'المورد' تستذكر أعياد بغداد العباسية

بقلم: حسن عبيد عيسى
بغداد، مفارقات في كل شيء

لم تكن هيئة تحرير المجلة التراثية المُحَكَّمة "المورد" التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة، تعلم أن العدد الأول لسنة 2008 من المجلة سيصدر في خضم معارك حامية الوطيس تجتاح قطاعات واسعة من مدينة السلام "بغداد"، وان معارك حامية تلتهم البصرة والديوانية والكوت ومدن عراقية أخرى سلبت أرواح مئات الضحايا، وتركت آلاف الأحياء يعانون من آلام الجروح البدنية والنفسية، ومع ذلك اللاعلم بالغيب فإن الهيئة المذكورة جعلت من بين مواد هذا العدد دراسة بعنوان "أعياد بغداد في ذاكرة شعرائها منذ التأسيس حتى نهاية العصر العباسي الأول" وهي من نتاجات د.حسام داود خضر الأستاذ في كلية التربية للبنات بجامعة بغداد، وكأنها أحست بِعَطَش وتلهف الناس إلى ما يُفرح، وان كان مستلا من الماضي البعيد.
وكان رئيس التحرير د. محمد حسين الأعرجي قد خصص كلمة الافتتاح لإثارة أمر حيوي تحت عنوان "القرآن الكريم متبوع لا تابع" تطرق فيه إلى قضية جديرة بالاهتمام، فالقرآن الكريم الذي هو معجزة الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، اختلف المسلمون في وجه إعجازه، فمنهم من قال بـ "الصرفة" يريد أن الله تعالى قد صرف قلوب المشركين أن يأتوا بمثله، وهذا الرأي كما يرى الدكتور الاعرجي "ينتصر لقدرة الله تعالى أكثر مما ينتصر لكتابه العزيز"، وهذا المذهب يجرد القرآن الكريم من الإعجاز بذاته.
فهو يهدف من ذلك بلوغ ما سمي بالإعجاز العلمي للقرآن ليخلص إلى أن التوجه الذي دأب عليه البعض من المفسرين من تفسير آي القرآن المجيد في ضوء الكشوف والاختراعات العلمية الحديثة، إنما هو "مذهب خطير"، فهو يجعل من القرآن تابعا لا متبوعا، ثم إن المجال العلمي يحفل بالنظريات التي قد تُفَنَّد في يوم ما، فكيف وقد ركن إليها مفسر يريد إثبات الإعجاز العلمي .
ولما استأثرت به الحضارة من اهتمام كونها "شغلت أذهان الفلاسفة والمفكرين منذ أقدم العصور وما زالت تحتل مكانة متميزة في الدراسات الحديثة والمعاصرة"، فإن ابن خلدون من السباقين إلى دراسة الحضارة الإنسانية من جميع جوانبها..هكذا هيأ د.قيس هادي أحمد الباحث في مركز إحياء التراث العربي بجامعة بغداد، أذهان القراء ليلجوا رحاب بحثه الموسوم "فلسفة الحضارة عند ابن خلدون".
وكانت دراسة د. سعد علي خميس الأستاذ في الجامعة الإسلامية ببغداد "المنطق الإسلامي الأصيل" معمقة مستوفية لمستلزمات منفعة القراء، بينما تناول د.عبد الهادي خضير الأستاذ في كلية التربية للبنات بجامعة بغداد "المفارقة في شعر المتنبي" مشيرا إلى أن المفارقة PARADOX إنما هي أسلوب أدبي "استخدمه الشعراء والكتاب، في الاستعمال الأدبي العام حتى بدء القرن الثامن عشر على الرغم من قدم مفهومه، وكانت استخداماته كثيرة ومتنوعة، الأمر الذي جعل المفارقة مصطلحا غامضا وغير مستقر ومتعدد الأشكال". استعان الباحث بمعجم المصطلحات الأدبية ليبين أن المعنى البارز للمفارقة هو"التناقض الظاهري"، وهو إذ يعتمد رأي كير كجورد الذاهب إلى أن "المفارقة تتحقق على يد الفنان الذي يجري في دمه الإحساس العميق بالخدعة الكبرى للحياة"، فإنه يجد في المتنبي مثالا حيا لهذا الفنان الذي لم تخدعه الحياة ولم يهادنها أو يسايرها.
ومن تراث المرحوم د.محمود عبد الله الجادر، نرحل مع سيرة الأصمعي "بين الواقع التاريخي واجتهادات الباحثين".. أعقبته دراسة من مخلفات الراحل د.خليل إبراهيم العطية بعنوان "النحو في لهجة قيس".
ولعل قراءة ما قدمه الأستاذ أحمد عبد زيدان من "نظرات نقدية على تحقيق كتاب تهذيب إصلاح المنطق للتبريزي" وهو الجهد الذي قدمه د.فوزي عبد العزيز مسعود كجزء من متطلبات نيل شهادة الدكتوراه، يعطيك انطباعا أن الجهد الذي بذله الباحث زيدان يعادل أضعاف الجهد الذي بذلته اللجنة المكلفة بمناقشة الأطروحة ـ التحقيق، فلقد فاتها الكثير مما أبرزه الباحث زيدان من هفوات ومثالب سطرها على شكل ملاحظات نقدية عامة شاملة لم يترك شاردة ولا واردة إلا أحصاها، على الرغم من أن ذلك الجهد النقدي الكثيف كان حصيلة قراءة واحدة للكتاب المحقق، وفي الأخير تمنى الباحث زيدان على المحقق أن يتخلص من تلك العيوب التي استغرقت أكثر من ثلاث عشرة صفحة من صفحات المجلة.
يواصل د. محمد حسين آل ياسين الأستاذ بكلية الآداب بجامعة بغداد إبداء آراءه حول "متشابه القرآن لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي" والتي نشر القسم الأول منها في العدد السابق. بعدها قدم د.صالح مهدي عباس الباحث في مركز إحياء التراث العربي في جامعة بغداد "خمس صفحات خطية في النباتات الطبية الأندلسية" كان قد حصل عليها وعلى صفحات أُخَر في موضوعات غيرها، من مكتبة رامبور بالهند عام 1985.
ويختم حسن عريبي الخالدي هذه الرحلة الشيقة مع تراثنا الخالد، بتقديم حلقة من متابعاته التراثية الموثقة من الحرف ق وحتى الحرف م. حسن عبيد عيسى