الموصل جسر ولاية المالكي الثالثة

لم يكن أفضل المتابعين لأحداث العراق رغم سخونتها يتوقع أن تكون الموصل خبراً أولاً في كل نشرات الأخبار والصفحات الرئيسة للصحف، فأحداث الأنبار لم يجف حبر كتابتها بعد، وتحدّي حكومة المالكي لمناهضيه لا يزال على أشده، والهم الأول هو الحصول على ولاية ثالثة لم يبد الشعب العراقي رغبته في تحقيقها بعدما أفضت ولايتان كاملتان لمزيد من الدمار في العراق الجريح، الذي لم يهدأ لأكثر من عقدين من الزمان.

فقدر العراق بحكم موقعه وثرواته الضخمة أن يكون في فوهة المدفع كعنوان بارز لتلك الفوضى الخلاقة التي لا يمكن قراءة المنطقة دون الإشارة إليها.

تحت رماد التصريحات المختلفة وردود الفعل المتباينة لما سمته وسائل الإعلام "احتلال داعش لموصل بلاد الرافدين"، ضاعت العديد من الحقائق التي تحاول هذه السطور قراءة ما تبقّى منها. فأحداث العراق لا يمكن قراءتها بصورة منفردة لأنها ترتبط في جوهرها بشكل أو بآخر، بكل ما يدور في المنطقة من أحداث، والفوضى الخلاقة التي أعلنت عنها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندليزا رايس، تقتضي أن يتم تقسيم المنطقة إلى مجموعة من القطاعات تتبادل الأدوار، فعندما يشتعل اليمن مثلا، يلاحظ الجميع هدوء الجبهات الأخرى، لأن الممسك "بجهاز التحكم" جهة واحدة، وهو ما اتّضح جلياً في أحداث "الربيع العربي" التي كانت تتصاعد وتنخفض وتيرتها بتزامن وتنسيق واضحين، مما يشكّل أساساً حقيقياً لقراءة ما نحن بصدده من أحداث العراق، فالانتخابات السورية الأخيرة كانت نقطة تحول جذري في سياسة الفوضى الخلاقة الخاصة بسوريا وما حولها.

فالخلافات الكبيرة بين مختلف الدول المتحكمة في أحداث المنطقة ليست سوى سيناريوهات مفتعلة لذر الرّماد في العيون، لأن الولايات المتحدة مثلا نأت بنفسها ظاهرياً عن التدخل الفعال في القضية السورية، تاركة الملف لروسيا التي تنازلت بالمقابل عن الملف الليبي الذي كانت تحظى فيه بحق السيادة التقسيمية غير المعلنة.

وبعد الانتخابات الغريبة التي شهدتها سوريا، زادت ضغوط الجماعات الإرهابية المحاربة لنظام الأسد الذي لا يقل عنها دموية، لكنه يتفوق عليها بالحماية الظاهرية المباشرة، والمؤازرة من أطراف عديدة كإيران وروسيا و"حزب الله" وغيرها.

وكان لا بد من الحفاظ على خيوط اللعبة السورية التي تبقي الطرفين المتصارعين بعيداً عن حسم الصراع بعدما أصابت أحدهما عدوى التمزّق المرسوم من الممسك بجهاز التحكم، ولا بد من سحب العديد من القوات التي تقاتل الأسد إلى مكان آخر لتخفيف الضغط عليه، لأن خسارة أي طرف تعني قفل باب رزق مغر لمصانع الأسلحة التي تربطها استراتيجيات دقيقة بتمويل العديد من البرامج الانتخابية. وليس هناك مكان أفضل من العراق الذي يعاني هو الآخر من ويلات كثيرة.

فاحتلال الموصل يعني الحاجة الفعلية لسحب العديد من التنظيمات الإرهابية المتواجدة على ساحات القتال القريبة، ما يعني إعطاء أفضلية للأسد تعينه على الاحتفاظ بدوره المرسوم له، وفي ذات الوقت تعيد ترتيب أوراق أخرى ترتبط بذات الموضوع كالقضية العراقية، والقضية الليبية.

