الموسيقى الشعبية المصرية .. التلقائية والإبداع الموروث

ملامح مميزة للثقافة

ليس غريباً أن تظل الموسيقى الشعبية "التقليدية" موضع عناية كبيرة في الدراسات التي تتناول الثقافات التقليدية عند الشعوب ليس فقط، لأنها تحمل قيماً فنية وجمالية خالصة أو أبعاداً فلسفية عريضة، وإنما لأنها تؤكد بوجودها الدائم، الدور الذي تلعبه في المجتمع باعتبارها عنصراً متكاملاً ووظيفياً يتفاعل مع عناصر الثقافة من ناحية ونشاطاً كاشفاً للدور الذي يلعبه الأفراد والجماعات في المجتمع من عمليات تفاعل واتصال واستجابة من ناحية أخري.

وتحمل الموسيقى في طياتهما ملامح مميزة للثقافة التي تنتمي إليها، خاصة في حالة اقترانها بالكلمة، فلكل شعب موسيقاه وأغانيه التي تسري في وجدانه لتمنحه خصوصيته، مما يكفل له القدرة على الإسهام في بناء التراث الإنساني.

ويقدم د. محمد عمران في كتابه "دراسات في الموسيقى الشعبية المصرية" - الصادر عن دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية بالقاهرة - رؤيته للموسيقى الشعبية ويحلل اتجاهاتها المختلفة والتي ترتبط في أغلب الأحيان بالمناسبات الاجتماعية، كالسبوع والزواج، والوفاة، والعمل، والأعمال الدينية وغيرها، ولكل مناسبة طبيعتها الخاصة، وهو ما ينسحب على طبيعة الموسيقى التي تصاحبها، فيجعل اتجاهات الموسيقى الشعبية في مصر تتباين فيما بينها.

ويوضح أن هذا التباين لا يأتي من المعنى الذي تحمله الكلمة أو الأغنية فحسب، بل تمتد لتشمل البنية الموسيقية، كذلك من حيث نوع المقام والإيقاع والآلات المستخدمة وطريقة الأداء، إضافة إلى أن الناس لديهم إلمامة عامة بالأنماط الموسيقية السائدة في مجتمعهم "شعراً ولحناً" لاسيما الأنماط التي تقتضي الضرورة استخدامها في مناسبات ومناشط اجتماعية بعينها، والأداء الموسيقي الذي يعرفه الجمهور ينحو في عمومه تجاه ما يعرف بالأداء الجماعي، الذي يقوم على توافر شكلاً من أشكال الاستجابة الجماعية للموسيقى، والتي يلتقي عليها الأفراد في مناسبة ما، شريطة أن تظل هذه المشاركة متسعة والمناسبة، التي نشأت لها وأن تدور في إطار رغبة الجماعة وقدرتها على استيعابها والتفاعل معها.

• موروث ثقافي

وأوضح المؤلف ماهية النشاط الموسيقى الشعبي وفق مقوماته الثقافية، ووفق تداخله الوطيد مع أنشطة الحياة اليومية، وهذا لا ينفي أن هناك موضوعات للنشاط الموسيقى تقوم على أسس وقواعد فنية، قادرة على صياغة أشكال مختلفة من المزاج الموسيقى، وتستدعيه وقت الحاجة بأساليب متعددة، وهذا يعني أن التوسل بالتنغيم والتوقيع يمكن أن يكون مطلباً يحقق المتعة الفنية، ولا يتعارض مع المطالب والأسباب الأخرى، التي تستدعي الفعل الموسيقي بغرض التعبير به عن الحدث الاجتماعي، وخاصة الحدث الذي لا يتم التفاعل معه إلا بالأداء الموسيقى.

