المواطنة المستباحة

بقلم: حمدي عبد العزيز

.. حقوق المواطنة كل لا يتجزأ والسكوت عن انتهاك حقوق الأقباط يعني في المحصلة الأخيرة الجور على حقوق الأغلبية المسلمة والمثال على ذلك أن الشروط العشرة التى أصدرها وزير الأوقاف لبناء المساجد تشبه لحد بعيد شروط بناء الكنائس.. هذا ما قاله الباحث القبطي هاني لبيب وأثبتت الوقائع اليومية صدق مقولته ومنها حكاية زميلي خريج كلية الإقتصاد والعلوم السياسية الذى اجتاز اختبارات العمل بالسلك التجاري بنجاح ولكن تحريات "أمن الدولة" قالت أنه – فقير – "غير لائق اجتماعيا".. فذهب إلى النهر وألقى بنفسه.. ومات.
ومنها أيضا حكاية زميلي الآخر الذي كان يدير مكتبا صغيرا للدراسات والبحوث فأغلقته قوات الأمن بالشمع الأحمر ثم اعتقلته منذ ما يقرب من شهرين بعد أن تبين لها أن أجندته البحثية تحولت من القضايا الفكرية والخارجية إلى التفكير فى آليات تفعيل دور المجتمع المدني. وبالرغم من أنها حكايات فردية إلا أنها تكشف عن حال المواطن والمواطنة فى ظل ممارسات من جانب السلطة حيث تقوم الأخيرة بتحديد المواطن اللائق وتضييق مساحات الحرية حتى لا يبقى سوى الطاعة المطلقة لصاحب السلطان.
والمعروف أن المواطنة كمفهوم قد تبلور فى الفكر الليبرالي منذ القرن السابع عشر كنسق للأفكار والقيم فى المجالين الإقتصادي والسياسي حيث يمثل الرابطة السياسية بين الفرد والدولة ويعكس التصور للجماعة السياسية والعملية السياسية والحقوق الفردية ثم طورت المدارس الفكرية الأخرى مضامينه من الدلالة السياسية إلى الدلالة المدنية الحقوقية ثم إلى مساحات الحقوق الإجتماعية والاقتصادية وغيرها وفي منطقتنا العربية تشكلت رؤى وطنية وإسلامية للمواطنة فى بداية القرن العشرين – نتطلع لها اليوم بحسرة – وهي الرؤى التي ظهرت مقترنة بمطالب الاستقلال الوطني وشاركت فيها التيارات السياسية والفكرية كافة بلا استثناء.

