المكان في منتدى المسرح العراقي وتجربتي الإخراجية

بقلم: د. محمد حسين حبيب
ما بين التقليدية والمغامرة

ما الفرضية التي يفترضها المخرج المسرحي كي يعالج مكانا ما معالجة مسرحية ويحوله مكانا صالحا لعرض مسرحي؟

لأن المكان في بناية منتدى المسرح العراقي (بيت السنك) هو العلامة المتصدرة والكبرى لكافة العروض المسرحية التي قدمت فيه وعالج فضاءه إخراجيا عدد كبير من المخرجين العراقيين على مدى سنوات طوال بدأت منذ عام 1978 بقرار من القائمين على دائرة السينما والمسرح العراقي حينها. ويرى الباحث أن ذلك القرار وتلك الانتقالة كانا صدفة قدرية. إنها الصدفة القدرية لا غير هي التي حولت بيت السنك البغدادي القديم مكانا مسرحيا. أقول القديم نعم .. ففي أحد المهرجانات المسرحية فيه (المهرجان الثامن عام 1992) تحديدا وقف يوسف العاني بعد أن شاهد الحشود الجماهيرية التي اكتظ بها المكان بطابقيه، وقف العاني خائفا، وخاف معه آخرون من أن تسقط البناية وسقوفها على الجميع.

مَن الذي خطط وفكر لتغيير هذه الصفة والموصوف من الثابت (البيت) إلى المتحرك (منتدى المسرح)؟ لم تكن الفكرة / الصدفة القدرية تلك تهدف إلى تحريك الثابت بل سعت إلى اختيار هذا المكان لمنتدى المسرح بهدف خصوصية ما, أو ربما استبعاد هؤلاء الشباب الهواة عن مركز المحترفين (بناية مسرح الرشيد) وحصرهم في بناية قديمة تحولت بسعي الشباب وإبداعهم إلى ثروة وطنية جديدة أسست للمسرح العراقي برمته تأسيسا نفتخر به إلى الآن بالرغم من كل التحولات السياسية والفنية والاجتماعية وتحديدا قبل التاسع من أبريل/ نيسان 2003 وبعده.

ويستشهد الباحث هنا بمقولة صرح بها سامي عبدالحميد سمعها الجميع بعد نهاية عرض مسرحية "الصدى" إخراج عزيز خيون عام 1984 قبل أن ينتهوا الممثلوون من التحية, وقبل انتقال منتدى المسرح من الطابق الرابع في بناية مسرح الرشيد (محترف بغداد المسرحي لاحقا). قال عبدالحميد بالنص ملوحا بيديه: "ما يقدم هنا أفضل مما يقدم هناك" قاصدا بالـ (هنا) منتدى المسرح وبالـ (هناك) أعمال الفرقة القومية العراقية للتمثيل.

إن هذا التصدر العلاماتي للمكان في منتدى المسرح (بيت السنك) ذهب بالمخرج وخياراته في مسوغات توظيف هذا المكان بغية تأسيس فضائه السينوغرافي إلى أمرين لا ثالث لهما برأي الباحث, الأول: التعامل مع المكان (البناية) وباحتها وسلالمها وممراتها وغرفها وسطحيها وحدائقها كما هي بوصفه مكانا مغايرا لا تقليديا. والثاني: إلغاء الشكل الأصل تماما للمكان (البناية) برمتها وتأثيث منظر مسرحي جديد لاغيا المعالم الأصلية للمكان تماما، ويكون تعامله بذلك مع المكان تعاملا تقليديا لا مغايرا.

من هنا تشكلت مشكلة هذه الدراسة وأهميتها، وهي تحاول الإجابة على التساؤل الآتي: كيف تعامل المخرج المسرحي العراقي مع المكان المسرحي في بناية منتدى المسرح (بيت السنك) إخراجيا للخروج من هذه الثنائية الواقعة ما بين التقليدية والمغايرة؟

يقول بيتر بروك في كتابه "المكان الخالي" المكان المسرحي: "يمكنني أن أتناول أي مكان خال، فأسميه مسرحاً عارياً". ويقول أيضا: "كل ما تحتاجه لكي تباشر الاحتفال هو عمود وبشر", ويرى باتريس بافيس في المكان المسرحي بأنه "المكان الذي يدور فيه العرض سواء كان ذلك العرض في مسرح مكشوف بالهواء الطلق أو في مدرسة أو خان .. ".

