتفق مع مضمون المقطع الشعري الذي يظهر الصوت معه، حتى لا يتشتت المتصفح بين فضاءين مختلفين تماما عن بعضهما.
العكس حدث في مقطع "في قريتي .."، إذ وُفّق الشاعر في توظيف مقطع نشيد "موطني" الشهير كخلفية موسيقية للنص، أضافت له الكثير، بكل ما يحمله هذا المقطع الصوتي من إرث على جميع المستويات.
من الاقتراحات المقدمة في هذا العنصر توظيف الفلكلور والتراث الفني في تقديم نصوص شعرية تتكئ على الصوت بوصفه جزءًا أساسيًا منها، وللمواويل العراقية البكائية طابع خاص كان بالإمكان استثماره في مجموعة شعرية تجعل من عراق الألم والمعاناة موضوعًا لها.
وكما ذكرت سابقًا، فإن الصوت من الممكن أن يكون حيًا كالأصوات البشرية أو أصوات الكائنات الحية، أو غير حي كالأصوات الأخرى المختلفة كالخطوات أو قطرات المياه أو الطلقات أو دقات الساعة أو أي شيء آخر، المهم فقط أن تمنح إلى النص معنى إضافيًا، لا أن تكون مجرد إضافة جمالية صرف. اللون: اللون عنصر أساسي في النصوص التفاعلية –اتكاء على أصلها البصري-، ويجب أن يكون متناسبًا مع مضمون الأبيات في القصيدة التفاعلية، وقد غلبت الألوان الداكنة على هذه المجموعة الشعرية، وأرى أن الشاعر وُفِّق في ذلك جدا، لأن الألوان الداكنة جاءت متناسبة جدا مع مضمون النصوص.
الخط في بعض النصوص الشعرية، مثل نص "ولقد مشيت وما علمت"، مكتوب بلون داكن على خلفية داكنة اللون، وهو ما يجعل قراءته صعبة إلى حد كبير، تضطر المتصفح إلى تظليل الأبيات كي تظهر باللون الأبيض في خلفية سوداء ليتمكن من قراءتها. وهذا لا يبدو أنه عبث من الشاعر، إذ إن اختيار الألوان وتغييرها ليس من الأمور الصعبة في التصميم، ولكن يبدو أنها طريقة لجعل القارئ أو المتصفح في حالة انشغال دائم ليس فقط بالنص الظاهر أمامه على الشاشة، بل ومعه أيضًا.
ولكن في مقطع آخر "أشجار الزيتون قطعت أوراقها/ لأن/ الربيع رحل"، يضع الشاعر على يمين الصفحة التي تغلب عليها الألوان النارية كالأحمر والأصفر والبرتقالي جملة "إياك/ أن/ تقترف/ الأمل"، باللون الأحمر الذي لا يكاد يظهر بين هذه الألوان، وكذلك بالنسبة للكلمات الروابط (رجوع)، و(المتن)، و(حاشية)، المكتوبة باللون الأحمر الذي يُلاحظ بصعوبة كبيرة بين كل تلك الألوان الأخرى. وعلى الرغم من صعوبة ملاحظتها إلا أنني تمكنت من إيجادها، لأن القارئ/ المتصفح اليوم أخذ في التعود على البحث عن أشياء يتوقعها أو لا يتوقعها في كل صفحة جديدة يلج إليها، وجميل جدا أن يجد القارئ/ المتصفح ما يتوقعه ويبحث عنه، ولكن الأجمل –ربما- هو أن يتعثر وهو في طريقه لإيجاد ما يتوقعه بما لا يتوقعه، فتأتي الدهشة ويحضر كسر أفق التوقعات بكل قوته.
بقي أخيرًا أن أشير إلى لون الشريط الإخباري الذي اختاره الشاعر وهو الأصفر، وهو لون سيتكرر في معظم الصفحات، ما عدا صفحة واحدة تقريبًا. وقد يكون اللون الأصفر –خصوصًا الفاقع- أكثر لفتًا للنظر من غيره من الألوان، ولذلك بدا للشاعر أكثر صلاحية لاستخدامه لنقل الجمل الشعرية العاجل منها وغير العاجل! الحركة: الحركة في النصوص التفاعلية يجب أن تكون كذلك لهدف يخدم النص، وهذا يعني أن تكون منسجمة مع مضمون النص غير مخالفة له على الأقل. ويمكن للحركة أن تُسلَّط على الصور، أو الكلمات، أو أي عنصر آخر، وفي هذه المجموعة الشعرية حضرت الحركة حضورًا فريدًا ومميزًا؛ فقد سلطها الشاعر على الكلمات، ولكن في توظيف موفق جدًا لفكرة الشريط الإخباري الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من شاشة أية قناة فضائية، وقد بدأ ظهور هذه الفكرة أولا مع القنوات الإخبارية التي كانت تنقل الأخبار العاجلة من خلال هذا الشريط، ثم أصبحت تنقل الأخبار المختلفة، العاجل منها والآجل. ويبدو هذا التوظيف موفقًا من قِبَل الشاعر، لأنه يقدم مجموعة شعرية عن واقع العراق/الوطن ومأساته، وهو يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالأخبار العاجلة المقدمة عبر الشريط الإخباري.
