المنتدى العربي يناقش 'صديقتي اليهودية'

النجاح يؤخذ غلاباً ولا يقتصر على الموهبة

عمّان ـ عقدت ندوة في المنتدى العربي - عمان- لمناقشة رواية "صديقتي اليهودية" للكاتب صبحي فحماوي، تحدث فيها الدكتور حسين جمعة، والدكتور علي المومني، والشاعر الناقد سعد الدين شاهين،

وقال صبحي فحماوي في تقديم الندوة إننا نعيش في ظروف تشتد فيها الهجمة الغربية شراسة على الوطن العربي، والتي حسب رأيي لم تتوقف منذ الهجوم الروماني على هاني بعل وكليوبترا وزنوبيا الكنعانيين وتَعَمُّدُهم حرق مكتبة الإسكندرية ثلاث مرات، حتى دمروا كنوز حضارتنا العربية الكنعانية الفرعونية البابلية، وتستمر الهجمات بعد الحروب الصليبية واحتلال فلسطين و"استخراب" الوطن العربي، التي لا نفهم لها مبررا ولا معنى، ورغم عقد "الأمم المتحدة" وليست أمم "صراع الحضارات"، فإن حكم القوي على الضعيف، ما يزال يستشري حتى يومنا هذا، حيث ما تزال مكتباتنا ومتاحفنا هدفاً رئيساً لهم في حروبهم علينا. وحيث تم الإعلان مؤخراً بكل راحة ووضوح عن إقامة "الدولة اليهودية" في فلسطين، كل فلسطين. وما أعلنه الغرب عام 2006 عن قيام "الشرق الأوسط الكبير". وذلك ما ينفي مفهوم "الوطن العربي الكبير". لدرجة أنهم لم يبقوا لنا زراعة ولا صناعة ولا تجارة.

في هذه الظروف الصعبة، كم يسعدني أن أقدم لكم هذه القامات النقدية الذين نعتز بهم، وهم الأستاذ الدكتور حسين جمعة، والأستاذ الدكتور علي المومني، والناقد الشاعر الكبير سعد الدين شاهين، وذلك للحديث النقدي حول روايتي التاسعة "صديقتي اليهودية" والتي صدر لي قبلها ضمن ثلاثة وعشرين كتابا قصصيا ومسرحياً، ونقديا، لكتبي. ومن الروايات، رواية "عذبة"، ورواية "الحب في زمن العولمة"، ورواية "الإسكندرية 2050" ورواية "حرمتان ومحرم" ورواية "قصة عشق كنعانية، ورواية "على باب الهوى" ورواية "سروال بلقيس" ورواية "صديقتي اليهودية " التي نحن بصددها اليوم.

وقال الناقد د. حسين جمعة: بإرادة قوية لا تلين وعزيمة ثابتة وتصميم عميق لا يتوقف الأديب مهندس الحدائق صبحي فحماوي عن المثابرة والعمل الدؤوب لتعزيز دوره في الحراك الثقافي والأدبي في الساحتين المحلية والعربية، وترسيخ مكانة لائقة له في عالم الإبداع يغزو بها الأسماع والأذهان في سائر الوطن العربي.

وقد تمكّن في العقدين الأخيرين من أن يثير حوله بعضاً من العواصف الحانية أحياناً، والقاسية تارة أخرى، وهو يخوض معركته في الكتابة متحدياً ذاته ومحيطه، ومبرهناً على أن الإرادة والمثابرة والتحدي، والاشتغال على الموضوع بكد وتعب لا بد وأن يؤتي أكله ويجني ثماره مهما تراكمت العقبات واشتدت التحديات، وأن النجاح يؤخذ غلاباً ولا يقتصر على الموهبة فحسب، وإنما يجمع بين الموهبة وبين المثابرة العنيدة.

وسردية صبحي فحماوي «صديقتي اليهودية» خير مثال على الإرادة الحية التي يتمتع بها، والتي أيقظت موهبته الروحية وأسعفت ملكته الفكرية على اجتراح عمله، والسيطرة على قواه الفاعلة الفيزيائية والمعنوية، وتوجيهها لإنجاز المهمة المطروحة أمامه التي رأى أنها تستحق التفكيك وإعادة النظر في أبعادها وخلفياتها.

يجد جمال قاسم بطل المروية نفسه، وهو في رحلة سياحية، إلى جانب امرأة مكسيكية يهودية ما تزال حبيسة الدعاية الصهيونية، وما تشيعه من تلفيقات حول تاريخ اليهود وشتاتهم في شتى بلدان العالم، وهذا الأمر حفزه على تقديم رؤيته حول القضية الكبرى التي لا تغادر ضمير كل عربي شريف مهما تباينت المسافات وتعددت الاتجاهات.

ولأن المشوار طويل والحياة سواليف تتقاطع فيها الروابط الأدبية وغير الأدبية، وتتبدى خلال ذلك فرادة الفنان وملكاته في القص وإرواء الموضوع وبلوغ الهدف والقصد المأمول؛ انبرى جمال قاسم ومن خلفه المؤلف في طرح معلوماته التاريخية بإرادة متينة واندفاع شديد لإيقاظ الأغراض المتوخاة، والوصول إلى غايته من رحلته ومن حواراته مع جارته، وإقناعها بوجهة نظره، ومنظوره إلى درك جوهر قضيته المركزية، بعد إيراد الحقائق حول أصول الديانة اليهودية وانتشار معتنقيها في سائر مواطن الشتات بعد أن دالت دولتهم (دولة الخزر)، التي نشأت في العصور الوسطى وسط أوروبا، وأنها كيهودية ليس لها علاقة بيهود الشرق الذين هم إحدى القبائل السامية التي عاشت في المنطقة، مستنداً في حديثه إلى الدراسات الحديثة التي وضعها نفر من المؤرخين والباحثين المعاصرين، وإلى استنتاجاتهم في المسألة اليهودية.

وأرى أن استجابة يائيل لوجهة نظر جمال قاسم ومعلوماته جاءت أسرع من المتوقع، ولم يتم التعمق في دلالاتها من قبلها، ومن ثم استيعابها وتفهمها تدريجياً، ويمكن تفسير ذلك بضعف ثقافتها في هذا المجال، ووقوعها في براثن الدعاية الصهيونية ومكائدها بدون ترو كاف والإيمان بكل ما تبثه بدون تمحيص يذكر، أو لأن بطل الرواية استسهل المسألة، واعتقد أن قناعاته الشخصية يمكن أن يسلِّم بها غيره بسهولة، لأنها صحيحة.

ومع كل ذلك انتهت المسألة بالإخفاق جراءَ توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم، الذي اعترف، ومن قبل أصحاب القضية، بالدولة الصهيونية على أرض فلسطين في مخالفة فظة وصريحة لوقائع التاريخ والديموغرافيا والمشاعر الوطنية والقومية.

وقال الشاعر الناقد سعد الدين شاهين: يستهل فحماوي روايته "صديقتي اليهودية" بمقولات تاريخية لمشاهير عالميين كأينشتاين وغاندي ومانديلا ومالكوم اكس تنصف الفلسطينيين، وتنتصر لهم في مواجهة ما يتعرضون له من إبادة جماعية على يد اليهود والصهاينة المحتلين، وهو ما يعطي الأمان النفسي للقارئ العربي باتجاه الرواية، ووجهتها، وينمو هذا الإطمئان ويترعرع بين يدي نلسون مانديلا حين نقرأ الإهداء لهذا الثائر المناضل الرمز البطل.

زمان السرد الروائي يونيو/حزيران 1993 المكان رحلة سياحية من إنجلترا إلى سبع دول في شمال أوروبا، تنتهي بأوسلو النرويج. وذلك بلغة سهلة وجميلة وجمل قصيرة وافية تكاد تلامس الشعر, حيث لكل جملة، إيحاؤها النفسي.

يبدأ صبحي فحماوي روايته محددا زمان ومكان الحدث الانطلاقة، بذكاء واقعي يجعلك حاضرا أو مشاركا مع الحدث, إذ تناول قضية نظرة الغربي الى العرب عموما والمسلمين على وجه الخصوص، مجترحا حوارا عقلانيا راقيا غير متسرع ولا متعصب وهو يرد على السيدة التي ارتعبت كونه العربي الوحيد بينهم في الحافلة، حين تحين لحظة الرد المقنعة مخاطبا السيدة "هل سمعتِ مرشدة الرحلة وهي تقول أن على نهر التايمز ثلاثة وثلاثين جسرا؟ نعم سمعتها. هل سمعت أن عربيا فجر جسرا واحداً على التايمز؟ ليفاجئها بمعلومة لم تتوقعها حين يقول: على نهر بلدي في بغداد خمسة جسور.. اتيتم الينا مدججين وفجرتموها كلها. ترى من هو الإرهابي؟"

ويستمر الدفق الروائي الجميل في انسيابية على مدى الشهر الذي وزع صبحي فحماوي الأحداث عليها بتواريخ لروايته الجاذبة، لكن القارئ لم يشعر للحظة واحدة أنها يوميات مرهونة بزمان محدد، وتتنقل عير أمكنة، لتكتفي بوصفها وجمالياتها وما تضفيه من متعٍ سيلمسها القارئ دون قصد ومباشرة .