وتجدر الإشارة إلى ثنائية التكوين في المفهوم ما بين المكان و الفضاء، كون الأول تقليديا، والثاني حديثا، فالمكان هو ذلك الفضاء الذي يحتوي العرض والممثلين وهو أيضا – أي المكان – الفضاء غير الفارغ والمحدود أي المسكون فيزيائيا وجسديا. أما لالاند في موسوعته الفلسفية فيشير إلى مصطلح (مكاني spatial ) وهو "ما ينتسب أو ما يتعلق بالمكان".

ويشير باشلار مؤكدا أهمية "تحديد القيمة الإنسانية لأنواع المكان الذي يمكننا الإمساك به، والذي يمكن الدفاع عنه ضد القوى المعادية, أي المكان الذي نحب".

في ضوء هذه النظرة الفلسفية للمكان يرى الباحث أن عروض منتدى المسرح العراقي (بيت السنك) تنتسب بالضرورة – حين ذكرها – إلى هذا البيت نفسه ومتعلقة به، لأنه راسخ في ذهن المتلقي وذاكرته المسرحية, ولأننا بداهة ندافع عنه لأننا نحبه, لكن هذا الحب وذلك الانتساب التذكري يوصلنا إلى محدوية مكانية محجمة تقلق أحيانا رؤية المخرج وتجعله باحثا عن ابتكارات جديدة وتغييرات شكلية مختلفة عن رؤى إخراجية سابقة من شأنها أن تنقذ ذاكرة المتلقي الجمعية وتوقظها من جديد.

ويجتهد سكولينكوف في الكشف عن التداخل المصطلحي ما بين فضاء المسرح والفضاء المسرحي بقوله: "وعلى الرغم من أن العرض داخل فضاء المسرح هو الذي يخلق الفضاء المسرحي إلا أنهما منفصلان عن بعضهما البعض, وفي كل عرض فإن الممثلين هم الذين يحددون مساحتهم الخاصة من خلال الكلمة, والحركة, والإشارة, وبمساعدة الأدوات المسرحية, والمشهد, والإضاءة, والمؤثرات السمعية. وداخل هذه المساحة فقط, يصبح للمسرحية امتداد حسي". وفي مكان آخر يشدد على أن "خشبة المسرح هي مكان ضيق بالضرورة"، وحدودها ثابتة، وهذه المائزة تستحوذ على اهتمام الخبير المسرحي وتثير انتباهه.

لكن يجد الباحث أن الأمر يختلف للوهلة الأولى مع الفضاء المسرحي لمنتدى المسرح, لكن سرعان ما نكتشف أننا في الطريق إلى محدودية وثبات من نوع آخر إذا ما استهلكنا إخراجيا فضاء بناية منتدى المسرح (البيت) برمته.

لكن ما يميز بناية منتدى المسرح الحالي، احتواؤها على فضاءين داخليين في الوقت نفسه, فالفضاء الأول هو المرئي المنظور (منطقة التمثيل) والثاني هو المدرك غير المنظور (المحسوس) – وان حوى على تمثيل أيضا – لبعض عروض المنتدى نفسه. ذلك أن المتلقي وفي عدد غير قليل من العروض يثيره – وبقصد إخراجي واضح – ذلك الفضاء المدرك لحظة تفعيل الغرف والزوايا والممرات والسطوح والحديقة – وهذه تحتمل المدرك والمرئي بحسب مكان العرض الرئيس - والسلالم، وفي الطابقين للبناية نفسها, وكلها غير منظورة ولكنها مدركة من قبل المتلقي ومحسوسة بحكم تداخلها هارمونيا مع نسيج العرض المسرحي نفسه. فما الذي كانت ستكون ردة فعلنا كمتلقين في عرض مسرحية "ترنيمة الكرسي الهزاز" مثلا، حين توزعنا وتقاسمنا غرفتي بطلتي العرض بشكل تداخلي وانتقالي لمشاهدة الغرفة بعد الأخرى وتكرار المشهد التمثيلي مرتين في كلتا الغرفتين. ولجأ مخرج العرض إلى توظيف الفضاء المدرك فقط لنجلس جميعا وندرك مايجري داخل الغرفتين؟

يرى الباحث أن النتائج ستكون مختلفة تماما لأنها ستبتعد بنا عن المغايرة والمدهش و المبتكر لنسقط في فخ التقليدية حسب.