الأسد والنعامة

ومنذ أحداث يوليو/تموز 1952 تشكل نظام سياسي جديد أعلن أنه يفرق بين أهل الثقة وأهل الخبرة مما يعني الاختصام مع فكرة المواطنة حيث أصبح الإنسان المصري لا يتميز بخبرته وملكاته إن لم يكن محل ثقة الحكام ويتميز ذو الثقة وإن عطل عن الخبرة.
وهذا ما يشير إليه العلامة سيف الدين عبد الفتاح – أستاذ النظرية السياسية - بالقول أن الدولة القطرية التى ظهرت بعد الاستعمار لم ترث الدولة فى الغرب من جهة بنيتها وعلاقاتها وإنما ورثت بنية الاستعمار التنظيمية فظهر ما يمكن أن نسميه "الدولة المتألهة" التي تحتكر نخبتها الحاكمة مفهوم السيادة – والذي يعني أن سلطة الدولة سلطة عليا تسمو فوق الجميع.
فاعتبرت هذه النخبة أن السيادة لها بالرغم من أن السيادة عالة دائمة وممارسة السلطة حالة مؤقتة ووفق هذا الاحتكار أصبحت السلطة تتحدد "الصالح" وشكل العملية السياسية وصارت العلاقة بين الحاكم والمحكومين تتسم بالفرعونية والاستخفاف فلا يتعين عليهم أن يفعلوا ما يأمرهم به بل عليهم كذلك أن يفكروا فيما يريدهم هو أن يفكروا وفى أغلب الأحيان يكون من الواجب عليهم أن يستبقوا أفكاره استجلابا لمرضاته!
والمفارقة أن هذه السيادة فيما يخص العلاقة بين الحاكم والمحكوم فى الميدان الداخلي تمارس بطشا واستبدادا ثم يتركها الحاكم نهبا مستباحة عندما يتعلق الأمر بعلاقات مع قوى كبرى داخل النظام الدولي وهو ما استبطنه المواطن البسيط فصاح متهكما ساخرا: "أسد علي وفي الحروب نعامة"!
وتمزق المواطن بين استبداد داخلي وآخر خارجي بعدما اتجه الأخير بعد أحداث 11 سبتمبر/ايلول للتدخل بكثافة لإجراء تغييرات مجتمعية معينة قال أنها في صالح المواطن وتعزز في آن "المواطن الصالح" لكن ما يؤكده الواقع أن هذا وذاك تحولا من تحديد معايير "المواطنة الصالحة" باتجاه الزحف على الدين ومفهوم "الإنسانية الصالحة" حيث زاد احتكار مفهوم صحيح الدين فى إطار تأويل ترتضيه السلطة واغتصاب مفهوم التنظيم بدعوى منع تسييس الدين وزاد التدهور الإقتصادي والصحي والنفسي – رغم غياب أو تغييب البيانات – فى ظل داخل يحمي قلة ثرية وخارج يفرض سياسات تؤدي إلى الإفقار.
وكانت النتيجة الطبيعية أن شرعية النظام السياسي أصبحت محل تساؤل ومفهوم الشرعية يعبر عن "الرضا العام" وهي حالة تسود العلاقة بين الحاكم والمحكوم ويشير تقرير التنمية الإنسانية لعام 2004 أن معظم الأنظمة العربية لجأت إلى الاستناد إلى شرعيات تقليدية قبلية، أو ثورية قومية، أو أبوية بيد أن الفشل في التصدي للقضايا الكبرى مثل قضية فلسطين والتعاون العربي، ووقف التدخل الأجنبي، والتنمية الإنسانية...الخ، جعلها تواجه أزمة شرعية مزمنة، وبات بعض هذه الأنظمة يركز فى خطابه على شرعية الإنجاز فى الاقتصاد أو السلام أو المحافظة على القيم والتقاليد، فى حين أن البعض الآخر يعتمد على صيغة مبسطة لتبرير الاستمرار، وهي كون هذا النظام بعينه أهون الشرين «الأصولية» أو الفوضى، وانهيار الدولة، وهو ما أسماه البعض «شرعية الابتزاز».

