الموت يغيب بيريز آخر كبار الجيل المؤسس للدولة العبرية

اوباما ينعى صديقه

تل أبيب - توفي الرئيس الإسرائيلي السابق وحامل جائزة نوبل للسلام شيمون بيريز عن 93 عاما فجر الأربعاء بعد أسبوعين من إصابته بجلطة دماغية، كما أعلن طبيبه الخاص.

وقال رافي والدن طبيب بيريز وصهره في نفس الوقت "نعم بالفعل" إن الرئيس السابق فارق الحياة، مشيرا إلى أن الوفاة حصلت "في الساعة الثالثة فجرا" (00:00 ت غ).

وكان بيريز تعرض في 13 أيلول/سبتمبر الماضي لجلطة دماغية مصحوبة بنزيف داخلي نقل على إثرها إلى قسم العناية الفائقة في مستشفى تل هاشومير، حيث أعلن الأطباء أن وضعه حرج قبل أن يستقر ليعود ويتدهور الاثنين.

واثر إصابته بالجلطة الدماغية، توالت في حينه رسائل الدعم والتعاطف من مختلف أنحاء العالم من البابا فرنسيس والرئيس الأميركي باراك اوباما والزوجين بيل وهيلاري كلينتون ودونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وكان اوباما، خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي في نيويورك، قال أن أفكاره مع بيريز "الصديق العظيم، والبطل والعملاق في تاريخ إسرائيل".

وكان بيريز حاضرا على الساحة السياسية منذ قيام الدولة العبرية عام 1948 وهو احد مؤسسي إسرائيل ومهندسي اتفاق اوسلو للسلام مع الفلسطينيين في 1993.

تولى رئاسة الحكومة مرتين بين 1984 و1986، ثم في 1995-1996، والرئاسة بين 2007 و2014. وشغل على مدى أكثر من خمسين عاما جميع مناصب المسؤولية تقريبا من دفاع وخارجية ومالية وسواها.

واكد الامين العام للامم المتحدة بان كي مون ان بيريز كان يعمل "بلا كلل في السعي الى السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين"

نوبل السلام ومجزرة قانا

وكان بيريز في قلب المعارك الكبرى في تاريخ إسرائيل القصير وفي صلب السجالات العنيفة التي واكبت الحياة السياسية في هذا البلد، وتحول إلى شخصية توافقية، وينظر إليه الإسرائيليون على أنه احد حكماء البلاد.

وفي 1994 نال بيريز مع رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين والزعيم الفلسطيني ياسر عرفات جائزة نوبل للسلام عن "جهودهم لإحلال السلام في الشرق الأوسط".

ويرتبط اسم بيريز ببداية أنشطة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة وبقصف مخيم تابع للأمم المتحدة في بلدة قانا في جنوب لبنان في 1996 في مجزرة راح ضحيتها أكثر من مئة مدني.

وكان بيريز يصنف من بين "صقور" حزب العمل، وقد وافق حين كان وزيرا للدفاع في السبعينيات على بناء أولى المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة. غير انه انتقل فيما بعد إلى صفوف "الحمائم" ولعب دورا حاسما في إبرام اتفاقات اوسلو مع الزعيم الفلسطيني التاريخي ياسر عرفات في 1993 فيما كان اسحق رابين رئيس الوزراء آنذاك يشكك بقوة في العملية السلمية.

ورغم توقيع بيريز اتفاق السلام الشهير مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في حديقة البيت الأبيض عام 1993 إلا أن إرثه مع جيرانه في حالة يرثى لها.

وقال بسام الصالحي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية إن "بيريز كان واحدا من السياسيين الإسرائيليين الأكثر خطورة".

وتابع الصالحي "إنه استخدم الدبلوماسية للتغطية على سياسات إسرائيل التوسعية من خلال الإبقاء على الاحتلال والاستيطان".

وبعد اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين عام 1995 على يد متطرف يهودي، تعرض اتفاق السلام للخطر، وشغل بيريز وقتها منصب رئيس الوزراء. ويرى الصالحي أن الفرصة سنحت له لتعزيز اتفاق السلام.

وقال الصالحي "إنه اختار بدلا من ذلك الذهاب إلى الحرب في لبنان وارتكاب جرائم حرب والحفاظ على الوضع الراهن للاحتلال"، مضيفا من وجهة نظره، أن رؤية بيريز كانت "سلام قائم على الحفاظ على الهيمنة الإسرائيلية".

وأشار هاني المصري، وهو سياسي فلسطيني ومدافع عن السلام، إلى أن بيريز كان شخصية كاريزمية وقادرة على جذب إعجاب القادة السياسيين الغربيين، رغم انهيار عملية السلام.

