المهزلة الليبية

تعيدنا حادثة اختطاف رئيس الوزراء الليبي علي زيدان إلى اللحظة التي أغُتيل فيها عبدالفتاح يونس، وزير داخلية نظام القذافي الذي انشق عن النظام في الايام الأولى للثورة.

لقد اغتيل يونس وهو أحد رفاق القذافي في انقلابه الذي اطاح بالملكية عام 1969 في يوليو 2011، أي قبل ثلاثة أشهر من سقوط نظام العقيد. يومها كان نجم يونس قد سطع عالميا باعتباره القائد العسكري للثورة.

ولقد جرت محاولات للتخلص من مسؤولية مقتله والقائها على عاتق النظام، لولا أن تعدد الحكايات كان قد القى بظلال من الشك على مصداقية ما كان يُقال، إلى أن تم الاعتراف بضغوط قبلية بأن الثوار هم الذين قتلوا يونس اثر استدعائه من جبهات القتال للتحقيق معه في بنغازي، وكان ذلك الاستدعاء هو الفخ الذي نُصب له.

كان وجود الرجل وهو العسكري المحترف في موقعه القيادي انما يمثل أملا كبيرا في إمكانية تأسيس جيش ليبي وطني، يكون بمثابة الركيزة الإساسية التي يستند إليها كيان الدولة الليبية الناشيء والذي سيكون من شأن وجوده أن يمنع ليبيا من الانجرار إلى الفوضى بعد نجاح الثورة وسقوط النظام.

لقد قتل الرجل من أجل أن لا يقوم أي أثر لذلك الجيش.

بالنسبة للثوار، وهم أفراد الميليشيات التي تحكم الشارع الليبي اليوم كانت الفوضى واحدا من أهم اهداف الثورة. وهو ما تحقق لهم حين فشلت الدولة في احتواء مجاميعهم المبعثرة في كيان اداري، كان من الممكن أن يطلق عليه صوريا اسم الجيش الليبي، على غرار ما جرى في العراق على سبيل المثال.

لم تكتف الدولة بفشلها في احتواء الميليشيات بل فعلت الأسوا، حين استعانت بتلك الميليشيات لكي تكون بديلا للجيش الذي لم تتمكن من انشائه.

صارت ليبيا دولة تعترف بسلطة الميليشيات عليها.

وحين اعترف علي زيدان بذلك الفشل رغبة منه في حث الغرب على مد يد العون لليبيين في هذا المجال فانه قدم للمسلحين سببا للانقضاض عليه.

مع اختطاف رئيس الوزراء من قبل جماعة مسلحة تتعاون مع الدولة ظهرت تجربة الحكم في حقبة ما بعد القذافي عارية كما هي في حقيقتها. بل أن ليبيا نفسها ظهرت في حالة خلو من الاكاذيب، غير مسبوقة في تاريخها.

لقد اكتشف الليبيون فجأة أن القذافي الذي كان يحكم عن طريق عصاباته في المؤتمرات واللجان الشعبية كان قد ترك بلدا شاسعا مثل ليبيا من غير غطاء عسكري يحميه. كان الرجل يفكر في المرتزقة أكثر مما يفكر في تأسيس جيش وطني قد ينقلب عليه في أية لحظة.

وهو ما أنعكس سلبا على تربية الافراد الذين صار كل واحد منهم بما سيكسبه لا بما سيقدمه. وهو المبدأ الذي يستمد منه الولاء للميليشيات قوته وقدرته على أن يشكل بديلا للإنتساب إلى الوطن.

لقد قتل الثوار قائدهم الميداني في لحظة هلع أخلاقي لانهم كانوا يتوقعون أنه سيجبرهم يوما ما على ارتداء الزي العسكري الرسمي وقضاء أوقات طويلة في الثكنات والخضوع لقوانين وشروط الشرف العسكري.

اما حين أكتشف أولئك الثوار، الذين هم نوع من المرتزقة أن علي زيدان كان يحاول أن يستعين بالغرب لإقامة ما عجز يونس عن القيام به بسبب مقتله فقد صار عليهم أن يضعوه في حجمه الطبيعي. "إنك في حمايتنا. يمكننا في أية لحظة أن نجعل منك مادة مثيرة للأخبار باعتبارك رئيس وزراء مختطف".

لم يطلق المسلحون سراح رئيس الوزراء الفخري إلا من أجل أن يروي للآخرين تجربة أسره. سيقول مضطرا "كان هناك خطأ". ويكتفي بذلك.

فصول الملهاة الليبية لم تنته بعد.

سيختفي زيدان مثلما اختفى الكثيرون من قبله. أما ليبيا فإنها ستظل مسرحا لحروب الأشباح التي سيكون ضبط تدفق النفط هدفها الرئيس.