وفي عروض غير قليلة لجأ فيها مخرجوها إلى استخدام ذلك الفضاء (المدرك) لأنه ذلك الموضع "أو الحيز كوجود مادي يمكن إدراكه بالحواس. وهو أحد العناصر الأساسية في المسرح لأنه شرط من شروط العرض المسرحي, وهو ذو طبيعة مركبة لكونه يرتبط بالوقع (مكان العرض المسرحي) من جهة, وبالمتخيل (مكان الحدث الدرامي المعروض على الخشبة) من جهة أخرى "وبخصوص التوظيفات الإخراجية التي استهلكها المكان حين استخدم المخرجون جميع زوايا وغرف وممرات وسلالم البناية وسطوحها وباحتها الرئيسة وحدائقها، لنجد أن حتى فتحة البالوعة الوسطية (السبتتانك) التي لم تتخلص هي الأخرى من هذه التوظيفات المسرحية، فقد وظفها المخرج جلال جميل لمصدر إضاءة سفلي في عرض مسرحيته الموندراما الصامتة "لست أنا" إلى أن نصل لبعض المخرجين، وفي عروض قليلة، عمدوا الى استبدال منطقة الجمهور بمنطقة التمثيل معتقدين ان في ذلك ابتكارا من شأنه ان يعزز ويرصن رؤيتهم الإخراجية.

اما تجربة الباحث الإخراجية في تعامله مع منتدى المسرح (بيت السنك) واثر هذه الثنائية المحصورة ما بين التقليدية والمغايرة على اربعة اعمال مسرحية اخرجها الباحث للمنتدى وهي مسرحية "اهمس في اذني السليمة" عام 1986 ومسرحية "ومضات من خلال موشور الذاكرة" عام 1992 ومسرحية "ماذا ترى في الصورة؟" عام 1996 ومسرحية "النحيف والبدين" عام 2000.

المسرحية الاولى من تأليف وليم هانلي. قدمت هذه المسرحية على قاعة منتدى المسرح (الطابق الرابع لبناية مسرح الرشيد في بغداد) عام 1986وذلك ضمن عروض مهرجان منتدى المسرح الثالث. وحازت المسرحية على الجائزة الثانية في المهرجان، وجائزة افضل ممثل للباحث نفسه عن دوره لشخصية (ماكس) في المسرحية والتي هي من اخراجه ايضا. كما واعيد عرض المسرحية لمدة ثلاثة ايام بعد المهرجان في المكان نفسه. تدور حكايتها حول رجلين عجوزين هما ماكس وتشارلي، اتفقا على الانتحار نتيجة ما يمران به من الاحباط والشعور بالخواء واللامعنى لحياتهما بعد المخاض الذي مرا به مع ظروف عائلية انتهت إلى طرق مسدودة منها وفاشلة في الكثير من نهاياتها, فكان الحل بعد كل الذي حدث من سنوات عمرهما التي تجاوزت السبعين عاما هو الانتحار فتواعدا في حديقة عامة, ومع بداية لحظات تنفيذ الانتحار تبدأ الاستذكارات لحياة كل منهما مع الكشف عن طبيعة كل شخصية حيث الانسانية والعاطفة العالية والمحبة والبساطة والنكته والحكمة, كل هذا متوفر لديهما لكنهما في النهاية يكتشفان ان ثمة بقية لهما في هذه الحياة فيرجعان عن اتفاقهما مغادرين الحديقة وتاركين المسدس على المصطبة.

