الملف النووي الإيراني كابوس أربك سياسات الولايات المتحدة الخارجية

ما يدور اليوم في الشرق الأوسط هو ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى في أوروبا، بعدما كانت المركز الاقتصادي والسياسي للعالم، وتمتلك ثلث الإنتاج العالمي (اليوم نحو خمس الاقتصاد العالمي) رغم أن الولايات المتحدة كانت تمتلك أكبر اقتصاد وطني متكامل إلا أنها ظلت على الهامش.

لم تكن الحرب العالمية الأولى أن تفعله ما فعلته الحرب العالمية الثانية، بسبب أن الولايات المتحدة كانت تتحجج بأثر فعل الكساد الكبير، مثلما تتحجج اليوم بالأزمة المالية العالمية التي ضربتها في عقر دارها نتيجة أزمة الرهون العقارية، والتي لم تكن تتوقعها بسبب أنها كانت الدولة الوحيدة الدائنة للعالم.

نجح الحلفاء في الهبوط على شواطئ نورماندي بدعم الولايات المتحدة ولولا الولايات المتحدة لم يضمن الحلفاء النصر، ويقضي على أكبر قوة شمولية في العالم، وكان من نتائج هذا الانتصار أن أصبحت أوروبا تحت حماية الولايات المتحدة في ظل انقسام عالمي زمن الحرب الباردة.

يمثل عام 1989 نهاية الانقسام العالمي الذي حدث بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، قاد بسرعة إلى انهيار الاتحاد السوفيتي، ووضع الصين على طريق الإصلاح عام 1978، واختيار الصين توليفة تجمع بين اقتصاد السوق والنظام السياسي المركزي، فكانت العولمة مدفوعة بقبول الجميع في أنحاء العالم باقتصاد السوق.

لكن الركود العظيم الذي حدث عام 2008 أوقف تقدم العولمة، ودخلت العولمة مرحلة من التباطؤ، وأصبح هناك قلق عميق حول عمل اقتصاد السوق، خصوصا فيما يتعلق بتوزيع المكاسب، نتج عنه حدوث ردات فعل عنيفة في كل من الولايات المتحدة وفي أوروبا.

ففي أوروبا سطع نجم اليمين المتطرف، خصوصا في فرنسا الذي يريد تعطيل عجلة التكامل الأوروبي، وفي الولايات المتحدة حقق المحافظون أكبر نصر لهم، وهم الذين ينتقدون الجمهوريين على الانفتاح على إصلاح قوانين الهجرة وتصويتهم على الموازنة والدين العام.

فتخلي الولايات المتحدة عن ضمان الالتزام بضمان ترتيبات الأمن المشترك في أوروبا والمساهمة في الاضطراب المالي والاقتصادي في العشرينات من القرن الماضي، وإن كان بشكل غير مباشر، فهي مسؤولة بشكل مباشر عن اندلاع الحرب العالمية الثانية الأكثر دمارا في عام 1939، وهي كذلك مسؤولة عن ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم من أحداث في سوريا وفي العراق.

بعد مرحلة تحفيز الانعزالية الأميركية، أرادت أميركا أن يكون عالما ستكون فيه أميركا استثنائية على رأس الحضارة العالمية مطبوعة على شاهد قبر القوة الأوروبية، لكن هذا الانطباع انتهى زمن الانقسام لمواجهة الاتحاد السوفيتي، لكن الولايات المتحدة كما يصفها وزير الداخلية الياباني وصفت بأنها الوحش المنافق الكبير الذي يرتدي ثياب العدل والإنسانية.

بينما دخلت الولايات المتحدة مرة أخرى بعد الأزمة المالية عام 2008 مرحلة انعزالية أخرى جديدة، ومنع باراك أوباما حتى الآن الكابوس الذي كان أكثر ما يقلقه وهو زواج أسلحة الدمار الشامل والتطرف العالمي، ولكن أوباما والكونغرس كل يمضي في طريقه، فتحولت سوريا والعراق إلى كارثة أمن قومي للولايات المتحدة وإلى كارثة أخلاقية على جميع العالم المتحضر.

أصبحت اهتمامات أوباما منصبة على مواجهة الملف النووي الإيراني، وتعيين كاغ المرأة الحديدية التي تشرف على تدمير الأسلحة الكيمائية السورية، وإعلان أوباما خطة أمنية بمليار دولار في دول شرق أوروبا يتحدى خطط البنتاغون لخفض الإنفاق لتحجييم طموحات بوتين الأوروآسيوية بعدما قرأ بوتين ملامح خروج أوكرانيا من هذه الخريطة في قمة احتفالات أوروبا بالذكرى السبعين لنزول الحلفاء على شواطئ النورماندي.

