الموصل: من الذي يملك فرض الامر الواقع؟

تصاعدت في الايام الماضية حدة التصريحات بين بغداد وربيل حول طبيعة العمليات الجارية في المحاور التي ينشط فيها كلا الطرفين حول الموصل. بدت هذه المدينة وكأنها حلبة تنافس عسكري يسعى فيها كل من الطرفين الى الاسراع من اجل فرض السيطرة على اوسع نطاقات ممكنة، من اجل المساومة السياسية لاحقا بعد ان تتم عمليات التحرير الكلية، التي يبدو بأنها باتت تشهد بشكل متزامن عقبات سياسية ستسهم لاحقا في تأخير عمليات ازاحة داعش من مشهد الاحداث. الموصل، المدينة الصغيرة على خريطة العالم، باتت اليوم تشكل مصدرا للاستقطاب الدولي الحاد والخطر بذات الوقت.

من جهتها تسعى القوات الكردية الى العمل على تحرير ما تسميه بالمناطق الكردستانية، لانها تشكل النطاق الاهم بالنسبة لها. هنا يسعى الاقليم الى القيام بدور المدافع عن الاكراد حيثما وجدوا، والهدف في حقيقته ابعد من مسالة الدفاع حيث له ارتباطات جيوبولتيكية واسعة ومعقدة بذات الوقت. الدليل على ذلك ان الاكراد في بغداد لا يعنون الكثير في خطاب الاقليم، الا في موسم الانتخابات. هنا تسهم الجغرافيا والموارد في لعب الدور الاعمق في تفسير ما يجري.

بالمقابل قامت بغداد بالتأكيد على بيان موقفها الرافض لسياسة الامر الواقع التي يسعى لها الاقليم. التحذيرات التي جاءت بلغة دبلوماسية بحتة كانت بالاساس تنطلق من قناعة ذات علاقة بالدور الاميركي في الملف الشائك الذي تمثله عملية تحرير الموصل. تعتقد بغداد بان تمرير الاتفاق الامني الاخير بين واشنطن – اربيل بمباركتها غير المعلنة رسميا، يمكن لها ان تشكل الزاما ما بالنهاية لقيادات الاقليم تجاه الخطوات التي يجب اتخاذها بهذا الخصوص. احد البنود المسربة لهذا الاتفاق توصي بعدم بقاء القوات الكردية في المناطق التي يتم تحريرها، كما توصي بضرورة التعاون الوثيق مع بغداد في مجال الخطط العسكرية الخاصة بتحرير الموصل، بما يضمن القيام بعمليات عسكرية من اراضي الاقليم ذاته حينما تقتضي الضرورة.

الموافقة التي صدرت من بغداد على طبيعة هذه الاتفاقية التي يتم فيها من قبل واشنطن دفع مرتبات القوات الكردية يعني ضمنيا ان هذه القوات باتت هي الاقرب الى ذهنية صانع القرار الاميركي حين يتعلق الامر بالعمليات العسكرية، سواء اكان اليوم لمحاربة الارهاب او غدا لمواجهة قوات غير مرغوبة اميركا مثلما يمكن ان يحصل مع الحشد الشعبي مثلا. حيث يبقى السعي الاميركي الى تشكيل ولاءات خاصة بها داخل المنظومة العسكرية امرا لافتا للنظر، من قبيل التأكيد مرارا على افتخارها بان العلميات الناجحة لتحرير الفلوجة مثلا كانت قد تمت من قبل قوات نخبة خاصة هي التي تولت تأسيسها وتدريبها في السنوات السابقة. وهو ما يشير الى قناعة ما لا زالت راسخة لدى واشنطن بأهمية العسكر في صناعة المشاهد المستقبلية للعراق، انطلاقا من تجارب سابقة لها مكانتها في الذاكرة الاميركية – البريطانية تحديدا. لذا في ظل هذا التصور ليس من المستغرب ان نعلم اليوم بان اغلب المقاتلين الاجانب الذي يأتون لمحاربة داعش ينضمون لقوات البيشمركة وليس لاي طرف اخر في المعادلة العسكرية العراقية.