تعامل الباحث إخراجيا في هذا العرض تعاملا تقليديا مع المكان لانه تعامل مع مسرح العلبة, فالمكان كان قاعة المنتدى في الطابق الرابع لمسرح الرشيد بوصفه المكان الذي وظفه المخرج بمنظر مسرحي تعبيري اقتصر على شجرة قديمة في جانب ومصطبة في الجانب الاخر مع خلفية لبحيرة زرقاء متشكلة ضوئيا على سايك خلفي كبير, ولم يكن هناك ايما تغيير منظري متحول ماعدا بعض الانتقالات الضوئية التي توحي وترمز الى الموقف الدرامي المراد التعبير عنه وصولا الى نهاية العرض ومغادرة العجوزين تاركين المسدس على مصطبة الحديقة على انغام معزوفة عيد الميلاد التي تدوي في فضاء المكان.

ومضات من خلال موشور الذاكرة

اما مسرحية "ومضات من خلال موشور الذاكرة" من تأليف القاص والكاتب المسرحي العراقي جليل القيسي. قدمت هذه المسرحية على قاعة نقابة الفنانين في بابل عام 1992 (قاعة شاكر نعمة سابقا). كما قدمت المسرحية نفسها على قاعة منتدى المسرح في بغداد (بيت السنك سابقا) وذلك ضمن عروض مهرجان منتدى المسرح الثامن في العام نفسه. ولقد عقب على المسرحية نقديا بعد العرض مباشرة الناقد العراقي (فاضل ثامر). وقام بأداء الشخصية الرئيسة الباحث نفسه، وهي الشخصية الوحيدة في المسرحية (المونودراما) الى جانب اخراجه للمسرحية.

تتحدث هذه المسرحية عن حياة ممثل شاب يسكن وحيدا في غرفة صغيرة, يظهر في البداية وهو يتدرب على اداء شخصية مسرحية مسندة اليه وموعد عرضها الليلة. واثناء تدريباته تلك نتعرف على عدد من علاقاته مع المحيط الخارجي مثل اصدقائه ومدير الفرقة التي يعمل فيها وحبيته عزيزة, وبعد مرور مدة زمنية غير قليلة اتعب نفسه في التدريب المسرحي يصاب بالاجهاد فيغفو على الطاولة وهو جالس. وفجأة نسمع رنين الهاتف ومعها مباشرة ضربات باب قوية تدوي فضاء المسرح ليستقظ الشاب مذعورا مرتبكا لا يدري ماذا يفعل, أيرد على الهاتف ام يذهب لفتح الباب؟ يبدو انه تاخر على موعد عرض مسرحيته فيستجمع قواه ووعيه جامعا اشياءه المسرحية مغادرا المسرح. مكان العرض هو منتدى المسرح (بيت السنك) ويذكر ان الباحث (المخرج) كان قد وضع ترسيمة ديكورية لبيت هذا الشاب وكانت من تصميم الفنان مكي عمران راجي. وفعلا بدأ تنفيذ تلك الترسيمة. ولكن بعد زيارات المخرج للمكان أكثر من مرة بهدف الاطلاع وجلب بعض القياسات المطلوبة – ولم يكن حينها المكان قد استهلك بعد – فكر المخرج لحظة هكذا. متسائلا وواضعا فرضية جديدة لديكور مسرحيته: لماذا لا نفترض ان هذا البيت برمته (المنتدى نفسه وبكل غرفه وزواياه وسلالمه وكل محتوياته الأُخر)، هو بيت بطل المسرحية (الشاب الممثل) نفسه؟ ليكون التعامل على وفق هذه الفرضية تعاملا (مغايرا) مع المكان. وفعلا تم تنفيذ هذه الفكرة ليتحول بيت السنك الى بيت بطل المسرحية مستخدما غرفها وسلمها وطابقها العلوي وحمامها وبعض المفردات الديكورية الموجودة في المكان اصلا حتى اللوحة التشكيلية التي كانت معلقة على حائط المنتدى (في الباحة الوسطية) تركها كما هي مثلما تعامل مع الهاتف الموجود في المنتدى اصلا. بل وحتى الباب الخارجي والممر الموصل اليه وظفه المخرج كمنطقة للتمثيل ايضا الى جانب منطقة التمثيل الرئيسة (باحة المنتدى نفسه). وبهذا يكون العرض قد حافظ على معمارية المكان ذاتها وعالجها اخراجيا مبتعدا عن التقليدية محاولا الاقتراب من المغايرة حين افترض المكان البديل لمسرح العلبة.

المسرحية الثالثة "ماذا ترى في الصورة" 1995, أعدها الباحث عن قصة قصيرة للكاتب ولنكستون. وهي من اخراجه ايضا، قدمت هذه المسرحية على القاعة الخلفية لمسرح نقابة الفنانين في بابل (قاعة شاكر نعمة سابقا) عام 1995. كما قدمت المسرحية نفسها على قاعة منتدى المسرح في بغداد (بيت السنك) ضمن المهرجان المسرحي العراقي الثاني عام 1995. وحازت على جائزة افضل منظر مسرحي للفنانين نصر حنون ومحمد المرعب. المتن الحكائي الاصل لهذه القصة القصيرة (مصدر الاعداد) فيه نوع من الفنتازيا، فالمكان قاعة معرض تشكيلي يندفع اليه احد الاشخاص مبتلا بمياه الامطار الخارجية ونسمع صوت الرعد ونشهد ضوء البرق فيقوم هذا الزائر باستطلاع لوحات الرسم المتعددة على جدران المعرض, وفي زاوية المعرض يجلس رجل وقور تبدو عليه ملامح الكبرياء والحكمة يرتدي معطفا وممسكا عصا وهو ثابت في كرسيه, اثناء مشاهدة الزائر للوحات المعرض تستوقفه لوحة مرسوم فيها ثلاث مشانق فارغة وسط فضاء صحراوي ملبد بالضباب قليلا. وبعد تأمل طويل لهذه اللوحة من قبل الزائر ينتبه اليه الرجل الوقور ليساله ان كان يرغب في الدخول الى العوالم الاصل لهذه اللوحة وبعد استغراب شديد وخوف وذعر الزائر يستجيب له. وفعلا وبطريقة اشبه بالتنويم المغناطيسي يظهر لنا وبعد لحظات فضاء اللوحة الاصل مجسدا ديكوريا ووسطه الزائر فعلا متاملا المشانق على ارض رملية ملامسا بخوف حبال المشانق الثلاث بصحبته الرجل الوقور نفسه. وبعد سماع اصوات مخيفة خارجية واظلام دامس يختفي فيها المشهد لنعود الى قاعة المعرض التشكيلي عينها لكن هناك شخص قد تم اعدامه شنقا في ذات اللوحة والرجل الوقور في مكانه مبتسما ليدخل زائر جديد.

في هذا العرض الغى مخرج المسرحية المعالم الاصل لبيت منتدى المسرح للوهلة الاولى جاعلا من باحة البيت قاعة معرض تشكيلي فعلا, وهو المنظر الاول لاحداث المسرحية, لننتقل مع استمرار الاحداث الى منظر اخر جديد هو (تجسيد الصورة الحقيقية في ذات اللوحة) بان لجأ المخرج الى تقسيم الباحة الوسطية للمكان قسمين: احتل القسم الاول منها المعرض التشكيلي، واحتل القسم الثاني منظر اللوحة المجسد ديكوريا، وكان العرض مع تتابع احداثه يتحول منظريا من مكان الى اخر بالاعتماد على تغيير الديكور وتوظيف الاضاءة ما بين الاظلام والكشف عن المكان المراد كشفه للمتلقي حتى نهاية العرض.

مما تقدم نصل الى ان المخرج في هذا العرض تعامل مع المكان تعاملا مزدوجا ما بين التقليدية والمغايرة، ففي البداية الغى الشكل المعماري لبيت المنتدى لكنه في النهاية وظف الطابق العلوي نفسه للشخصيات غير المرئية لكنها مسموعة للجميع حواراتها وكذلك ضربات اقدامها حتى خيالها يظهر على الجدران, فضلا عن توظيف المخرج لباب المنتدى الرئيس ذاته بافتراض انه الباب الرئيس لقاعة المعرض التشكيلي.

اما المسرحية الرابعة "النحيف والبدين" 2000 من تأليف الكاتب الكوبي فرجيليو بنيرا. قدمت هذه المسرحية على قاعة نقابة الفنانين في بابل (قاعة شاكر نعمة سابقا) وذلك ضمن عروض المهرجان المسرحي البابلي الثاني للنقابة عام 1999. وحازت على جائزة افضل مخرج في المهرجان، وجائزة افضل عرض مناصفة. كما قدمت المسرحية ضمن عروض مهرجان منتدى المسرح الرابع عشر عام 2000 على قاعة منتدى المسرح في بغداد (بيت السنك سابقا). كما قدمت المسرحية نفسها ايضا ضمن عروض مهرجان الوفاء المسرحي الذي يقيمه سنويا منتدى المسرح في محافظة البصرة وذلك عام 2000. وحاز فيها الفنان علي محمد ابراهيم جائزة افضل ممثل في المهرجان. تتحدث المسرحية عن مريضين في غرفة داخل مستشفى احدهما بدين والاخر نحيف, التقيا صدفة لتبدأ معاناة النحيف الفقير جدا مقابل سعادة البدين الثري جدا، فالاول كسرت ساقه لانه حاول سرقة دجاجة والثاني كسرت يده لسقوطه على يده التي لم تتحمل وزن جسمه الذي يزيد على مائتين كيلو غرام تقريبا. ويبدأ البدين الثري باستفزاز النحيف الفقير وخاصة اثناء تناولهما الوجبات الغذائية اليومية, فالبدين يطلب ما يحلو له من الطعام وعلى حسابه الخاص مما لذ وطاب, والنحيف لا شيء له الا الحساء, ولكي يتذوق النحيف قليلا من طعام البدين هناك شروط يمليها عليه وهي طويلة ولا تنتهي حتى يذوق الطعام لكن لا وفاء بالوعد من قبل البدين. الأمر الذي يؤدي في النهاية أن يقوم النحيف بقتل البدين والتهامه كليا, ليظهر لنا النحيف وقد صار بدينا مما يؤدي الى استغراب الطبيب، وتساؤله عن زميله الاخر الذي اختفى وفجأة يدخل نحيف اخر الى الغرفة ارسلته ادارة المستشفى الى مكانه هنا, فيغضب النحيف الذي اصبح بدينا ويصرخ عاليا وهو خائف: كلا مكانك ليس هنا.

في هذا العرض لجأ المخرج الى تحويل منطقة التمثيل (باحة بيت المنتدى) الى حلقة وسطية (مستطيلة تقريبا) يجلس الجمهور على جانبيها والوسط هو مركز التمثيل, بمعنى ان معالم البيت اختفت ولم تختف, او لنقل ان الباحة الاصلية للبيت تحولت بفرضية المخرج الى غرفة المستشفى تلك والبيت كله بعوالمه الاخرى (المدركة) غير المنظورة تحولت الى المستشفى الكبير الذي حوى احداث هذا النص المسرحي. لان الدخول والخروج للعمال وهم يحملون اصناف الطعام للبدين الثري من الباب المنظور الذي يدخل منه الجمهور وان الغرفة المجاورة لممر الدخول تحول الى المطبخ الذي يهيأ فيه الطعام فالرائحة تنبعث من الشبابيك متسللة الى فضاء غرفة المرضى (باحة البيت الاصل للمنتدى) ليستنشقها الجمهور مثيرة لديهم الشهية كحال النحيف الفقير فلا يستطيعون تذوق الطعام مثله. في ضوء ذلك يكون المخرج قد تعامل مع المكان (المغاير) في الاغلب منه حين عمد ولاول مرة في هذا المكان الى جعل الجمهور يجلس متقابلا وجعل منطقة التمثيل وسطا لكنه لم يكن في المغايرة تماما بحسب طبيعة المكان اصلا وفرضيته الديكورية حين استخدم البيت مستشفى الباحة غرفة بل وقع في تقليدية اخرى فرضتها الطبيعة المعمارية للمكان وأصبح قريبا من التقليدية التي انتجها مكان منتدى المسرح (بيت السنك) غير (التقليدية) المعروفة اصلا حيث التعامل مع فضاء مسرح العلبة.