وللمرة الأولى منذ 17 سنة عقدت قمة مجموعة الثماني من دون روسيا بعد قرار استبعاد روسيا، وروسيا تباشر تدريبات عسكرية في البلطيق ردا على مناورات الأطلسي، بعدما أصبحت الحدود الأوكرانية بالنسبة للروس مواقع افتراضية للناتو مما يشكل تهديدا جديدا للأمن الروسي، ويعيد إلى الذاكرة الروسية تحالفات الحرب الباردة.

مفاوضات النووي الإيراني تواجه صعوبات لبناء الثقة، فالملف النووي الإيراني ورقة في يد إيران لتحقيق دور إقليمي، لذلك نجد أن روحاني يعرض على الولايات المتحدة التعاون في العراق بعد سيطرة داعش على الموصل، وقال نحن لدينا نفوذ قوي داخل العراق وسوريا، وعلى اثر ذلك عقد اجتماع للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لبحث التطورات في العراق، حتى أن روحاني وجد فرصته وقال لن نقف مكتوفي الأيدي أمام الإرهاب في المنطقة وكأن ما يدور في سوريا ليس بإرهاب.

بينما قال لافروف إن ما يحدث في العراق، يثبت فشل المغامرة الأميركية ـ البريطانية، في المقابل تطالب أنقرة بتدخل الناتو بعد اختطاف 80 من مواطنيها، ولكن الناتو لا يريد دورا في العراق.

المفاوضات النووية الإيرانية مع الدول الكبرى دخلت مرحلة مكثفة، ولكن هناك خلافات جدية لا تزال ماثلة، مما يشير إلى فجوة كبيرة بين الفريقين المتفاوضين، وإن أيا منهما غير مستعد لتقديم تنازلات كافية.

وتعتبر طهران أن المشكلة الرئيسية هي أن أوباما فشل في إثبات امتلاكه السلطة الضرورية والاحتياطي السياسي اللازم لحل المشكلة، بسبب أن الكونغرس له اليد الطولى في حسم تلك المفاوضات.

وللمرة الأولى تجري مفاوضات ثنائية خارج إطار المحادثات مع القوى الكبرى، وهي مفاوضات ثنائية غير مسبوقة مع كل من الولايات المتحدة وروسيا تحضيراً للمفاوضات النووية مع مجموعة "خمسة زائد واحد" في 16 /6/2014 في فيينا، وفي حال فشل تلك المفاوضات يمكن تمديدها ستة أشهر كما ينص اتفاق جنيف.

ويستمر الملف النووي ورقة بيد جميع الأعضاء، سواء أكانت إيران أو روسيا أو الولايات المتحدة لتحقيق أهداف وأجندات خاصة بكل طرف، خصوصا بعد المفاوضات الثنائية غير المسبوقة، وهي مفاوضات سرية، قد تكون الحصول على أدوار ترفضها المحادثات الجماعية، وهي السبب الرئيسي في تأخر حل الأزمة السورية التي استمرت أربع سنوات.

ورفض أوباما في المقابل إرسال قوات على الأرض إلى العراق لمواجهة الإرهاب رغم أنه أعلن أن بقية الخيارات الأخرى مفتوحة ما يعني أن المفاوضات حول النووي الإيراني غير قابلة للابتزاز.

الوضع الحالي يذكرنا باتفاق لوكارنو الذي ضمن الحدود الغربية لأوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، ولم يذكر الكثير عن الحدود الشرقية، وبقيت الولايات المتحدة بعيدة تاركة فرنسا وبريطانيا الضعيفتين لدعم النظام المتزعزع في أوروبا ضد أي عدوان ألماني مستقبلي.

فلم تتمكن وقتها الولايات المتحدة من تحقيق استقرار الاقتصاد العالمي، وبناء نظام أمن مشترك تسببت في الحرب العالمية الثانية، وهو ما تفعله اليوم في ترك إيران وروسيا تعبثان في الشرق الأوسط، بينما هي تقف أمام طموحات روسيا الأوروآسيا.

فلا يزال العالم يعيش حالة ما بين التعاون والنزاع الذي يقود إلى التوتر الدائم، وإذا كانت هناك عبرة مستفادة من التاريخ فهو محكوم علينا أن نتعاون.