المكوجي.. مهنة رجل من حديد

هذا الحديد يضغط أقوى ويكوي أفضل وأسرع

القاهرة - في مصر، مهنة كي الملابس هي عمل للرجال الحقيقيين، وفي مدينة زاخرة بأنماط الشخصيات المتعددة مثل القاهرة، يقوم هذا الرجل بكي الملابس بقدمه.
مصطفى محمد صفيحة (63 عاما) يستخدم قدمه اليسرى في القيام بأعمال الكي، وهي المهنة التي توارثتها أسرته، فوالده لقنه أسرار المهنة منذ نعومة أظافره، وهو لم يتجاوز بعد التاسعة من عمره.

وأما المكواة الحديدية التي يستخدمها مصطفى، فهي أداة عتيقة عاصرت من الدهر 160 عاما، تناقلها الرجال من جيل إلى آخر.

ويقول صفيحة بفخر من منزله المتواضع بحي باب الشعرية الشعبي "علمني والدي المهنة، وهو الذي علمه والده الشيء ذاته". ولا ينوي صفيحة التحول إلى استخدام المعدات والاساليب الحديثة للكي التي يجدها معاصروه أيسر بكثير.

ويقول صفيحة مشيرا إلى مكواة الرجل الحديدية العتيقة "هذا الحديد يضغط أقوى ويكوي أفضل وأسرع".

والمثير للدهشة أن مكواة مصطفى العتيقة وأسلوبه التقليدي القديم يجتذب العديد من الزبائن المحليين بل والاجانب ويدر ربحا طيبا، إذ يعجب الناس بمشاهدته أثناء القيام بعمله، فمصطفى يبحر بمكواته التي يوجهها بقدمه بسرعة وسلاسة فوق النسيج كما لو كان قاربا يسير به في النيل.

وأما المكواة ذاتها فهي قطعة ضخمة نصف دائرية من المعدن الذي يزن 33 كيلوجراما، لها يد يدخل فيها قدمه، فضلا عن موقد غاز وقطعة قماش هي كل ما يحتاج إليه في كي الملابس.

فمصطفى يسخن الحديد على الموقد لنحو 10 إلى 15 دقيقة، ثم يرفعه عن النار ويمسح قطعة قماش بالية على السطح المتوهج للمكواة بيد متمرسة، ثم يضع قطعة من الخشب فوق المكواة لحماية قدمه من حرارتها الهائلة.

وهكذا يبدأ العمل، يمسك بيده مقبض المكواة، وباليد الاخرى يسوي الملابس ويعدها للكي، وهو في الواقع يستخدم مكواتين الواحدة تكوي بينما الاخرى ترقد فوق نار الموقد لتبدل مكان الاخرى عندما تهدأ حرارتها.

وبقدمه يحرك المكواة ذهابا وإيابا بسرعة خاطفة فوق القفطان والسراويل والتنورات والقمصان التي يفردها على منضدة خشبية منخفضة يغطيها بالملاءات.

ولدهشة وانبهار المشاهدين يقدم مصطفى عرضا خاصا من كي القدم السريع، إذ يلتقط سروالا بحاجة شديدة للكي، ويضعه بمهارة وسرعة على منضدة العمل، ويقبض بقدمه اليسرى بإحكام على الحديد المتوهج ويبدأ العمل، ثم في أقل من دقيقتين يسحب السروال من على المائدة في أبهى صورة ويعرض بفخر كسرة السروال السليمة وكيه الفائق.

بالنسبة لمصطفى فتلك المهنة تتعدى كونها مجرد مصدر لكسب الرزق، إنها فن خاص، حسبما يصر ويؤكد، ونظرا إلى كم الجهد المبذول في هذا العمل، يعتبر صفيحة الكي بهذه الوسيلة أسلوبا صحيا من التمارين الرياضية.

ولدى صفيحة ما يكفيه من الزبائن الذين يبهجهم هذا الاسلوب العتيق وبما يبقي عليه مشغولا في حجرته الصغيرة الحارة 12 ساعة يوميا، بينما يصدر في الخلفية صوت الموسيقى العربية التي تتغنى بالحب والشجن من جهاز ستريو قديم.

وقبل عامين رفع صفيحة سعر كي القميص أو البنطلون إلى نحو نصف جنية مصري أي عشرة سنتات حتى يتمكن من مواكبة تضخم الاسعار.

ويأمل أن يسير أبناؤه الاربعة على إثره وإثر أسلافه بعد أن يتقاعد.

غير أنهم لا يبدون حماسا كبيرا بهذا العمل، ولذا فابنته الوحيدة هي التي تكون بجانبه عادة للمساعدة ما أمكنها ذلك غير أنها لن تشارك في عملية الكي ذاتها، فهذه المهنة هي مهنة الرجال، وأي رجال، رجال من حديد!