ففي العراق الذي قضت الفوضى الخلاقة بوضعه تحت الوصاية الإيرانية غير المعلنة، شأنه شأن الجنوب اللبناني، ومساحة مقدرة من سوريا، انسحب الجيش العراقي بصورة مريبة، وهو الجيش المنظم الذي تدرب على مختلف تكتيكات القتال، وخاض حروباً ضخمة كالحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج الأولى عقب قيام القوات العراقية باجتياح دولة الكويت الشقيقة، وما أعقب ذلك من مصائب وتجارب بائسة حوّلت خصومات المنطقة السياسية والمعيشية البسيطة إلى خلافات دينية وطائفية.

فمن قلب بغداد تمكنت اليد الخفية من صناعة وتصدير مصطلح الخلافات السنية الشيعية الذي حاولت من خلاله خلخلة الدول السنيّة بافتعال العداوات الظاهرية مع إيران التي لم تخف نواياها المتعطشة لتشييع المنطقة بعدما ضمنت وضع يدها على المراقد الشيعية في النجف وكربلاء.

فانسحاب الجيش المريب من الموصل لا يمكن قراءته كهزيمة مستحقة للجماعات الجهادية غير المنظمة، ولكنه دورة لتاريخ غير بعيد أدهش به الجيش العراقي جميع المراقبين!

ففي حرب الخليج الثانية التي أطاحت بصدّام حسين، أثبت الجيش العراقي كفاءة نادرة في ذوده غير العادي عن ميناء أم قصر الصغير غير المحصّن، والمكشوف لقوات التحالف، بينما سقطت بغداد الحصينة في رمشة عين ودون مقاومة تذكر، في تناقض مع ما حدث من حصار القوات العراقية للقوات الأميركية في مطار بغداد والذي انتهى بكارثة لم تتكشف كامل خيوطها السريّة حتى لحظة كتابة هذه السطور.

فاحتلال الموصل يعيد للأذهان تلك الصورة التي تبادل فيها أبطال تلك المرحلة اتهامات الخيانة، وهي سابقة تزيد الشكوك حول أحداث الموصل التي تنتظر الأيام القادمة لتأكيد أبعاد وحقائق المخطط الجديد الذي أعاد بدايته مرة أخرى من بلاد الرافدين ومهد الحضارات السومرية والبابلية والعباسية.

وما يؤكد ذلك ما أوردته بعض المصادر حول معلومات سريّة عن صدور أوامر للحرس الثوري الإيراني للبقاء في جاهزية تامة بعد صدور التعبئة العامة لمؤازرة المالكي الذي زرعته إيران لرعاية مصالحها داخل العراق، وعن توجه "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" و"حزب الله" و"منظمة بدر"، و"طليعة الخراساني" لاستعادة الموصل.

ولا يمكن إغفال قرار القائد الشيعي مقتدى الصدر تجميد جيشه المسمّى "جيش المهدي"، كخطوة استباقية مرسومة تجلّت بعض جوانبها في ردة فعله السريعة جداً، حيث أعلن أنه لن يرفع قرار تجميد جيش المهدي الذي اتخذه بعد عمليات صولة الفرسان ضده في البصرة عام 2008، إلا إذا أفرجت السلطات عن معتقلين تابعين لتياره الذي كان حله في فبراير الماضي بسبب الفساد وتورطه بعمليات قتل ونهب أموال عامة وخاصة، ما يعني أن احتلال الموصل قد يشكّل غطاءً للإفراج عن أولئك المعتقلين، وإفلاتهم من المحاسبة القانونية على ما ارتكبوه من جرائم أدّت لاعتقالهم.

وما يربط القراءة أكثر هو زحف المسلحين مباشرة نحو مصفاة بيجي النفطية بعد استيلائهم على مركز الطاقة الكهربائية، ومباركة "هيئة علماء المسلمين" بزعامة الشيخ حارث الضاري "انتصار الثوار الباهر"!

كل الخيوط غامضة ومتشابكة، لكنها في نهاية المطاف تؤكّد حقيقة أن دول المنطقة مجتمعة تتعرض لاستهداف كبير ومخاطر عدّة، ما يؤكّد حاجة الدول لتحصين نفسها بأبنائها كما فعلت دولة الإمارات العربية المتحدة التي أقرّت الخدمة الوطنية الإلزامية لأبنائها الذين تربوا على حبّ الأرض والتفاني في الدفاع عنها، وهي خطوة وقائية موفقة في منطقة تعيش زمناً لا يحافظ فيه على التراب غير أبنائه الغيورين عليه.