وإذا كانت الموسيقى، التي تنتمي إلى عامة الناس، ظلت من حيث الانتاج والاستهلاك رهينة التقاليد في أغلب الأحوال، فإن هذه التقاليد لم توفر للإبداع الموسيقي عند العامة مجالاً للتفرغ، ولم تضعه قط موضع حرفة أو مهنة يتعيش الأفراد من ورائها، وإذا كانت هذه التقاليد أفضت إلى ترك احتراف العمل الموسيقي لأهله بغرض صياغة وضع خاص لظاهرة التخصص واحتراف الأعمال الدارجة.

• احتراف موسيقي

وتطرق المؤلف إلى ظاهرة احتراف العمل الموسيقي الشعبي، وما يقترن بذلك من مفاهيم وخصائص، فالشكل الموسيقي لدى هؤلاء لا بد أن يقوم على عناصر فنية "بنائية"، وهي العناصر التي تقوم عليها العمليات الموسيقية الشعبية المتقنة، ولا يستثنى أية عوامل بنائية أخرى، كتلك التي تنشأ بفعل خصائص العملية الفنية ذاتها.

غير أن النظرة العامة لظاهرة الاحتراف والمحترفين لم يكن لها أن تنصرف إلى تقدير الخصوصية الفنية، التي تنشأ عليها الموضوعات الموسيقية عند محترفي هذه الموسيقى، بل راحت تنصرف إلى معالجة المفهوم السائد لدى عامة الناس نحو هذه الظاهرة في حياتهم، ولا سيما اتحاد الإبداع الموسيقي – كوسيلة للعيش والارتزاق – وهو المفهوم الذي رسم صورة خاصة لدي العامة للموسيقيين التقليديين والمحترفين ولهويتهم، وما يدور في عالمهم.

ويتساءل المؤلف: لماذا ندرس الموسيقى الشعبية ونوليها كل هذه العناية؟ ويجيب: الموسيقى فرع من فروع الثقافة الشعبية، التي تنتمي إلى قطاع عريض من الشعب، حيث أسفرت العديد من الدراسات في مجال العلوم الإنسانية والتطبيقية بأن العناية بدرس هذه الثقافة بات من الأمور الحتمية لكل أمة، بمعنى أنها لا تشكل جانباً لحياة المجتمع فقط؛ وإنما هي نظام كامل للحياة والتعرف على هذا النظام قديماً وحديثاً لا يقل أهمية عن دراسة التاريخ العام للأمة، فكلاهما يكمل الآخر، لذا فإن دراسة الموسيقى من شأنها الكشف عن مدى الصلة القائمة بينها وبقية العلوم الأخرى، سواء فيما يتصل بالقواعد المنهجية، أو فيما يتصل بالتزود بالمعلومات وما نحو ذلك.

كما أن تتبع المبادئ الموسيقية الأولية تاريخياً وفق متطلبات منهجية ملائمة، ويسهم في إمكانية كتابة تاريخ الحضارة الموسيقية المصرية، وبلدان الوطن العربي سعياً إلى تقديم العموميات التي تتميز بها هذه الموسيقى.

• أنماط شعرية

وقارن المؤلف بين الحكم على الغناء غير الشعبي بأن أحد عنصريه شعراً كان أم موسيقى – يمكنه أن يتصدر المكانة الأولى في عملية الغناء دون الآخر – وأن كلاً منهما يتبادل مع الآخر هذه المكانة لأسباب تتصل بطبيعة الثقافة الموسيقىة المغايرة، التي ينتمي هذا الغناء غير الشعبي، كما تتصل أيضاً بطبيعة الفرض الفني الخاص، الذي ينشيء صيغاً بعينها قد يبرز فيها أحد العنصرين أو يتقدم علي الآخر.

غير أن الأمر مختلف في حالة الغناء الشعبي، فإذا كان الشعر فيه يصور الأحداث والمواقف ويجسد الشخصيات فهذا لا يعني أن الأداء الغنائي يلعب دوراً ثانوياً، فالغناء لدى المحترفين خاصة لا يتشكل من مجرد وجود لحن مما مع نص شعري، دون مراعاة لكيفية وجود هذا اللحن مع الشعر وفق كل نمط غنائي، وفي حالة الغناء القصصي والسيرة تكثر الشطرات الشعرية وتكثر مع مقاطعها من الصور والأحداث، لكن الألحان التي تصاحبها تبدو قليلة وقصيرة.