وقال المصري "بيريز كان رجلا يسحر العالم بكلماته الجذابة، ولكنه على أرض الواقع كان ينفذ السياسات اليمينية الإسرائيلية ودعم استمرار الاحتلال، وكان يضع العراقيل في طريق السلام".

وتلطخ إرث بيريز في ذاكرة الفلسطينيين كونه أحد مؤسسي البرنامج النووي الإسرائيلي، بالإضافة إلى أنه كان قائدا للبلاد خلال الحرب في لبنان.

وعلاوة على ذلك، اختار بيريز، عام 2005، الانضمام إلى الحكومة وحزب رئيس الوزراء آنذاك ارييل شارون، الرجل الذي يحمله الفلسطينيون المسؤولية عن مقتل المئات في مجازر مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين عام 1982.

وقال المصري إن الفلسطينيين يريدون "رجلا مستعد لصنع السلام، وليس رجلا يخدع العالم".

قادة العالم ينعون بيريز

ونعى عدد من قادة العالم شيمون بيريز الذي توفي عن عمر 93 عاما، متوقفين عند التزامه العمل من اجل السلام.

في واشنطن، قال الرئيس الأميركي باراك اوباما "ننضم ميشال وأنا إلى كل الذين يكرمون في إسرائيل والولايات المتحدة والعالم اجمع الحياة الاستثنائية لصديقنا العزيز شيمون بيريز، أحد الآباء المؤسسين لدولة إسرائيل ورجل الدولة الذي اعتمد في التزامه من أجل الأمن والبحث عن السلام، على قوته المعنوية الثابتة وتفاؤله الراسخ".

وأضاف "هناك عدد قليل من الأشخاص الذين نتقاسم معهم هذا العالم ويغيرون مجرى تاريخ البشرية، وصديقي شيمون كان أحد هؤلاء الأشخاص".

وتابع اوباما "ربما لأنه رأى إسرائيل وهي تتجاوز صعوبات هائلة، لم يتخل شيمون يوما عن إمكانية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين وجيران إسرائيل حتى بعد الليلة المأساوية التي رحل فيها إسحق رابين في تل أبيب"، في إشارة إلى اغتيال رئيس الوزراء الأسبق في تشرين الثاني/نوفمبر 1995.

ووصف الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون الذي أشرف على توقيع اتفاقات أوسلو في واشنطن في 1993 بأنه "عبقري قلبه كبير" و"مدافع شرس عن السلام والمصالحة ومستقبل يصنع فيه كل أبناء إبراهيم غدا أفضل".

وأضاف "لن انسي أبدا كم كان سعيدا قبل 23 عاما عندما وقع اتفاقات أوسلو في حديقة البيت الأبيض وفتح عصر أمل في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية".

أما الرئيس الأميركي السابق جورج بوش (الابن)، فقد أشاد بالتزام بيريز خلال حياته بالسلام والحرية.

في باريس، أشاد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بأحد "اشد المدافعين عن السلام" و"صديق وفي لفرنسا"، ووصفه بأنه "كان إسرائيل في نظر العالم".

وقال هولاند الذي التقى بيريز في 25 آذار/مارس إن "شيمون بيريز أصبح جزءا من التاريخ الذي كان رفيقه طوال حياته". وأضاف "برحيل بيرز تخسر إسرائيل أحد المع رجال دولتها، ويخسر السلام احد اشد المدافعين عنه وتخسر فرنسا صديقا وفيا".

في برلين، عبر الرئيس الألماني يواكيم غاوك عن "تعازيه الحارة لشعب اسرائيل". وقال إن بيريز "ترك أثرا في إسرائيل أكثر من أي سياسي آخر وخدم بلده في وظائف عدة بمبادئ صلبة عندما يكون الأمر متعلقا بأمن إسرائيل، وبإرادة قوية عندما يكون الأمر مرتبطا بدفع عملية السلام مع الفلسطينيين قدما".

وأضاف "على الرغم من الفظائع التي ارتكبت (من قبل النازيين) ضد عائلته، مد بيريز اليد" إلى الألمان "ومن اجل هذا الموقف نحن ممتنون له". وأكد أن "حياته في خدمة السلام والمصالحة يمكن أن تكون نموذجا للشباب".

وقالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أن بيريز "وضع الحجر الأساس لمستقبل مشترك قائم على السلام بين إسرائيل وجيرانها، وبقي وفيا لهذا الهدف حتى النهاية".

وقال وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير إن بيريز "تعهد، بإرادة ثابتة، على ربط الماضي والحاضر من أجل إعطاء دفع للصداقة الفريدة بين إسرائيل وألمانيا".

في لندن، أكد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الموفد السابق للجنة الرباعية حول الشرق الأوسط، ان شيمون بيريز كان "عملاقا في السياسة ورجل دولة، وسيبقى أحد أكبر عظماء عصرنا وكل العصور وشخصا أحببته بعمق".