تفتيت المواطن

هذه الإستباحة للمواطن من الداخل والخارج أنتجت أنماطا متعددة من المواطنين تضاف إلى الزميلين المواطن الفقير غير اللائق اجتماعيا والمواطن المعارض سياسيا الذي يعبر عن رأيه بطريقة سلمية فكوفئ بالاعتقال والاتهام بازدراء الدولة وتكدير الصفو العام ومنها على سبيل المثال:
- المواطن الرخيص: وهم الآلاف الذين يموتون فى حوادث السيارات والقطارات وتقول السلطات دائما أنها ليست مقصرة بشأنهم وأحيانا تحاكم صغار الموظفين بحجة الوقوع في الخطأ والإهمال.
- المواطن البدون والعشوائي: الذى يسكن على أطراف المدن فى الخيام والعشش ولا تعترف الدولة بأي حق له.
- المواطن الموءود: وهم أطفال الشوارع المفترض أنهم "مشروع مواطن" فى المستقبل لكن الدولة تنكر مسئوليتها الإجتماعية وتقوم بالتعتيم على الظاهرة إلا في أوقات الحملات الإعلانية لخطط محو الأمية وتوفير مأوى لأطفال الشوارع.
- المواطن المجنون: وهو الشيخ الكبير الذى رفع لافتة مكتوب عليها لا للتجديد والتوريث أو طالب الجامعة الأمريكية الذي كان يركن سيارته بالشارع بالقرب من مكان أحد الوزراء فاتهما بالجنون وأرسل الطالب إلى مستشفى الأمراض العقلية.
- المواطن الإرهابي: الذي يقوم بحركات صبيانية كإطلاق الرصاص أو أعمال مأساوية كتفجير نفسه بالقرب من السائحين ردا على افساد الدنيا والدين.
- المواطن العبء: وهم الملايين من الزيادة السكانية الذين تعتبرهم الدولة – نتيجة لسيطرة النزعة المالتوسية – سببا لتدهور نوعية الحياة وعائقا أمام أي تقدم يمكن تحقيقه في المستقبل وهي الرؤية التي تناقض تجارب معروفة أكدت أن السكان يعدون طاقة إضافية في التنمية ناهيك عن أن سياسات الإصلاح المدعومة من الخارج تشير إلى أن النمو الإقتصادي لا تلتهمه الزيادة السكانية بقدر ما تستأثر بثماره قلة يمثلون النخبة والفئات المرتبطة بها.
- المواطن المهجر: ومن أهم صوره تلك العقليات والكفاءات العلمية التي هاجرت نتيجة لأسباب طاردة سياسية واقتصادية وثقافية.
- المواطن المستأنس: ويضم فئات عديدة مثل السلبي والمنسحب وذلك الشرير الذي يلجأ للكذب والتحايل والنفاق والرشوة.. الخ التفافا على الرقابة الأمنية المنتشرة في كل مكان والتي دفعت الشاعر المبدع أحمد مطر للقول في أحد القصائد أنه يتوجس أن يقبل وجه صغيرته فيجد في القبلة شرطي!
-
قيم مطلوبة

هذه الصور ترجع بلا شك إلى علاقة الحاكم بالمحكوم وعلاقتها بالخارج التي أدت إلى تراكمات سلبية وخطيرة على المواطنة من جهة تشويه الوعي بالحقوق والالتزامات المتولدة عنها.
ولعل وصفات العلاج كثيرة وتنوء بها أرفف المكتبات فى المراكز البحثية حيث تعاني دائما من إهمال الدولة لها واستيراد الوصفات من الخبراء الأجانب أو استيراد هؤلاء الخبراء أنفسهم، فهل نسكت؟ وما العمل؟
يمكن القول أن البديل المتاح الآن هو العمل على المستوى المدني بهدف إرساء حزمة من القيم الإيجابية من قبيل: المشاركة والرقابة والمحاسبة التي تنعكس فى المجال السياسى فتواجه احتكار السياسة "لأن المحتكر ملعون" وتوسع هامش الحريات فـ "متى استعبدتم الناس وقد ولدته أمهاتهم أحرارا؟"، والعدل فيقول الكواكبي: "لا يطلب الفقير معاونة الغني وإنما يرجوه ألا يظلمه ولا يلتمس منه الرحمة إنما يلتمس منه العدالة.. لا يؤمل منه الإنصاف إنما يسأله ألا يميته في ميدان مزاحمة الحياة"، والمساواة بين التيارات الفكرية المختلفة، وبين الأغلبية والأقلية مما يجذر لثقافة السفينة فلا يستعين أحد بطرف داخلي أو خارجي لتحقيق مكاسب فئوية وإنما يتحقق التآخي الفكري فى إطار الموروث الثقافي المشترك.
علينا أن نولد من حكمة سيف الدين والبشرى وغيرهم وغيرهم بعضا من آليات لإقامة سفينة الوطن.. هيا. حمدي عبد العزيز
كاتب وباحث مصري Shehab_996@hotmail.com