المهدي يفتح الرسائل السرية لنجيب محفوظ

بقلم: حمادة هزاع
صوت نجيب محفوظ السري

إذا كان شاعر العربية الأول أبو الطيب المتنبي، قد ملأ الدنيا وشغل الناس، ويدل على ذلك بيته المشهور: أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها ** وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ وحظي، وما زال، بدراسات نقدية وأدبية كثيرة، فإن كاتب العربية الأول وأديب نوبل نجيب محفوظ، قد شاركه في هذه المنزلة، حيث فاز هو الآخر بنصيب الأسد من الدراسات الأدبية والنقدية التي سلطت الضوء على إبداعه منذ بداياته الأولى، ثم توالت الدراسات تترى، على اختلاف أنواعها من أدبية نقدية، واجتماعية وسياسية، وسينمائية... الخ.
وعلى الرغم من تنوع هذه الدراسات واختلافها إلا أنها اتفقت جميعها على أهمية هذا الإبداع "المحفوظي" في مسيرة الأدب العربي عامة، والرواية بصفة خاصة.
ومن أحدث هذه الدراسات، دراسة قدمها الدكتور محمد المهدي، استشاري الطب النفسي بطب دمياط، جامعة الأزهر، تحت عنوان "دراسة نفسية لأحلام نجيب محفوظ"، جاءت في 114 صفحة من القطع الكبير، وصادرة عن مكتبة الأنجلو المصرية عام 2007.
جاءت هذه الدراسة في مقدمة وبابين، شرح المؤلف في المقدمة اهتمامه بموضوع "الأحلام" الذي دفعه إلى وضع كتابه "النوم والأحلام" عام 2001، ثم وقعت عينه على "أحلام فترة النقاهة" بعد أن نشرها نجيب محفوظ مسلسلة في مجلة "نصف الدنيا".
يقول المؤلف "فتتبعتها ووجدت فيها أبعادا نفسية وجماليات أدبية وفلسفة إنسانية، عميقة وممتدة، فأغراني كل هذا بتتبع هذه 'الأحلام' ومحاولة فك رموزها وشفرتها، قدر الإمكان، من خلال عملية تداعي حر حول ألفاظها ومعانيها، ومن خلال عملية تفكير موازٍ تحملها الرسائل وتوصلها لمن يهمهم الأمر." (1)
وكذلك ينبه المؤلف في هذه المقدمة على أنه لا يقدم " تفسيرا للأحلام بالمعنى التقليدي السائد، فالحلم نص متعدد المستويات ويصدر من طبقات مختلفة في وعي الحالم ويصل إلى طبقات مختلفة من وعي المتلقي، لذلك تتعدد التداعيات وتتعدد القراءات للحلم الواحد، وهذا شأن الأعمال الأدبية والأعمال الفنية الخالدة." (2) إبداعات الخريف عند نجيب محفوظ (دراسة نفسية للإبداع والعبقرية والحلم) هذا هو عنوان الباب الأول من الدراسة الذي جاء بمنزلة المدخل النظري، حيث قدم فيه المؤلف إطلالة عامة ونظرة شاملة على تاريخ نجيب محفوظ الأدبي من منظور نفسي، وذلك عن طريق عدة عناصر: الأول: منهجية قراءة النفس عند نجيب محفوظ: يقول المؤلف "يحاول نجيب محفوظ، عبر تاريخه الروائي، قراءة قوانين النفس البشرية مستخدما مناهج مختلفة لهذه القراءة، فبدأ بالمنهج التاريخي (التلسكوبي) في رواياته التاريخية، ثم تجول للقراءة بالعين المجردة والرؤية الواقعية أو شبه الواقعية في رواياته الاجتماعية ولم يبتعد عن الرمزية طوال الوقت خاصة حين كان يريد أن يقول شيئا لا يحتمله الواقع الثقافي أو الاجتماعي أو الديني أو السياسي (أولاد حارتنا، وحكايات حارتنا، نماذج)، ثم انتهى إلى المنهج الميكروسكوبي في أحلام فترة النقاهة." (3)
ويربط المؤلف بين هذه المناهج المتعددة وبين التطور الفكري والجسدي للمبدع، ففي فترة الشباب يستطيع أن يتجول بخطى واسعة في دروب التاريخ المختلفة، ويقوم بقراءة حركة الإنسان في أطواره الكلية الممتدة طولا وعرضا.