الملاحظ في هذه الحركة أن حضورها بسيط ولكن متكرر ومستمر، وكأن في هذا إشارة لاستمرار المصاب وتكرر الوجع في العراق الجريح، حتى لحظة تأليف المجموعة على أقل تقدير.
وقد استخدم الشاعر تقنية أخرى متعلقة بالحركة، وهي تعتمد على إظهار الكلام وإخفائه بالإفادة من تقنية النص المتشعب، ومن ذلك ما يظهر في الصفحة الرئيسية، إذ نجد على يسارها جملة شعرية تتألف من خمس كلمات مكتوبة فوق بعضها "أيقنت أن الحنظل موت يتخمر".. وكل كلمة من هذه الكلمات الخمس تمثل رابطًا خفيًا لجملة شعرية تختلف من كلمة لكلمة، والملاحظ أن هذه الجمل تظهر بمجرد تمرير المؤشر على الكلمة، ولكنها تختفي بعد مرور بضعة ثوان سواء حُرِّك أو لم يُحرَّك، وهي بمثابة روابط تشعبية غير فعالة، بمعنى أنها لا تحيلنا إلى أي صفحة أخرى، إذ يظل القارئ/المتصفح حتى بعد النقر عليها في الصفحة الرئيسية ذاتها لا يبارحها.
وهذه الطريقة في إظهار النصوص وإخفائها قد تكون مناسبة مع الجمل القصيرة التي يمكن التقاطها سريعًا بمجرد ظهور النص، مثل النص الذي يظهر عند تمرير المؤشر على كلمة "موت" وهي: "موت يعدو.. ماذا يبغي هذا العداء المسكين؟"، ولكنها لن تكون مناسبة إطلاقًا في حالة الجمل الطويلة، التي يحتاج المتصفح معها إلى تحريك المؤشر وإعادة تمريره على الكلمة عدة مرات ليقرأ الجملة كاملة. وفي رأيي أن الجمل الشعرية الطويلة –على جمالها- كان الأولى أن تكون أقصر، أو أن يكون هناك تدبير آخر، كأن تحيل الروابط التشعبية المتمثلة في الكلمات الخمس إلى صفحات أخرى تتضمن هذه الجمل الشعرية كي يتمكن القارئ من قراءة النصوص، مع أن الوضع الحالي يجعل القارئ متحفزًا ومفكرًا في الوقت ذاته، فهو لا يستطيع الوصول إلى النص "بضغطة زر" كما يُقال، إنما يحتاج إلى أن يفكر في الطريقة التي يمكنه بها الحصول على النص، والمحاولة والتجريب أكثر من مرة، وهذا في النهاية شكل من أشكال التفاعل مع النص، أفضل من القراءة فقط التي تعد تلقيًا سلبيًا. الروابط التشعبية: الروابط التشعبية هي إحدى أوضح الوسائل التي تتيح للقارئ التفاعل مع النص، لأن القارئ يجد نفسه أمام عدة خيارات، فيتوقف ليفكر ويقرر ثم يختار، وهي عملية قد لا تستغرق ثوانٍ بسيطة، ولكنها تشعر القارئ بأنه يفعل شيئًا حيال النص، وأن النص لا يفرض نفسه عليه، إنما يترك له مساحة ليتخذ موقفًا تجاهه.
ومن الضروري التأكيد على أن الروابط التشعبية يجب أن تؤدي دورًا تفاعليًا حقيقيًا في النص، لا أن تكون بمنزلة تقليب الصفحات في النصوص الورقية التقليدية، حتى يتحقق الغرض من وجودها.
والروابط قد تكون في متن النص، كما قد تكون خارجه أو على هامشه، لكن وجود الروابط في متن النص يبدو أكثر تحقيقًا لتفاعلية القارئ، لأن القارئ يملك حينها خيارًا إضافيًا، وهو إما أن يكمل النص أو أن يتبع الرابط. أما إذا جاء الرابط في آخر النص فإن القارئ سيضطر إلى قراءته حتى نهايته، خصوصًا عند قراءته للمرة الأولى، وهو ما اختاره الشاعر مشتاق في كل نصوصه في هذه المجموعة، إذ تأتي الروابط دائمًا بعد انتهاء النص، وهي تتيح له الرجوع إلى الصفحة الرئيسية، أو الرجوع إلى النص المتن عندما يكون في نص حاشية أو هامش، أو الذهاب إلى صفحة أخرى جديدة فيها نص جديد، قد يقود بدوره إلى نص آخر، أو يوفر له الخيارات السابقة ذاتها، وهي الرجوع إلى الصفحة الرئيسية أو إلى النص المتن.