وتناول المؤلف جهود المؤرخين والرحالة في تتبع لحركة الاهتمام بالموسيقى الشعبية المصرية، والتي جاءت في إطار حركات الرصد العامة، التي عنيت بتسجيل العادات والتقاليد، التي تصور طبائع الناس من خلال ما ورد في كتابات الرواد الأوائل، الذين اهتموا بهذا الجانب وعلى رأسهم ابن خلدون والأصفهاني وابن القيرواني والقلقشندي وابن إياس والمقريزي وغيرهم.

والواقع أن كل الجهود التي عنيت برصد أو وصف وتسجيل النشاط الموسيقي في مصر، كانت في بدايتها تركن إلى وضعية شائعة وهي: رصد ظواهر الحياة عند الشعوب، ولم تكن هذه السمة ترمي إلى أبعد من مقتضيات عمليات الوصف والتسجيل، وإجراء المقارنات في بعض المحالات.

وتعرض المؤلف إلى قضية الحماية وصون المأثورات الشعبية ليس لكونهما من الموضوعات الرئيسية، التي تمثل الجانب الفني في مأثوراتنا، وإنما لأن لهذه الموسيقى، ولأدواتها خصائص بعينها تقوم على مواضع ثقافية، هي في ذاتها تثير الكثير من الجدل عند إدراجها في قضية الصون والحماية، خاصة أن الموسيقى الشعبية مازال يكتنفها الغموض، لاسيما من حيث القواعد التي تنظم عملية الانتاج والاستهلاك، كما أن الحماية لا بد أن تنطلق من معرفة وتحديد ماهية هذه الموسيقى، والوقوف علي حدود ميدانها، والشكل الذي آل إليه حالها.

ولا يتوقف الكاتب عند الجانب النظري، بل يسعى إلى تناول نماذج تطبيقية يدعم بها دراسته النظرية، كما يستعرض الدراسات العلمية التي تناولت الموسيقى الشعبية المصرية من منطلقات مختلفة، سواء الدراسات التي كتبت بأقلام مصرية أو التي كتبت بأقلام أجنبية.

• نظرة بانورامية

ويأتي هذا الجزء من الكتاب "نظرة بانورامية" ليمنح به المؤلف د. محمد عمران قارئه نظرة بانورامية حول الإشكالية، التي يتناولها ومن ثم فإن الأداء الغنائي الشعبي وما يحيط به من مفاهيم محكومة بمقومات ثقافية وفنية وغير فنية، وهي التي تصيغ الأداء الغنائي الشعبي في شكله ومحتواه، وهي التي توضح نوع المفاهيم المتصلة به.

ومع تطوير العلم في هذا الاتجاه راح يكتسب العديد من المفاهيم، التي كانت ترتبط بهذه النظرة، مما أدى إلى نشوء علم "الأنثرموز يكولوجي"، الذي سعى به العلماء إلى تقديم الحضارات الموسيقية تقديماً عادلاً، بعيداً عن التحيز، الذي كانت تتسم به النظرة العرقية المركزية، وقد بدأت الموسيقى الشعبية تتأثر بما طرأ على المجتمع من تغيير في البنيان الاقتصادي والاجتماعي، وفي القيم التي كانت تمارس الموسيقى في نطاقها.

وهكذا انحسر العديد من الأشكال والممارسات الموسيقية. وهذا لا يعزى إلى الناحية الفنية أو التطلع إلى البدائل المعاصرة، التي توفرت على السا الفنية بل يعزي أيضاً إلى التغير، الذي أصاب آلية الانتاج الموسيقي الشعبي، وقلّل من أهمية الدور والوظائف، التي كانت تؤديه الموسيقى في الحياة الشعبية.