المناظرة الملعونة

من يتابع حملة الإنتخابات الرئاسية في مصر حاليا، يجد أن هناك إلحاحا شديدا من جانب المرشح حمدين صباحي وحملته الإنتخابية على إجراء مناظرة تليفزيونية مع المرشح المنافس عبدالفتاح السيسي، وأخذ الإلحاح بعدا رئيسيا في خطاب صباحي وأعوانه، حتى بدا وكأنه وجبة دسمة في غالبية أحاديثهم الإعلامية، اعتقادا لأهميتها في المعركة السياسية.

إذا قبل السيسي، وهذه مسألة غاية في الصعوبة، قد يتفوق عليه صباحي، لأنه صحفي أصلا ويملك حصيلة وافرة من المفردات اللغوية الشعبوية، التي يمكن أن تؤثر في الناس، وتدغدغ مشاعرهم، ولديه خبرة واسعة في التعامل مع الجماهير منذ الصغر، ويعرف الكثير من المفاتيح التي تجذبهم إلى خطابه. بينما السيسي الرجل الذي قضي أكثر من أربعين عاما في المؤسسة العسكرية، يفتقر إلى اللحن في القول، ولغته تتسم بالهدوء وعدم الابتذال، ومعروف بعدم الإنفلات والابتعاد على هجوم أو هجاء الخصوم، وإذا اضطر إلى مجاراة منافسه سيخصم ذلك من رصيده عند الجماهير الغفيرة التي عرفته منضبطا في ألفاظه وواثقا من نفسه ومترفعا عن الصغائر، وحتى لو كسب السيسي المناظرة، ففي النهاية أصبح ندا تليفزيونيا لصباحي، وهو ما يفيد الأخير كثيرا، ويعزز موقفه في أن يتحول إلى منافس عنيد، قد يعجب قطاع من المواطنين.

أما إذا رفض السيسي، وهذا هو المتوقع، سيبدو كأنه رفض المناظرة، خوفا من منافسه، ويظهر صباحي في صورة بطل لم يستطع المشير، الذي تحدى الإخوان والإرهاب ووقف في وجه قوى دولية غاشمة، مواجهته على الهواء مباشرة. لذلك يصر صباحي على العزف على هذا الوتر، لإحراج منافسه القوي، الذي يتعرض لحملة انتقادات عنيفة بسبب أحاديثه وحواراته التليفزيونية المسجلة، بينما يتفاخر صباحي أنه يواجه الناس في حواراته على الهواء، في إشارة للتشكيك في كفاءة السيسي، ولجوئه إلى المونتاج قبل أن يصل صوته وتنتقل صورته للجماهير.

الرهان الكبير الذي يضعه صباحي ورفاقه على اللقاء التليفزيوني، حول المناظرة المرغوبة إلى مناظرة ملعونة عند الطرفين، بصرف النظر عن أهميتها بالنسبة للجماهير. فصباحي الذي يلح عليها، أصبح يتعرض لمزيد من الهجمات الإعلامية، وألب عليه فئة تحاول أن تجد لنفسها مكانا بالقرب من فريق السيسي الرئاسي القادم، وتطوعت لتوجيه انتقادات مجانية لصباحي، بينما المصلحة الوطنية تقتضي استمراره في السباق حتى نهايته، وجرى وضعه في صورة تشي بـ "الشو التليفزيوني" أكثر من المضمون الذي يمكن أن يكون مفيدا للناس. وهناك قطاع استنفر أسلحته السياسية المختلفة، وقلب في دفاتر صباحي القديمة، التي عليها شبهات أو علامات استفهام، ووجد فيها ما يعرضه للحرج، خاصة علاقاته مع بعض الأنظمة السابقة في العراق وليبيا، فضلا عن حزب الله، وتحالفاته السابقة مع جماعة الإخوان المسلمين، وربما يصل به الحال قريبا لطلب غض الطرف عن المناظرة، أو تجاهلها في خطابه، لأنها من السهولة أن تتحول إلى لعنة.

التجربة المصرية مع المناظرات التليفزيونية غير جيدة، فهي تسببت في الإنتخابات الرئاسية الماضية في "حرق" المرشحين عمرو موسى وعبدالمنعم أبو الفتوح سياسيا، حيث كشفت عن عيوب كثيرة في المتناظرين، وترتب عليها تراجع نسبة التأييد لكليهما، مع أن أبو الفتوح كان أدائه متفوقا على موسى، أو هكذا كانت الإنطباعات المباشرة لها، وجاء كل منهما في المرتبة الرابعة (أبو الفتوح) والخامسة (موسى)، بعد محمد مرسي وأحمد شفيق وحمدين صباحي، على التوالي. وقتها ترسخ في وجدان نخبة من السياسيين والإعلاميين أن هناك خطورة للمتناظرين، وفشلت كل المحاولات التي بذلت لتكرار التجربة، وصباحي نفسه رفض خوضها في ذلك الوقت، فما الذي تغير حتى يطالب بها ويلح عليها الآن؟

بالطبع ثمة جملة من المتغيرات، جعلتها مرغوبة لديه، بل وورقة رابحة في حساباته، أهمها اقتصار المنافسة في هذه الانتخابات على مرشحين فقط، وفارق الشعبية الذي يميل بالتقديرات الظاهرة لصالح السيسي، ناهيك عن الطبيعة الشخصية لكل من المتنافسين حاليا وعلاقتهما بالإعلام عموما. والأهم أن صباحي يدرك صعوبة، وربما استحالة اتمامها أمنيا، بالتالي هو يعرف أن خصمه سيرفضها. فالمناظرة تستوجب إعلان زمانها ومكانها مسبقا، ما يجعل حياة السيسي معرضة للخطر، في ظل الظروف الأمنية القلقة في مصر حاليا، والإجراءات اللازمة لعملية تأمينه، خاصة أنه سبق وأن تعرض لمحاولتي اغتيال خلال الفترة الماضية، غير مضمونة العواقب.

المشكلة أن "المناظرة الملعونة" حولها صباحي وحملته إلى ما يشبه المطلب الشعبي، حدوثها المستحيل دليل على نزاهة وشفافية كل مرشح، ورفضها ينطوي على العكس، حتى أضحت تحظى بقدر لا يستهان به في المزاج العام، وبدأ بعض البسطاء يرددونها، كمؤشر على قوة صباحي وضعف السيسي، وغابت الأسباب الخفية للإلحاح في أجندة صباحي، وتم تجاهل الكثير من الاعتبارات الموضوعية التي تؤكد صعوبة القبول بها عند المشير السيسي، وأيضا عند صباحي، لأن حدوثها (الإفتراضي) قد يعرضه لمآزق على الهواء، إذا استخدم منافسه كل أسلحته الأمنية والمعلوماتية، كما يحدث في المناظرات الحقيقية في الغرب.