الملف الذي فتحه النواب الأردنيون الأربعة!

بقلم: جواد البشيتي

قضية النواب الأردنيين الإسلاميين الأربعة الذين مجَّدوا الزرقاوي مع ما ولَّدته من مواقف أردنية، حكومية وغير حكومية، فتحت، ولو جزئيا، ملف "الإسلام السياسي الحزبي" في الأردن، وغيره من الدول العربية، وأبرزت الحاجة إلى تنظيمه (الإسلام السياسي الحزبي) بما يسمح بإقامة برزخ بينه وبين الإرهاب والتكفير، وبرزخ آخر بين الإصلاح السياسي ـ الديمقراطي و"الإصلاح الآخر"، الذي شعاره السرمدي "الإسلام هو الحل"، والذي لا يُقرُّ دعاته بالواقع المتغيِّر إلا ليؤكِّدوا أن التغيير لا يشمل "مبادئ الحلول" العابرة للتاريخ والقارات.
هل يمكن المزاوجة بين الإصلاح السياسي ـ الديمقراطي، الذي لم ننل منه بعد إلا ما يشدِّد الحاجة إليه وكأنه لم يبدأ بعد، وبين "الحزبية السياسية ـ الدينية"؟ ليس لدى دعاة الإصلاح في الحكومة وفي المعارضة شبه الحكومية من جواب متماسك منطقيا عن هذا السؤال الذي لا مهرب من إجابته في وضوح لم نبلغه بعد، فهم، أي دعاة الإصلاح أولئك، يُظهرون استمساكا، في وثائقهم وبياناتهم وتصريحاتهم، بمبدأ الفصل بين الدين والحزبية السياسية، معبِّرين عن ذلك بقول من قبيل "لا بد من حظر قيام أحزاب على أساس ديني". ولو أريد لهذا القول أن يُتَرْجَم بما يؤسِّس لسياسة لا ينفصل فيها القول عن الفعل، والنظرية عن الممارسة، لترتَّب عليهم بدء تغيير يفضي، أولا، إلى معاملة "جماعة الإخوان المسلمين" وحزبهم، "حزب جبهة العمل الإسلامي"، بما يتفق تماما مع قولهم بضرورة وأهمية حظر قيام أحزاب على أساس ديني، فإذا لم تكن تلك "الجماعة" مع "حزبها"، حزبا يقوم على أساس ديني فماذا عساه أن يكون "الحزب القائم على أساس ديني"؟!
ويفضي، أي ذاك التغيير، من ثم، إن لم يكن أولا من حيث التسلسل الزمني، إلى جعل "الدولة" ذاتها بلا هوية دينية، فالمزاوجة بين "الدولة" و"الدين"، وبصرف النظر عن شكل تلك المزاوجة، يحظر على القائلين بها، وباستمرارها، المناداة بحظر قيام أحزاب على أساس ديني، فبمعيار "العلمانية السياسية"، أو "السياسة العلمانية"، ليس من فرق جوهري بين "الدولة الدينية" و"الحزب الديني". إن على "الدول" و"الأحزاب" أن تبحث عن شرعية سياسية لها في خارج "الشرعية الدينية"، وحيث تُولَد وتنمو وتموت تلك الشرعية السياسية.
و"الفصل الديمقراطي بين السياسة والدين" يبدأ بالفصل بين الخطابين السياسي والديني؛ ولكنه لا يكتمل إلا بالفصل بين "الرجال"، أي بين "رجال السياسة" و"رجال الدين"، فلهؤلاء عمل لا يؤديه أولئك، ولأولئك عمل لا يؤديه هؤلاء.
"الحزب الديني" في مجتمعنا إنما هو السياسة التي لا يمكن تمييزها من "الانتهازية السياسية"، فزج الدين في الخطاب السياسي الحزبي، كما نرى ذلك في شعار "الإسلام هو الحل"، يذلِّل كثيرا من العقبات من طريق هيمنة الحزب السياسي ـ الديني على عقول وقلوب العامة الذين يؤسِّسون على الدين كل، أو معظم، ما يملكون من ثقافة ووعي ووجدان، فهذا الزج الذي لا يقرِّه الجوهر الروحاني للدين إنما هو ميكيافلية خالصة.
إن الحزبية السياسية التي إليها نحتاج، وتستوفي شروطها الديمقراطية، هي التي تسمح بقيام الحزب السياسي العابر للجماعات والكيانات الدينية والعشائرية، ولكل هوية دون الهوية القومية للمجتمع، فالحزب الذي يتَّسع لـ "جماعة" ليضيق بـ "المجتمع" ليس هو الحزب الذي يحتاج إليه الإصلاح السياسي ـ الديمقراطي الذي ننشد.
"الدولة" هي التي يجب أن تكون أُسوة حسنة لـ "لأحزاب" فلا تنهاها عن أمر لتقوم هي به، أو لتستمر في القيام به، فإخراج "السياسي" من "الديني"، و"الديني" من "السياسي"، إنما هو العمل الذي ينبغي للدولة أن تشرع تنجزه قبل، ومن أجل، دعوة الأحزاب إلى إنجازه. جواد البشيتي