الموجة الثالثة وما نتج عنها من عولمة وفجوات رقمية ولغوية

متابعة: أحمد فضل شبلول
كتاب يحتاج الى قارئ صبور

مصطلح "الموجة الثالثة" استخدمه المفكر "ألفن توفلر" في كتاب له بالعنوان نفسه "الموجة الثالثة"، وفيه قسم تاريخ الحضارة البشرية إلى ثلاث موجات رئيسة: الموجة الأولى بدأت عندما ارتبط الإنسان بالأرض، وأصبح يعتمد على الزراعة، واستغرقت هذه الموجة آلاف السنين. والموجة الثانية بدأت مع الثورة الصناعية عندما انتقل الإنسان إلى مرحلة التصنيع التي استمرت عدة مئات من السنين. أما الموجة الثالثة فهي التي يخوضها الإنسان حاليا وقد بدأت منذ عدة عقود وهي مرحلة ما بعد التصنيع، أو هي العصر المعلوماتي الذي نعيشه حاليا.
وفي كتابه الجديد "الموجة الثالثة وقضايا البقاء" الصادر مؤخرا عن سلسلة كتاب الأهرام الاقتصادي بالقاهرة (العدد 210) ـ 256 صفحة ـ ينبهُنا د. علي علي حبيش إلى أن العالم يواجه على جبهة اللغة، موقفا مصيريا في مجتمع المعلومات، أكثر من ذي قبل، فإما أن يتمسك بتعدد لغاته، وما ينطوي عليه ذلك من صعوبة التواصل وإعاقة تبادل المعلومات والمعارف، وإما أن تتوحد لغات العالم في لغة قياسية واحدة، الإنجليزية، في أغلب الظن، وساعتها تكون قد حلت بالبشرية الطامة الكبرى التي تتمثل في: انقراض اللغات، والعنصرية اللغوية، والحروب اللغوية، وإدراج اللغة ضمن قائمة موتى عصر المعلومات، واندثار الخصوصية الثقافية والقيم المحلية والسيادة الوطنية، وخاصة في عصر العولمة.
وما يهم عشاق اللغة العربية في هذا الأمر أنها ـ بالفعل ـ تواجه موقفا مصيريا خاصا بها، نتج عن وجود ما يعرف باسم الفجوة اللغوية، التي باتت واضحة المعالم في مجتمع المعلومات. فهذه اللغة إما أن تصبح أداة البلدان العربية للحاق بالركب المعلوماتي، وإما أن تتسع الفجوة التي تتصل بينها وبين لغات الدول المتقدمة، وبخاصة الإنجليزية.
لذا ناشدت زملائي الأفاضل في اتحاد كتَّاب الإنترنت العرب، إلى إدراج هدف حماية اللغة العربية على شبكة الإنترنت، ضمن أهداف الاتحاد الوليد، ومن ثم نستطيع التواصل معًا من خلال لغتنا القومية، وليس من خلال لغة أو لغات دول أخرى غيرنا، وإلا سنضطر بعد عقود قليلة من عصر المعلومات أن نعلن انضمام اللغة العربية إلى قائمة موتى هذا العصر. الشجرة التعليمية بدلا من السلم التعليمي ناقش الكتاب أيضا، بالإضافة إلى مسألة الفجوة اللغوية، قضايا التعليم في القرن الحادي والعشرين، واقتراح مفهوم الشجرة التعليمية، بدلا من السلم التعليمي، حيث يكون التركيز على تعليم التلميذ كيف يعلم نفسه بنفسه، وهو المفهوم الذي يتسق مع مفهوم التعليم مدى الحياة، بعد ذلك.
وفي مجال التنمية والتقدم العلمي والتكنولوجي، لوحظ ـ خلال القرنين الأخيرين، وخصوصا خلال الثلاثين سنة الأخيرة، حدوث تراكم معرفي رهيب، وواكبت الدول المتقدمة نموها الاقتصادي بدعم البحث العلمي، مما جعل التراكم الرأسمالي في هذه الدول مرتبط بالتراكم المعرفي والتنمية المستمرة للبشر. عولمة وفجوة رقمية وقد ناقش الكتاب ـ في هذا الفصل ـ ما يعرف باسم الفجوة الرقمية، وحتمية المشاركة، والدور المحوري للعلم والتكنولوجيا، حيث أدت الثورة العلمية والتكنولوجية إلى ظاهرة العولمة التي تشير إلى أن العالم بأسره على مشارف عصر جديد لاحت بوادره في الأفق، ويتأهب المجتمع الإنساني لنقلة نوعية جادة نحو مجتمع جديد، لم تتضح معالمه بعد، لكنه بلا شك مجتمع دينامي سريع التغير.