أما في خريف العمر وحين تكل العين وتضعف الأذن وتتجمد الخطوات يصبح التأمل الداخلي هو الطريق الوحيد لقراءة قوانين الحياة والوصول إلى أسرار النفس.
هذه القوانين في نتاج محفوظ، تحكم الحارة (متمثلة في الفتوات كرموز للسلطة، وفي أهل الحارة والمستضعفين، ثم رموز الثورة والإصلاح) وتحكم الدولة بكل كياناتها (رواية الكرنك وغيرها)، وتحكم الكون (كما حاول أن يصورها في رواية أولاد حارتنا). الثاني: الحلم كوسيلة آمنة للتعبير: في هذا العنصر يذهب المؤلف إلى أن نجيب محفوظ كدارس للفلسفة كان يمكنه التعامل مع الأفكار المجردة – كما هي عادة الفلاسفة - ولكنه قرر أن ينتقل إلى المستوى الأكثر تطورا وهو تحويل الأفكار إلى مشاهد وأحداث يقوم بها أشخاص، وهذا التحويل هو نفسه الذي يحدث في الحلم حيث تتحول المشاعر والدوافع والذكريات إلى أفكار، ثم تتحول الأفكار إلى مشاهد وأحداث تجري على يد أشخاص.
"وإذا كان المبدع ليس لديه فضلات أو نفايات فكرية فكل شيء لديه يمكن تدويره والاستفادة منه، فإن نجيب محفوظ قد فعل هذا مع أحلامه (سواء كانت أحلام يقظة، أم أحلام منام) فقد احتفى بها، عكس ما يفعل سائر الناس حين يعتبرونها أضغاث أحلام، وصاغها فنيا وكساها بخبرته الأدبية الرفيعة، وحملها رسائل عميقة هي بمثابة الخلاصة المصفاة والمقطرة من حكمة السنين." (4)
وحين يدفع إلينا نجيب محفوظ بأحلام فترة النقاهة فكأنه يستحثنا أن نحلم بعد أن مرت بنا سحابة غبية معتمة حاولت أن تقنعنا بأنه لا فائدة من الأحلام، وأن علينا أن نرضخ للواقع أو نسلم به.
ويرى المؤلف أن تعبير "فترة النقاهة" الملحق بأحلام محفوظ لا ينطبق فقط على نقاهة محفوظ شخصيا، وإنما ينطبق أيضا على مجتمعه أكثر، فنحن في فترة نقاهة. الثالث: مثلث الحرية في عالم الاستبداد (الإبداع والجنون والحلم): يبدو أن ثمة علاقة بين هذا الثلاثي، فالمجنون تتمثل فيه عمليات انفلات التفكير وجموح العقل أو غيابه وفيضان الخيال وحضوره، وكذلك يحدث في الحلم، وهي حالات يتوق المبدع لأن يصل إليها ويستمد منها مواد إبداعه.
وقد وظف نجيب محفوظ الحلم والإبداع الأدبي لكي يحصل على أكبر مساحة ممكنة لحرية التعبير خاصة أنه عاش في ظروف تكثر فيها المحاذير والخطوط الحمراء.
فإذا كانت الأحلام هي محاولة تحقيق ما عجز عنه الشخص في الواقع، فإنها تتماس مع العملية الإبداعية- إن لم تتطابق معها - فالمبدع يحلم بتغيير الواقع، ولكنه يعجز عن تحقيق ذلك فعليا، نظرا للظروف المحيطة به غير الملائمة، فيلجأ إلى الكتابة الإبداعية التي هي المعادل الموضوعي للحلم. الرابع: علاقة محفوظ برموز السلطة والدين: تبدو علاقة محفوظ برموز السلطة والدين في أحلامه علاقة غير مريحة دائما، فهي تتسم بالريبة، وهو يرى هذه الرموز في غير موضعها الافتراضي، فالسلطة غاشمة وغير أمينة ومتحالفة مع الفساد وتمارس اللصوصية تحت قناع حماية الناس وحماية ممتلكاتهم ومصالحهم، والأشخاص ذوو المظاهر الدينية في الأحلام خادعين ومشوهين ومتقلبين ويؤكدون فكرة التدين الكاذب أو الكذب المتدين. الخامس: العلاج بالأحلام: وأحلام فترة النقاهة هي بمثابة محاولة علاجية لكثير من السلبيات والأفكار والتصورات السائدة إضافة إلى كونها رؤية فلسفية للإنسان والحياة متعددة الجوانب والمستويات. السادس: العمر والإبداع نجيب محفوظ قد تجاوز الرابعة والتسعين من عمره وما زال يبدع، وهذه ظاهرة تستحق الدراسة والتأمل على المستوى العلمي والأدبي والإنساني، فعلى المستوى العلمي: كيف نتصور هذا الإبداع بتلك المواصفات في وجود مرض السكري المزمن وتصلب شرايين المخ بسبب السن وبسبب السكري، وضعف البصر وضعف السمع وغيرها من المشكلات التي نتوقع علميا أن تؤثر على كفاءة المخ خاصة في وظائفه العليا، وما سر الدفاعية التي لا تهدأ، بل تدفع دائما نحو الإبداع في وقت كلَّ في الجسد وضعفت الحواس؟
وعلى المستوى الأدبي ننظر ونتعجب: كيف يستطيع شخص قد تجاوز التسعين أن ينشئ فنا أدبيا جديدا وهو الأحلام يسقط عليه كل هذا الجمال الأدبي وكل تلك المعاني العميقة؟
وعلى المستوى الإنساني لو استخدمنا حسابات البشر العادية لتساءلنا ببلاهة: وماذا يريد الرجل أن يقول بعد الذي قاله؟ وماذا يريد أن يبلغ بعد كل ما بلغه؟ وماذا يريد أن يأخذ بعد كل ما أخذ؟
كل هذه التساؤلات وغيرها تأخذنا إلى مسألة علاقة الإبداع بالعمر وعلاقة العمل عموما بالمرحلة العمرية.
ويرى المؤلف أن هناك عاملين مهمين لعبا دورا هاما في استمرار التدفق الإبداعي لنجيب محفوظ حتى هذه السن وهما:
العامل الأول: انتظامه في لقاء أصدقائه من القدامى والمحدثين، وانتظامه في التجوال في الأحياء المصرية القديمة والحديثة، كل ذلك يعطيه الفرصة للربط بين الماضي والحاضر فضلا عن إبقاء الذاكرة ملأى بالأحداث والذكريات، والحفاظ على النفس في حالة تكامل وتواصل ونشاط واستعادة الطفولة والصبا والشباب في أثواب جديدة في كل مرحلة من مراحل العمر العقلي والإبداعي.
أما العامل الثاني: فهو الوجه الآخر لشخصية نجيب محفوظ، وهو كونه موظفا عاش حياته الوظيفية الحكومية الروتينية ملتزما بالحضور والانصراف والعمل منذ لحظة الدخول إلى لحظة الانصراف.
والدكتور محمد المهدي بذلك يخالف ما ذهب إليه الدكتور غالي شكري في دراسته القيمة عن أدب نجيب محفوظ التي بعنوان "المنتمي. دراسة في أدب نجيب محفوظ"، حيث ذهب الدكتور شكري إلى أن العمر الإبداعي لنجيب محفوظ قد انتهى بعد انتصار 73، وتنبأ بموته إبداعيا لأن القضية التي كان محفوظ يكتب من أجلها قد انتهت، وأخذ شكري يفسر الأعمال التي كتبها نجيب بعد هذا التاريخ على أنها مجرد استلهامات من أعماله السابقة.
وهذا يوضح لنا أن مجال النبوءات في الأدب لا يجدي، فثمة عوامل وظروف يحاط بها المبدع من شأنها أن تعوقه عن الإبداع أو تجعله يستمر فيه لآخر قطرة من حياته.
وهذا نفسه ما نبه إليه الشاعر فاروق شوشة في كتابه "أصوات شعرية مقتحمة" عندما تحفظ على الرهان النقدي الذي أطلقه الدكتور صلاح فضل على الشاعر أحمد بخيت. تداعيات أحلام فترة النقاهة (فتح الرسائل السرية لنجيب محفوظ) هذا هو عنوان الباب الثاني من الدراسة وفيه يتناول المؤلف الدكتور محمد المهدي أحلام نجيب محفوظ من خلال التداعي الحر، وهذا ما نبه إليه في بداية الباب حيث قال "نود أن ننبه القارئ الكريم إلى أننا لن نقوم بتفسير أحلام فترة النقاهة للأستاذ الكبير نجيب محفوظ، وإنما نقوم بقراءة الحلم ثم نترك الأفكار تتداعى بحرية، وأحيانا بدون ترابط، حول رموز الحلم، وبما أنها تداعياتنا الشخصية فيمكن أن تتعدد حول الحلم الواحد، ويبقى الحلم نفسه قابلا لمزيد من الرؤى، وهذه هي عظمة الأدب الرمزي وعظمة ما كتبه نجيب محفوظ." (5)
ولكي يتضح ذلك سوف أذكر حلما من أحلام نجيب محفوظ وتداعيات المؤلف حواه كأنموذج. حلم 1 "أسوق دراجتي من ناحية إلى أخرى مدفوعا بالجوع باحثا عن مطعم مناسب لذوي الدخل المحدود ودائما أجدها مغلقة الأبواب، وحانت مني التفاتة إلى سلعة الميدان فرأيت أسفلها صديقي فدعاني بإشارة من يده فملت بدراجتي نحوه، وإذا به على علم بحالي فاقترح علي أن أترك دراجتي معه ليسهل على البحث فنفذت اقتراحه. واصلت البحث وجوعي يشتد وصادفني في طريقي مطعم العائلات فبدافع من الجوع واليأس اتجهت نحوه على الرغم من علمي بارتفاع أسعاره ورآني صاحبه وهو يقف في مدخله أمام ستارة مسدلة فما كان منه إلا أن أزاح الستارة فبدت خرابة ملأى بالنفايات في وضع البهو الفخم المعد للطعام فقلت بانزعاج:
ـ ماذا جرى؟
فقال الرجل:
ـ أسرع إلى كبابجي الشباب لعلك تدركه قبل أن يشطب.
ولم أضيع وقتا فرجعت إلى ساعة الميدان ولكنني لم أجد الدراجة والصديق. تداعيات حلم 1 الجري وراء السراب
نتعجل الخطى في حياتنا ونلهث باحثين عن إشباع احتياجاتنا الأساسية الملحة، ولكن الظروف والأحوال المحيطة بنا لا تعطينا هذا الإشباع، وعقارب الزمن تطاردنا والعمر يمضي ولدينا الكثير نريد تحقيقه قبل أن نترك هذه الحياة ولدينا أطماع ورغبات وآمال وطموحات، قد تكون مشروعة، ولكن الحياة ليست دائما عند توقعاتنا.
قد ينصحنا البعض بتغيير طريقة التفكير وطريقة البث، وقد ينصحنا الأصدقاء بالتمهل في البحث وترك العجلة (الدراجة)، فنستجيب لنصائحهم علنا نجد ما نريد.
ويحدونا الأمل في أن نبحث عن أسرة ونكون عائلة (مطعم العائلات) ننعم فيها بالطعام الدافئ والعيش الوثير، ولكننا نكتشف في لحظة أن هذا أيضا سراب (الخرابة خلف الستار).
تعود إلينا النصيحة من آخرين بأن نحاول العودة إلى الشباب (كبابجي الشباب) علنا ندرك بعض ملذاته قبل أن يفوتنا القطار، ولكننا نكتشف أن القدرة تخوننا (قد ضاعت الدراجة) وأننا نعاني الوحدة (بعد اختفاء الصديق). (6)
وهكذا قدم لنا الدكتور محمد عبد الفتاح المهدي تداعياته/ ترجمته حول أحلام نجيب محفوظ، ومعها النصوص الكاملة للأحلام. وهذا يذكرنا بما فعله عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عندما قدم لنا ترجمته للزوميات أبي العلاء المعري في كتابه "صوت أبي العلاء".
"فمن استطاع أن يقرأ هذه النصوص دون أن يحتاج إلى ترجمتها فليفعل وخلاه الذم، ومن استطاع أن يقرأ الترجمة وعجز عن قراءة النص فليفعل، وحسبه ما يظفر به من فائدة، ولكن قوما بين أولئك وهؤلاء سيقرؤون الترجمة وسيوازنون بين الصوت والصدى." (7) هوامش 1 ـ دكتور محمد المهدي، دراسة نفسية لأحلام نجيب محفوظ، ص5، ط1، مكتبة الأنجلو المصرية، 2007.
2 ـ السابق نفسه.
3 ـ السابق، ص11.
4 ـ السابق، ص 13.
5 ـ السابق، ص 27.
6 ـ السابق، ص 27، 28.
7 ـ د. طه حسين، صوت أبي العلاء، ص7، هدية جريدة القاهرة، العدد 357، 13 فبراير/شباط 2007. حمادة هزاع ـ شاعر وناقد مصري eslam_deen2000@yahoo. Com