في كل مقطع يضع عقدة مما يعتمل في النفوس, ويجد لها حلا مفحماً، يتشكل فيه ايديولوجياته الخاصة وينضجه على نار من المقاربة والمقارنة في ثوب من السخرية المرة احيانا.

ويتوالى تدحرج العقد التي يجترحها الرواي والحلول طبقا لمشيئة الكاتب ورؤيته ككرات الثلج تقودك واحدة لأخرى بلغة جميلة يقترب فيها احيانا من لغة الشعر وتشبيهاته مستخدما مرادفاتها ومتضاداتها فصيحها وعاميتها ومعززا بامثلتها الشعبية. ولجوئه الى المنولوجات الداخلية أحيانا والتي يحاور من خلالها ذاته وشخوصه حوارا يحل به عقدا ويوضح مجهولات قد يظنها البعض بديهيات وما هي كذلك (من صفحة 94) نجده يسهب في وصف طيور النوارس والسفينة العملاقة التي تشق بمقدمتها الفولاذية الجبروت, تتطاير متباطحة بشراسة وتتطاير متقاطعة مع بعضها بعضا وهي سعيدة بحبها تتسابق مع مقدمة السفينة, وذلك لاصطياد أسماكها المغدورة، الصيد سمين, ويستدرك الراوي "هكذا هي الحياة الصائد سعيد بصيده الثمين, والمصطاد مصعوقا بكونه مغدورا ساقطا. أنت تسعد اليوم بوليمة كبيرة يتمدد على طاولتها خاروف مشوي, محاط بالأرز والمقبلات متناسيا كون الخاروف مغدور مذبوح مقتول بيديك الكريمتين تأكل الخاروف فتنتشي. قاتل أنت".

هكذا يريد إسقاط ايديولوجيته واستراتيجياته التي يبدعها على أحداث روايته.

وقال الدكتور علي المومني: جاءت هذه الرواية بعد مسيرة إبداعية حافلة وجهد متواصل بدأها فحماوي منذ عام 1987 بإصدار أول عمل قصصي آنذاك. وبما أن القارىء العربي يشد انتباهه هذا العنوان الذي اختاره الكاتب لروايته وهو عنوان صادم بنظري إلى درجة الاشمئزاز، لكن المطلع على الرواية فإنه يجد التبرير للحوار معها بما فيها من نقاط الاختلاف والتوافق. إذ تحمل الرواية صراعا فكريا أيدولوجيا بين ثقافتين أو حضارتين؛ الحضارة العربية الإسلامية التي تمر بأقسى حالات الضعف في العصر الراهن، وبين الحضارة الغربية التي تمثل القوة ورأس المال والتحكم بالمصير العالمي، والتي أخذت على عاتقها دعم الحركة الصهيونية منذ البداية وإيجاد فلسطين وطنا لليهود لأنهم شعب بلا وطن. كل هذا جاء على حساب الأمة العربية والشعب الفلسطيني الذي تشتت في كل بلاد الدنيا.

لقد طرحت هذه الرواية مجموعة من الأسئلة التي يصعب إيجاد الاجابات عليها، ومنها: الى متى سيظل العرب وفق منهجهم الحالي بما يمثله في الغباء والتخلف والتفرقة واهدار الموارد؟ وما هو مستقبل العلاقات الإسرائيلية العربية التي تتم عبر وفود سرية وعلنية ودون أدنى تنسيق ما بين الدول العربية؟ وغيرها من الأسئلة.

استوقفتني عبارة "سلام الشجعان" اثناء الحديث عن الوفد الفلسطيني المفاوض في أوسلو والذي اعترف بالدولة الصهيونية دون اعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية. وهذا يعني إلغاء الذات وإعطاء العدو الشرعية الدولية.

ويمكنني القول: إن رواية "صديقتي اليهودية" للكاتب صبحي فحماوي تعري السياسة العربية وتتكلم عن المسكوت عنه، وما يحدث وراء كواليس السياسة المخادعة. بل ان الرواية جريئة في الطرح الوطني والسياسي. واستطاعت ان توضح ماهية العولمة وتأثيرها المستلب على الانسان والحيوان والنبات، وكيف يتحكم قلة قليلة من البشر بمصائر الامم والشعوب المستضعفة والمستهدفة والخطر يكبر يوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة، وما يزال شعبنا العربي يتجادل ويختلف حول حبه لليهودية كدين، أو كرهه للصهيونية كحركة عنصرية، هدفها السيطرة على مقدرات الوطن العربي كله.