اعتقد بالنهاية ان هنالك توجها اميركيا لخلق لغة توازنات حادة في الميدان عبر السلاح والسياسة. لن يسمح لبغداد بفرض الارادة المطلقة او حتى بتحديد مستقبل ادارة الموصل بطريقة مريحة. اصرار بغداد على مشاركة الحشد الشعبي، في تحول جذري عن الموقف الذي اتخذ قبل اشهر، يدلل على ان هنالك محاولة لاستخدام هذه الورقة بشكل اضطراري بالتزامن مع صعود سيناريوهات خطرة تتعلق تارة بمشروع الربط بين تحرير الموصل واقامة الاقليم السني، واخرى بامكانية انفراط عقد الموصل ذاتها التي يمكن ان تقسم الى محافظات عدة.

بالنهاية لا اميل الى فكرة الامر الواقع التي لا يملك اي طرف القدرة على فرضها. النتائج ستكون كارثية للجميع، ولن يخاطر اي طرف اقليمي بالدخول الى هذه التجربة التي يمكن لها ان تشعل حرائق من الصعب جدا التحكم بامتداداتها القادمة. من يرغب بالوقوف ضد تيار الحكمة في التعاطي مع هذا الملف، سواء في بغداد او اربيل، عليه ان يهيئ نفسه لعقوبة تاريخية كبيرة. اللعنة الابدية لمن ينفخ في نار الاحتراب من اجل رقعة جغرافية مضافة او سطوة مركزية لم يعد لها اهمية في عراقنا الممزق سياسيا ومجتمعيا. خساراتنا الحالية لن تكون سوى ذكرى عابرة في مقابل خساراتنا القادمة اذا ما خرجت الامور عن سياق الاتزان في تحديد مستقبل الموصل.

الجانب الاميركي بالنهاية يفكر بفرض رؤيته العسكرية لتحرير الموصل، لذا سيتم استغلال هذا المُناخ المتشنج لتشكيل غرفة عمليات عسكرية جديدة باشراف مباشر من قبلها يتم فيه جمع الطرفين وتوجيههما عسكريا. واشنطن تفكر ببراغماتية عالية للتحكم بهذا السيناريو الذي تسعى من خلاله الى تحقيق كثير من الايجابيات التي تخدم مصالحها الاستراتيجية. الحديث لاحقا في الاعلام المسيطر عليه اميركيا سيتركز حول اثر واشنطن في الحفاظ على وحدة العراق عبر الموصل. وهو ما يعني بان واشنطن لا زالت بعد تتعاطى مع الشأن العراقي من منظار تاريخي له ارتباط بالتجربة البريطانية في هذا البلد. في هذا الصدد يقو حنا بطاطو "ان استمرار وحدة كل ولاية الموصل بالعراق قد ربطت بمنح حقوق نفطية لما سمي بشركة النفط العراقية، كما انها اصبحت مشروطة بتمديد المعاهدة الانكلو – عراقية والاتفاقات المالية والعسكرية الملحقة بها...".

ليس سهلا بالنهاية حتى على واشنطن ان تفرض رؤاها بحرية فيما يتعلق بالموصل ما بعد داعش. لغة التقريب بين بغداد واربيل هي الاستراتيجية الوحيدة التي سيتم الركون اليها، بشرط ان تكون بعيدة عن صراع المحاور والاملاءات ذات النتائج الجيوبولتيكية. واشنطن هنا باتت اكثر ادراكا لحجم المأزق الذي يشترك فيه الجميع، خاصة بعد التسريبات التي تحدثت عن تواصل عراقي مع الروس باتجاه فتح الاجواء العراقية بشروط، وباتجاه التمهيد لمشاركة ما في الملف العراقي. وهو ما دفع وزارة الخارجية الاميركية مؤخرا الى الاعلان عن ضرورة تعزيز التعاون العسكري بين بغداد واربيل عبر الدعوة لوضع البيشمركة تحت امرة وزارة الدفاع العراقية، في خطوة يبدو انها تهدف الى ثني بغداد عن التفكير بما يمكن لموسكو ان تقوم به في هذا الملف الشائك.