المقاومة والأدب، دراسة تحليلية للسيد نجم

بقلم: أحمد فضل شبلول

بعد كتابه المهم عن أدب الحرب، والذي كان بعنوان "الحرب: الفكرة، التجربة، الإبداع"، رأي الأديب السيد نجم، أن موضوع المقاومة في الأدب، يعد أكثر شمولا ورحابة من موضوع التجربة الحربية في الأدب، حيث شاع استخدام مصطلح "أدب المقاومة" بعد معارك 1967 عندما روَّج له الناقد رجاء النقاش في كتاباته وبعض البرامج الإذاعية التي أعدها عن القصائد الشعرية المهربة من الأرض المحتلة بفلسطين.
وقد أخذ اهتمام السيد نجم بهذا الموضوع شكلا مكثفا، خرج في صورة مخطوطين، الأول صدر مؤخرا في شكل كتاب بالفعل عن إقليم القاهرة الكبرى، تحت عنوان "المقاومة والأدب ـ دراسة تحليلية"، والثاني "المقاومة في الأدب العربي"، لا يزال تحت الطبع ضمن سلسلة كتابات نقدية التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة.
أوضح المؤلف في مقدمته أن مصطلح "أدب المقاومة" ليس جديدا ولكن سبقه مصطلحات "أدب الحرب"، و"أدب المعركة"، و "أدب أكتوبر"، وكلها تتداخل معا للتعبير عن دلالة مشتركة أو عامة، إلا أن الموضوعية تجعل من "أدب المقاومة" المصطلح الأكثر رسوخًا وتعبيرًا عن تلك الحالة الخاصة / العامة التي يعيشها الأفراد والجماعات والشعوب في مواجهة "الآخر" العدواني، فهو لا يقتصر على تجربة الحرب وحدها، ولا التعبير عن القهر والاستبداد فقط.
***
بعد التنظير الذي وقع في أكثر من خمس عشرة صفحة، تبدأ فصول التطبيق العملي، فيتحدث المؤلف عن المقاومة والرواية العربية (1865 ـ 1995) مستفيدا من ببلوجرافيا الرواية العربية الحديثة التي صدرت عام 1998عن قسم الدراسات العربية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بإشراف د. حمدي السكوت، ومشيرا في الوقت نفسه إلى ملامح البحث عن الهوية ودلالات المقاومة التي من الممكن للقارئ أن يلمحها، وخاصة في الأعمال الروائية الشامية والمصرية المبكرة، مثل: "الهيام في جنان الشام" و"الهيام في فتوح الشام" لسليم البستاني، و"الرغيف" لتوفيق يوسف عواد، و"قدر يلهو" لشكيب الجابري"، و"مذكرات دجاجة" لأسحق موسى الحسيني، و"خمسة أصوات" لغائب طعمة، و"الوشم" لعبد الرحمن مجيد الربيعي، و"السفينة" لجبرا إبراهيم جبرا ..الخ. وقد أفرد المؤلف فصلا خاصا عن رواية "القاهرة 1951، أو المعركة" لأمين ريان، وفصلا خاصا عن رواية "ملك من شعاع" لعادل كامل.
ثم يعرج المؤلف على اليوميات والمذكرات، باعتبارها فنا من فنون المقاومة، فيشير إلى "يوميات معركة الجزائر" التي كتبها مولود فرعون، ويوميات أحمد حجي، ومذكرات "الخروج" للدكتور فتحي عبد الفتاح.
وفي مجال الأعمال القصصية، يتوقف المؤلف عند المجموعة القصصية "حارة اليهود" لمحمد جبريل، ويدرس قصدية المقاومة في هذه المجموعة التي تعبر عن دلالات المقاومة بلا افتعال. بل إنه ينبه إلى وجوب الرجوع إلى هذه المجموعة بالذات، حين تناول موضوع المقاومة والأدب، بشكل عام.
وفي مجال الشعر، توقف عند أعمال الشاعر أمل دنقل، وعلى وجه التحديد قصيدة "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، وقصيدة "الخيول"، وعند أعمال الشاعر أحمد الحوتي، وعلى وجه التحديد قصيدة "نقش على بردية العبور". ومن اللافت في الكتاب، وقوف المؤلف عند شعر أحمد شوقي للأطفال، باعتباره شعرا يبحث عن الهوية، ويوظف التراث، ويبحث عن القيم العليا ويحرص عليها، ومن هنا تكمن عناصر المقاومة في هذا الشعر المكتوب للأطفال. غير أنني أعتقد أن معظم الشعر المكتوب للأطفال، يحمل في طياته ما لمسه المؤلف في شعر أحمد شوقي، بل إن الشعر الحالي لأطفالنا يعد تطورا لما كتبه شوقي في هذه الفترة المبكرة، وأرى أن يفرد المؤلف بحثا خاصا للوقوف على عناصر المقاومة في الأدب المكتوب للأطفال بعامة، وليس في شعر أحمد شوقي فحسب.
غير أننا في النهاية نؤكد على ما ذهب إليه المؤلف من أن أدب المقاومة لا يشتمل على الحديث عن الصراع العربي الإسرائيلي ـ على أهميته ـ فحسب، ولكن المقاومة بالمعنى الشامل تتغلغل في سلوكيات الحياة اليومية للأفراد، وحتى مواجهات الشعوب التي تبدأ بالوعي بالذات وبالآخر، وليس إلى نهاية، لأن المقاومة تتجدد في أطرها وتشكلاتها. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية