المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال: محصلة 22 شهرا

بقلم: ماجد كيالي

اتسمت انتفاضة الأقصى منذ اندلاعها بنمو ظاهرة المقاومة المسلحة التي طغت، شيئا فشيئا، على مجمل الفعاليات الشعبية ـ المدنية لهذه الانتفاضة، إلى درجة باتت معها هذه الظاهرة ومنذ أشهر عديدة المعلم الأساسي للمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال.
وقد أثبتت تجربة الأشهر الماضية، من المقاومة المسلحة قدرة الفلسطينيين على توجيه ضربات قاسية قوضت أمن الإسرائيليين في الأراضي المحتلة وفي المدن الإسرائيلية ذاتها، إذ استطاع الفلسطينيون في عملياتهم رفع كلفة الاحتلال من النواحي البشرية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية، وذلك برغم التفوق العسكري الإسرائيلي وبرغم ظروف الفلسطينيين الصعبة.
وفي محصلة 22 شهرا أدت عمليات المقاومة المسلحة إلى تكبيد الإسرائيليين خسائر بشرية فادحة تمثلت بمصرع حوالي 600 إسرائيليا، من ضمنهم 164 إسرائيليا في العام الأول من الانتفاضة، ما يعني بأن الأشهر العشر الأخيرة شهدت تصعيدا كبيرا في المقاومة نتتج عنها مقتل 436 إسرائيليا. كذلك أدت هذه العمليات إلى حصول أزمة اقتصادية كبيرة، تجلت بشكل خصوصا في انهيار القطاع السياحي في إسرائيل وتراجع قيمة العملة وتدني الاستثمارات الخارجية فيها وزيادة في الإنفاق على المجالات الأمنية، وبنتيجة ذلك شهدت إسرائيل في هذه الفترة نموا سلبيا قدره ناقص نصف بالمئة، وبلغت مجمل خسائرها 10 مليار دولار خلال العامين الماضيين.
أما على الصعيدين الأمني والسياسي فقد نجح الفلسطينيون في زعزعة أمن الإسرائيليين وجعلوا من المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة عبئا سياسيا وأمنيا على الكيان الإسرائيلي، كما بينوا الطابع الاستعماري والعنصري والإرهابي للوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وباتت قضية الاستقلال والدولة الفلسطينية على رأس الاجندة الدولية برغم من كل التعقيدات المحيطة بها.
والمشكلة أن ظاهرة المقاومة المسلحة هذه التي تعتمد على إطلاق الرصاص على المستوطنين أو العسكريين والاشتباك معهم أو زرع عبوة ناسفة في المواقع العسكرية والمستوطنات أو في الطريق إليهما، لم تحظ بحيز واسع من التحليل والدراسة بسبب تحول مثل هذه العمليات إلى حالة يومية اعتيادية باتت معها وكأنها جزء من فعاليات الانتفاضة، وأيضا بسبب الاهتمام الكبير بالعمليات الاستشهادية التي تحصل بين فترة وأخرى في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالنظر للأثر الذي تحدثه مثل هذه العمليات بتداعياتها السياسية والإعلامية.
ودليل ذلك أنه ومن بين 164 إسرائيليا لقوا مصرعهم، خلال العام الأول من الانتفاضة ثمة 59 فقط سقطوا بنتيجة 12 عملية استشهادية في مقابل 105 سقطوا بنتيجة مئات من عمليات المقاومة المتفرقة؛ وفي حين لقي 66 من هؤلاء مصرعهم في داخل إسرائيل (فلسطين المغتصبة) لقي 98 منهم مصرعهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة والقطاع. وقد نجم عن هذه العمليات بالإضافة للقتلى إصابة مئات الإسرائيليين بجروح مختلفة. أما بالنسبة لنوعية القتلى الإسرائيليين، فهي كانت على النحو التالي: 51 عسكري وضابط، 72 مستوطن، والباقي من المدنيين في إسرائيل. (راجع الجدول رقم 1) وبحسب الجنرال شاؤول موفاز رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي (السابق) فإنه في العام الأول للانتفاضة نفذ الفلسطينيون حوالي 8000 عملية ضد إسرائيل منها 84 عملية داخل الخط الأخضر".(هتسوفيه6/8/2001)
أما في محصلة 22 شهرا على الانتفاضة، فكما قدمنا، وصل عدد الإسرائيليين الذين لقوا مصرعهم نتيجة عمليات المقاومة إلى 600 قتيل، حتى نهاية شهر يوليو/2002 (راجع الجدول رقم 2)، من ضمنهم 130 إسرائيليا سقطوا خلال شهر مارس 2002 لوحده، و175 إسرائيليا خلال الأشهر الأربعة الأخيرة (مارس ومايو ويونيو ويوليو) أي بعد هجمة السور الواقي وفي خضم هجمة "الطريق الحازم" ما يعني فشل الحملات العسكرية الإسرائيلية في وأد عمليات المقاومة.
وبحسب المصادر الإسرائيلية، فقد قتل 105 جنديا إسرائيليا في الاشهر الستة الأولى من هذه السنة، ولكن مجموع القتلى من الجنود، وصل إلى 153 جنديا إذ أنه إضافة الى القتلى بنتيجة عمليات فدائية قتل 15 جنديا في المواجهات مع الفلسطينيين، و 15 جنديا أثناء تواجدهم في إجازة وتوفي تسعة جراء أمراض منهم ستة حالات وفاة يشتبه بأنها انتحار وتوفي ثلاثة لأسباب أخرى.(يديعوت أحرونوت 9/7) وبحسب صحيفة معاريف (31/7)، فإنه منذ 29 أيلول 2000 وحتى 30/7 (قبل العمليات الأخيرة) قتل 583 شخصا: 220 منهم (38%) داخل الخط الأخضر، و 204 منهم (35%) في الضفة الغربية، و 106 منهم (18%) في القدس، و 53 منهم (9%) في قطاع غزة.
وبشكل عام فإن إسرائيل دفعت ثمنا بشريا فادحا خصوصا إذا علمنا أن عدد الإسرائيليين الذين لقوا مصرعهم، خلال الانتفاضة الكبرى(1987ـ 1993) أي خلال ست سنوات بلغ 383 وإذا علمنا أن عدد من سقط منهم برصاص المقاومة الوطنية والإسلامية، في جنوب لبنان وبقاعه الغربي بلغ خلال 18 عاما 800 جندي وضابط.
