المواطنة بوصفها وهما مؤجّلا

لم تكن الدولة الحديثة تبحث عن اكثر من وجود تماسك اجتماعي قائم على مبدأ المواطنة وكانت الصلة بين المواطن والدولة في ابسط التعريفات ان يمنح المواطن الولاء فيما تمنحه الدولة الحماية والحرية والحقوق الانسانية الكاملة.

للوهلة الاولى يبدو هذا العقد الاجتماعي بين الطرفين في غاية التبسيط والمرونة اذ يمكن للطرفين المتعاقدين ان ينهضا بذلك وأكثر وبذلك يتكامل بناء المجتمع المتماسك في ظل الدولة الحديثة.

مهدت الثورة الفرنسية لفهم اشكالي صار يسحب ظلاله على تجارب امم اخرى، الثورة التي حفرت عميقا في مفهوم الدولة والمواطنة وتمردت الى غير رجعة على قفطان التبعية للسلطات التقليدية للكنيسة ورأس المال والاقطاع وما اليها.

استحقاقات المواطنة على وفق اي معيار مبسط تترابط بشكل كلي مع فهم الارادة، ارادة الفعل والتغيير والبناء وصولا الى ارادة الحياة الكلية التي يفترض بالمواطن ان يتملكها بكل ابعادها وان يعيشها.

ازمة المواطنة العربية هي اخطر واهم الازمات، فشلت الدولة الحديثة في احتواء المواطن وصادرت حقوقه فتشوّه في داخله مفهوم المواطنة وانحرف بلا رجعة للخوض في التمرد والعنف والكراهية.

ابتداء من الاعتراف بالمواطن كقيمة محمية قانونا الى الحق في المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية الى الحق في التمتع بجودة الحياة والتمتع بالحرية الفردية، كلها معايير تنتظم من خلالها قيمة المواطنة ولسنا بدعا في التعاطي معها ولكنه نهج المجتمعات والامم والشعوب التي ارتقت على سلم الحضارة من خلال الاستثمار في المواطن ومنحه الحق الكامل في المواطنة.

عبر سنوات وعقود طوال من الضجيج تحت خيمة الدولة العربية الحديثة: ملكية/جمهورية وسواء اكانت قومية ام ليبرالية ام تائهة من دون فلسلفة ولا هوية، كانت قيمة المواطنة المقدسة تتذبذب صعودا وهبوطا في ظل الناصرية والبعث والقذافية وصولا الى الانظمة الملكية العربية المحافظة والكلاسيكية السائدة منذ عقود.

السلطة تفكر بالانابة عن المواطن وتقرر اهم القرارات بالانابة عنه.

دخل العراق حروبا طاحنة كان كل منها قيمة قدرية مروّعة وقرارا سياسيا اشبه بالمقامرة والركون بالأمة بأكملها الى حافة الهاوية وكان المواطن آخر من يعلم ولم يُستَفتَ ولم يؤخذ رأيه في دخول الحروب او عدم دخولها بالرغم من اكلافها الباهضة.

كان البعث ابان المد القومي الثوري يتعامل مع المواطنة في اطار تنظيره وتوصيفه الجمعي، ثقافة الكردوس والكتلة البشرية سواء في فلسفة البعث السوري او العراقي. الكردوس البعثي يتشابه افراده وكلهم يؤدون فروض الطاعة والولاء للوطن الذي هو ترجمة مباشرة للقائد الرمز والقائد التاريخي والملهم.

في التجربة الناصرية كانت المثل والقيم العليا تلغي تباعا هامش المواطنة وكانت حالة الاستقطاب بين العملاقين الشيوعي/الشرقي والرأسمالي/الغربي فضلا عن المتغيرات الاقليمية والدولية التي وجدت مصر نفسها في وسط عواصفها، كانت كلها كافية للتمرد على مفهوم المواطنة والمنادون بها ليسوا الا يسارا او تيارات شيوعية او مارقين وخونة او اسلاميين يغلفون تقية للوصول الى الحكم من خلال الدعوة للحقوق والمواطنة.

في الممالك العربية بقي نظام البيعة كافيا ليتنازل الكل عن كل شيء تقريبا لصالح الاب الحاكم ولي الأمر والعائلة فهو اعرف بشؤون البلاد والعباد ولهذا على الجميع التسليم والرضا والابتعاد عن الدعوات الخبيثة المنادية بالمواطنة واقلها تهمة الليبرالية والعلمانية.

وها نحن اليوم نحصد ما زرعناه.

اين هي المواطنة واستحقاقاتها في الحياة العربية؟

صورتان صادمتان تختصران ازمة وجودية قاتلة:

صورة المواطن الذي يلقي بنفسه في بحار الظلمات بركوب قوارب الموت من اجل التخلص اما من اوطان ظالمة او اوطان لم تعد اوطانا تستحق العيش فيها.

الصورة الثانية: المواطن القاتل او المقتول، الداعشية مثال دامغ على خلخلة مفهوم المواطنة بل وازاحته كليا من ديمومة الحياة في مقابل مواطن ينازع من اجل البقاء لعل وعسى ينتهي كابوس التطرف الذي اكل من جرف المواطنة ونخر اهم واجمل ما فيها.