وتبدو هذه الروابط تقليدية إلى حد كبير، ولكنها طبيعية في التجربة التفاعلية الأولى، التي تبشر بمستقبل مميز للأدب التفاعلي عربيًا، ولكن مما يُؤخذ على بعض هذه الروابط أنها في بعض الأحيان تحيل إلى الصفحة ذاتها، مع أن فكرة الروابط التشعبية تتعارض مع هذا، إذ إن النص يتشظى معها إلى عدة أجزاء، ليجد القارئ نفسه في كل مرة مع نص جديد مع كل رابط جديد، لا أن يجد نفسه يعود في كل مرة إلى النص نفسه على الرغم من تعدد الروابط، وهذا ما حدث في نص "قريتي/ جففي نهرك.."، إذ تحيل روابط (أوبة)، و(حاشية)، و(لا أرغب بنصيحة أخرى)، إلى الصفحة ذاتها، وكذلك في صفحة "رذاذ من النور/ يزحف في هامة الليل.."، إذ تحيل أيضًا ثلاثة روابط إلى الصفحة ذاتها. وهذا خلل يجب تداركه في التجارب التفاعلية القادمة، بالإضافة إلى الملاحظة السابقة بخصوص تداخل الروابط مع المتن، بحيث تكون كلها بنية واحدة، لا أن تكون الروابط ملحقة بالنص "المكتمل".
وأخيرًا، إذا حاولنا تقدير مدى تفاعلية المجموعة الشعرية، وحجم مشاركة القارئ/المتصفح في إنتاج معنى النصوص، سنجد أن هذه المجموعة تحقق الحد الأدنى من التفاعلية، وهو قدر مقبول في التجربة التفاعلية الأولى، إذ إنها تنقل القارئ/المتصفح من نص إلى نص باختياره، إذ يملك خيارين أو ثلاثة أو أربعة وأحيانًا خمسة، وله حق اختيار الرابط الذي يجذبه أكثر، ويمكنه في أي وقت الرجوع إلى الصفحة الرئيسية أو إلى أحد المتنيْن.
ثم إن القارئ مضطر في موضعين على الأقل للقيام بإجراء ما ليتمكن من قراءة النصوص المخفية خلف بعض الكلمات، إذ سيجد بعد بضعة محاولات أن عليه تمرير المؤشر على الكلمات بالترتيب كي يصل إلى النص المخبأ خلفها. وهذه الآلية تذكرني إلى حد كبير بقصيدة In the Garden of Recounting "في حديقة اعادة العد" لروبرت كاندل الذي يعد أب الشعر التفاعلي، حيث كانت أبيات القصيدة تظهر بمجرد تمرير المؤشر على محيط أوراق النباتات المحددة باللون الأخضر الفاتح.
وإذا كانت القصيدة التفاعلية هي التي لا يمكن تقديمها على الورق، بحسب تعريف لوس غلايزر، فإن معظم قصائد هذه المجموعة يمكن تقديمها على الورق دون أن تختلّ على نحو جادّ. ولعل هذه القراءة النقدية للعناصر التقنية المضمنة في المجموعة التفاعلية –وغيرها من القراءات- يمكن أن تسهم في إنتاج نصوص شعرية تفاعلية مستقبلية أكثر انسجامًا مع فكرة التفاعلية التي تجعل القارئ ليس فقط مخيرًا تجاه النصوص، بل مشاركًا في بنائها وإنتاج معناها، وهذا أقل ما يجب على جميع النقاد المهتمين بالأدب التفاعلي عمله كي ننتظر الأفضل، بتركيزنا على مواطن القوة والجمال في نصوص هذه التجربة الأولى، وتنبيهنا على مواطن الضعف فيها. ولا ينبغي أن تُفسَّر الملاحظات الواردة في هذه القراءة بأنها انتقاص من قيمتها، بل على العكس تمامًا، فكل ملاحظة وردت في هذه القراءة تؤكد أهمية هذه التجربة الرائدة، وتسعى مجتمعة للوصول إلى ما هو أفضل عند الشاعر الدكتور مشتاق عباس معن، الذي امتلك –بالإضافة إلى الموهبة الأدبية- جرأة خوض هذه التجربة العسيرة، خصوصًا إذا أخذنا بالاعتبار ما أشرنا إليه في مطلع هذه الدراسة، وهو كون هذه التجربة انطلقت من العراق على الرغم من كل ما يعانيه العراق ومواطنوه مما يعجز القلم عن تسطيره، ولعل هذا يؤكد ما يذهب إليه الكثيرون من أن الإبداع وليد المعاناة.

------
* المقالة منشورة أساسًا في موقع (أوراقي) للكاتبة. د. فاطمة البريكي
جامعة الإمارات sunono@yahoo.com