وبشكل عام فإن اتسام انتفاضة الأقصى بظاهرة المقاومة المسلحة فاجأ الكثيرين بعد أن ساد الاعتقاد بأن الفلسطينيين ساروا في طريق المفاوضات. ويمكن تفسير هذا التحول بعدة أسباب، أهمها:
أولا، سعي الفلسطينيين لإيجاد معادل للجبروت الإسرائيلي، وإقناع إسرائيل بأنه ثمة ثمن لسياسة البطش والتقتيل التي تعتمدها في مواجهة الانتفاضة. ومعلوم أن هذه السياسة بدأها باراك، بدليل أنه استشهد في الشهر الأول للانتفاضة 131 فلسطينيا وفي الشهر الثاني 116 فلسطينيا (راجع الجدول رقم 3)، وقد استشهد في العام الاول للانتفاضة 682 وجرح حوالي 30 ألفا من الفلسطينيين، وهذا العدد يشكل نصف عدد الشهداء الذين استشهدوا خلال ثلاث سنوات من السنوات الست للانتفاضة الكبرى(1987 ـ 1993). ومعلوم أن إسرائيل انتهجت أيضا سياسة التصفيات إذ اغتالت 66 من نشطاء الانتفاضة وقيادييها، في 52 عملية اغتيال، في العام الأول للانتفاضة، هذا إلى جانب سعيها الدؤوب لتدمير المجتمع الفلسطيني ماديا ومعنويا، هذا وقد بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين بعد 22 شهرا على الانتفاضة 1800 شهيد وحوالي 45 ألف جريح و7 آلاف من المعتقلين.
ثانيا، اقتناع الفلسطينيين بأن طريق المفاوضات وصل إلى طريق مسدود وأنه لا بد من انتهاج طريق أخر يتأسس على الضغط والمقاومة لرفع كلفة الاحتلال وجعله مستحيلا على إسرائيل والإسرائيليين.
ثالثا، زعزعة أمن المستوطنات والمستوطنين، خصوصا، وأن التجربة أثبتت بأن إسرائيل تحاول عن طريق المفاوضات تعزيز الاستيطان الذي تزايد بنسبة الضعف خلال التسعينيات وفي مناخ عملية التسوية ذاتها.
رابعا، كان من المتعذر على الفلسطينيين ولأسباب موضوعية انتهاج وسائل الانتفاضة الأولى، أي المقاومة الشعبية المدنية، بسبب خروج الاحتلال من مدنهم وأيضا، بسبب وجود السلطة الفلسطينية، وهو ما جعل الصراع وكأنه بين كيانين، إذ أن أجهزة السلطة وفصائل المقاومة انخرطت في الدفاع عن المدن الفلسطينية وحتى في عمليات المقاومة ضد المستوطنين وضد الجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.
الآن ثمة جدل في الساحة الفلسطينية حول المقاومة المسلحة على ضوء الضغوط الدولية والتطورات الحاصلة بعد الهجوم الإرهابي على أمريكا(11/9) ولكن هذا الجدل يجب أن يتركز حول ضرورة وجود استراتيجية سياسية للانتفاضة ومراجعة أشكالها النضالية، وخصوصا العمليات الاستشهادية، كما على فحص توقيت هذه العمليات وأهدافها ورسالتها السياسية. والأكيد أن عمليات المقاومة المسلحة هي التي ساهمت برفع كلفة الاحتلال وقوضت أمن الإسرائيليين وجعلت من المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة عبئا سياسيا وأمنيا على الكيان الإسرائيلي، ولكن من المهم مع ذلك أن يسعى الفلسطينيون للربط بين كفاحهم السياسي وبين استراتيجية المقاومة وأن يوجدوا، أيضا، معادلة كفاحية لا تورطهم بردات فعل لا يقدروا على تحمل نتائجها، بحيث يقتصدوا في قواهم في مواجهة عدوهم.
أيضا فإن الفلسطينيين معنيون بمراجعة دور العمليات الاستشهادية لأن هذه العمليات باتت تخلق حساسيات وخلافات هم في غنى عنها، لأنها تضر بسلامة ووحدة مسار الانتفاضة. وربما أنه يمكن الاستعاضة عن هذه العمليات الاستشهادية بتفعيل البعد الشعبي للانتفاضة وبوضع استراتيجية للمقاومة المسلحة تتأسس على خوض العمليات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ضد مواقع الجيش والمستوطنين وهو ما أكدت كل الفصائل الفلسطينية قدرتها عليه، ونجاحها فيه.
وعلى العموم فإن الفلسطينيين معنيين بخوض المقاومة المسلحة انطلاقا من عدة مفاهيم من ضمنها: أولا، أن العمل المسلح الفلسطيني لوحده لا يستطيع أن يحقق أهداف الفلسطينيين وأن هذا العمل ليس غاية في ذاته، وأنه يجب أن يقترن بخطة سياسية مسؤولة تؤدي إلى نتائج ملموسة؛ ثانيا، ضرورة تفويت الفرصة على إسرائيل التي تريد إظهار الانتفاضة باعتبارها عملا مسلحا يستهدف أمن المدنيين في إسرائيل ذاتها للتغطية على ممارساتها الإرهابية ضد الفلسطينيين؛ ثالثا، عدم الانجرار إلى الفخ الذي تنصبه إسرائيل بجر الانتفاضة إلى الميدان الذي تتفوق هي فيه، أي الميدان العسكري، خصوصا أن هذا الوضع يحرر إسرائيل من القيود الدولية، كما أنه يزيد من كلفة الانتفاضة على الجماهير الفلسطينية ويؤثر على قدرتها على التحمل وبالتالي فإنه يؤثر على طول نفس الانتفاضة في صراع يفترض أنه طويل ومعقد ومضني؛ رابعا، الاعتقاد بأن الأوضاع الراهنة على الصعيدين الدولي والعربي لا تسمحان بترف طرح الشعارات، مهما كانت نبيلة، وأن هذه الأوضاع تعترف بشرعية الكفاح الفلسطيني من أجل دحر الاحتلال من الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصا وأن الانتفاضة بحد ذاتها التي تجري في الحدود الجغرافية والبشرية لهذه الأراضي لا تستطيع حمل عبء إيجاد حلول لمجمل قضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي. * ماجد كيالي – كاتب فلسطيني

(الجدول
رقم 1
)

قائمة بالخسائر البشرية
الإسرائيلية

خلال الفترة 29/9/2000 ـ
1/11/2001

الإصابات

مدنيون

قوات أمن

المجموع

جرحى

1311

577

1888

قتلى

139

52

191

نوع الهجوم

مدنيون

قوات أمن

المجموع

حجارة

2

0

2

طعن

2

0

2

دهس

1

7

8

قتل

12

2

14

إطلاق نار

64

33

97

قصف

5

4

9

عمليات استشهادية

49

4

53

سيارات

مفخخة

4

2

6

المجموع

139

52

191

*عن
موقع الجيش الإسرائيلي على الانترنيت

نقلا عن مجلة الدراسات
الفلسطينية العدد 49 شتاء 2
002ص
163 ـ 164

(الجدول
رقم 2
)

الخسائر البشرية
الإسرائيلية خلال انتفاضة الأقصى

في الفترة من 29/9/2000
إلى 30/6/2002

الإجمالي

جنود

مدنيين

الخسائر

561

176

385

قتلى

4212

1217

2995

جرحى

جدول يوضح عدد
القتلى الإسرائيليين من الجنود و المدنيين

حسب نوعية الإصابة
من 29/9/2000 إلى 30/6/2002

الإجمالي

جنود

مدنيين

نوع الإصابة

2

0

2

حجارة

5

0

5

طعن

8

7

1

دهس

15

2

13

قتل

225

99

126

إطلاق نار

42

28

14

تفجيرات

236

20

216

عمليات استشهادية

24

16

8

سيارات مفخخة

1

1

0

قذائف هاون

3

3

0

أخرى

561

176

385

المجموع

             

* عن موقع انتفاضة الأقصى
التابع للهيئة العامة للاستعلامات (السلطة الوطنية الفلسطينية) على الانترنيت

(الجدول
رقم 3
)

جدول يوضح عدد شهداء
انتفاضة الأقصى من حيث المنطقة والشهر

في الفترة من 29/9/2000
إلى31/12/2001

المنطقة

2000

2001

المجموع

9-10

11

12

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

قطاع غزة

42

56

24

11

7

14

25

29

12

10

20

28

28

23

45

374

الضفة

89

60

36

11

16

25

14

25

15

35

24

36

61

24

34

505

المجموع

131

116

60

22

23

39

39

54

27

45

44

64

89

47

79

879