وما دمنا في مجال الفجوة الرقمية، فلابد من التذكير بالحقائق التالية:
إن العالم به 6 ملايين نسمة، منهم 850 مليون نسمة لا يعرفون القراءة والكتابة، وحوالي مليار نسمة يفتقرون إلى الوصول إلى مصادر المياه النقية، و2.4 مليار يفتقرون إلى الصرف الصحي، وحوالي 325 مليون فتى وفتاة غير ملتحقين بالمدارس، و11 مليون طفل يموتون سنويا، وحوالي 1.2 مليار شخص يعيشون على أقل من دولار واحد يوميا. ليزر، وفيمتو ثانية، ونانو، وتكنولوجيات أخرى ومن ثم لابد ـ والأوضاع هكذا ـ من الحديث عن ثقافة التنمية، ودور الإعلام، والمقومات التي تغرسها الثقافة العلمية والتكنولوجية في المواطن، وأيضا أهمية التثقيف العلمي والتكنولوجي، وضرورة التفكير العلمي، وطريقته التي تعني طريقة التربية السليمة، مع ملاحظة أن التفكير العلمي يعد المدخل الأساسي للتثقيف العلمي والتكنولوجي الذي يقودنا إلى الحديث عن علوم الصدارة مثل: التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية، وتكنولوجيا صناعة الدواء، وتكنولوجيا المعلومات والإلكترونيات، وتكنولوجيا الفضاء (استخدام الأقمار الصناعية والمحطات الفضائية، واستكشاف المجموعة الشمسية، ودراسة الظواهر الكونية) وتكنولوجيا الليزر (وخاصة في التطبيقات الطبية والعسكرية) وتكنولوجيا الفمتو ثانية (حيث تمدنا هذه التكنولوجيا، بتكنولوجيات صناعية مبتكرة جديدة قائمة على إلكترونيات فائقة السرعة، وضوئيات كمية تحدث في المدى الزمني للفمتو ثانية، الذي يقترب من تجميد الزمن من خلال النبضات شديدة القصر لشعاع الليزر، بحيث يمكن ملاحظة التغيرات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية عن طريق هذا القياس) وتكنولوجيا النانو (وهي عبارة عن معالجة بارعة للمادة على مستوى الجزيئي لخلق منتج جديد بالغ الدقة في أوضاع الذرات المكونة للجزيء). قضية البحث العلمي بعد ذلك يتعرض المؤلف لقضية البحث العلمي في مصر، فيضع يديه على نقاط القوة ونقاط الضعف في منظومة البحث العلمي، والملامح الرئيسية الاستراتيجية له، والطموح القومي للتعلم، وكيفية الارتقاء بمنظومة البحث العلمي في مصر، مع عرض للتجارب العالمية المقارنة في التطور التكنولوجي والاقتصادي، في دول مثل: الولايات المتحدة، واليابان، والاتحاد السوفيتي السابق، والصين، وكوريا الجنوبية، وتايوان، والهند، وهونج كونج، وسنغافورة، وماليزيا، وإندونيسيا، والمغرب وتونس، ثم الحديث عن الدروس المستفادة من تجارب هذه الدول. المكوِّن التكنولوجي وجودة البيئة يتوقف المؤلف بعد ذلك عند المكوِّن التكنولوجي في النمو الاقتصادي، الذي يتجسد في الآلات والمعدات والأجهزة التي تستخدم في الإنتاج السلعي والخدمي والعلمي، وكيفية تعظيم هذا الدور من خلال التخطيط، والفرص المتاحة لمصر للارتقاء بهذا المكوِّن.
الفصل الرابع كان عن جودة البيئة بالإنسان وللإنسان، وتحدث فيه د. حبيش، عن الاهتمام بقضايا البيئة، والتلوث البيئي، وعلاقة الإنسان بالبيئة، والنظم البيئية، والإنتاج الأنظف، والتسويق البيئي، والبطاقات البيئية، والحركة الخضراء. الموجة الثالثة والمجتمع المصري وعن وقع الموجة الثالثة على الإنسان المصري كان حديث الفصل الخامس، وتحدث فيه المؤلف عن محصلة نتاج الثورة العلمية والتكنولوجية المعاصرة، وتأثير التكنولوجيات الجديدة والمستحدثة على المجتمع المصري، وأخلاقيات العلم والتكنولوجيا، والموجة الثالثة وثقافة الفقر في المجتمعات النامية، كما تحدث عن المؤتمر الدولي الأول للعلم والتكنولوجيا الذي عقد في كيوتو باليابان في نوفمبر 2004. نحو مجتمع المعرفة الفصل السادس والأخير من الكتاب جاء بعنوان "نحو مجتمع المعرفة"، وفيه تحدث عن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والفجوة الرقمية، وأشار إلى أن نصيب العرب من إجمالي مستخدمي شبكة الإنترنت 0,5% (نصف بالمائة) في حين تبلغ نسبة العرب إلى إجمالي السكان العالمي 5% تقريبا. لذا كان لابد من دعوة إلى توظيف تكنولوجيا الشبكات والتعايش مع عصر المعلومات، وتوجيه الاستثمارات نحو التكنولوجيا. كتاب يحتاج إلى قارئ صبور ومتأمل لاشك أن كتاب "الموجة الثالثة وقضايا البقاء" لمؤلفه د. علي علي حبيش، يحتاج إلى صبر من القارئ على قراءته، وإلى تأمل حالنا وما نحن فيه، وما يسير إليه العالم الآن، في ظل الثورات العلمية والتكنولوجية المتلاحقة. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية