المقاومة السلمية والمطالب المشروعة

بقلم: د. عبد الله يوسف الجبوري

يزداد يوما بعد يوم تحلي العراقيين بالصبر وتمسكهم بثوابت كانت ولا زالت من حق الشعوب، تمسكهم بحقهم الوطني يجب أن لا يكون اقل من غيرهم، وما ذاقوه لا نريده أن يقلل من هذا التمسك بل يجب أن يزداد باتجاه هذه الثوابت، الوطن والأرض والحرية وبناء مؤسسات تخدم المجتمع، ورفض التسلط والوصاية، كلها يجب أن تكون قبل البناء الديمقراطي الذي بات البعض يتشبث به لإفراغ العديد من ثوابت المواطنة من محتواها الحقيقي، ومن بين هذه الثوابت التحرر من القيد الدامي الذي جاء به البعض إلى العراق أو أسهم في أن يطول في معصم شعب مقهور، ألا وهو الاحتلال، وبالرغم من الحسنة الكبرى التي ربما يلوذ بها البعض، ولا نريد أن نقلل مما يدعون، فهو حقهم أيضا، وهي التخلص من النظام الدكتاتوري، فأنه لا بد من وضع الضمير الفردي وتطبيقات الأرض فيما يتعلق بالمقارنة بين ماض وحاضر، هذه المقارنة أيضا لا نريدها دائما أن تكون سترا ونختفي خلفها أو أن ندس رؤوسنا في الرمل لكي نتعامى عن الحقيقة.
وصبر العراقيين أمر لا يمكن تجاهله فهم من الشعوب الناهضة والمقاومة ومن الشعوب التي يزداد فيها العطاء الإنساني والحضاري، وهو شعب وبسبب انتمائه إلى أمة عريقة، يحاول البعض أن يسلخه منها، فأن ما ينتج عنه تجده يصب في مجرى النهوض الحضاري الذي عرفته الأمة العربية اكثر من غيرها لولا تردي المستوى الذي وصل إليه قادة الحكم ومنظرو السياسة،، ولكي لا نملأ جوف القارئ بمفردات ربما عفا عليها الزمن ولكن أريد أن أقف مع غيري متسائلا حول رفض العديد من الذين يتصدرون دفة الحكم والسياسة مفهوم المقاومة، وكأنها عار أو كأنها جريمة يرتكبها شعب ضد الآخرين متجاهلين أن العراق معتدى عليه في أرضه وخيراته وقيمه وشرف نسائه وفي كل شيء،، وبالرغم من أن دعوات البعض للمطالبة برفض المقاومة يمكن أن نجد له عذر أو مبرر، إلا أنه لا يمكن تجاهل الحق وثوابته في الحياة اليومية لشعب لم يذق طعم الحرية الحقيقية ولم يذق طعم التحرر برغم زوال اكثر من كابوس عنه.
فالذين يريدون للاحتلال البقاء يجب أن لا ينكروا على الآخرين مطالبة المحتل بالرحيل وبشكل سلمي قبل أن تتحول أحجار العراق إلى كتل من اللهب تحرق الأرض التي يقف عليها المحتل ومن يصطف معه. وبقدر احترامنا للآراء فأنه من غير المنطقي أن الذي يدعي الوطنية ويدعي النزاهة ويدعي أنه يريد الديمقراطية يطالب بذات الوقت ببقاء المحتل، بل ويدين كل من يقف بوجه المحتل حتى لو كان ذلك بالطرق التي يريدون تسميتها بالسلمية.
نعم قد نتفق جميعا على ضرورة إبعاد الشعب والممتلكات والبنى التحتية عن نار القتال الدامي فالأرواح عزيزة والأملاك عزيزة والوطن عزيز ولا نريد أن نأخذ بأيدي أبناءنا إلى شفا حفرة من النار حاشى لله، ولكن لنقف وبهدوء نتساءل مع دعاة المنهج السلمي في المقاومة، وربما نرضخ لهم ولما يريدوه ولكن من حقنا نتساءل ما هي أسس المقاومة السلمية؟ ومن هو الذي يجب أن يقاوم سلميا؟
لاشك أن البعض ربما يؤاخذنا على ذلك ونحن لا نختلف معهم في كثير من الطروحات النظرية والمواقف المؤيدة والرافضة، ونحاول جاهدين أن نجد عذرا لمن لا يملك عذرا في أن الاحتلال وبحسب دعواهم خلصنا وحررنا من العبودية، ولكن ألا يحق لنا أن نتشاور مع من مد لنا يد العون ونطالبه بأن يحدد فترة معقولة ومقبولة للرحيل ونحتفظ له بهذا الجميل؟ أو أن نفتش له بين ثنايا القانون الدولي لنجد له مخرجا يحفظ له ماء وجه ويقدم لنا فرصة التمتع بالحرية التي طالما رددها ساسة البيت الأبيض الأمريكي بشكلها المشوه لنا والحقيقي لشعوب الدول التي تقتلنا كل يوم وتدمر ثرواتنا كل يوم وتعتدي على قيمنا وكتبنا المقدسة كل يوم؟
نحن نحاول أن نسهم في جهد وطني مشترك باتجاه التقليل من الدمار الوطني ولكن المحتل تجاوز الحدود التي يرفضها العقل والمنطق، وقبل العراقيون إملاءات بول بريمر وقبل العراقيون تدنيس القيم الاجتماعية وقبل العراقيون مأساة أبو غريب وتداعياتها الدولية، ولكن لا يستطيعون أن يتحملوا اكثر من ذلك، فرقاب الشيوخ وأعراض النساء تنتهك كل يوم والمحرمات يتجاوز عليها القاصي والداني والثروات تنهب في وضح النهار، ويطالبنا قادة العراق الجدد بالصبر على أمل أن نصل إلى الأحلام الوردية.
ومن بين ما يريدونه أن نقاوم سلميا، فالطفل الذي يقتل في الشارع وهو يلعب والخوف الذي يحيط بالجندي الأمريكي وفزعه من كل شيء يتحرك، لا يمكن أن يقاوم لأننا لا نستطيع أن نعيد للمرضى النفسيين حالتهم الطبيعية، لأننا بصراحة لسنا مستعدين أن نسجن أطفالنا في البيوت لكي لا يخاف الجندي الأمريكي! ويطالبوننا بأن ندين المقاوم، وان نصدق ما يقولونه من أن الإرهاب والمقاومة وجهان لعملة واحدة، فهذا أمر لا يمكن لشعب أن يقبله، فعندما تشتد قضية استعمال القوة المفرطة وبحجج واهية نتطلع للحكومة أن تقف موقفا مشرفا، وان تقاوم بشكل سلمي فهي حكومة لا تحتج ولا تعتصم ولا تعلن الإضراب العام، بل تطلب من الشعب أن يعمل لخدمة المحتل وان يخضع لإرادته وان يقبل بما يقوله جندي واحد ويأمر مدينة بأكملها أن تكون مخطأة وتقبل بما يمليه عليها، وعندها تفتخر الحكومة بأن الشعب تجاوب ولم يكن إرهابيا.
إلى متى يستمر هذا الوضع الذي لا يمكن لشعب أن يقبله؟ إن ما يجري يوميا في العراق يريد البعض من قادة العراق الجدد أن يضعوه في خانة الديمقراطية إن أتى من المحتل،، وأما إن أتى من الشعب فهو إرهاب وهو يستحق أن تعاقب مدينة بأكملها لأن مقاوم أطلق إطلاقة أو فجر لغما ضد الدبابة الأمريكية، لماذ لا نقاوم إذا كان هكذا هو العقاب الجماعي؟ فمن يضمن أن تقوم الحكومة بخطوة مشرفة عندما تصرخ النساء ليلا تحت فوهات بنادق المحتل؟ ومن يا ترى يمكن أن يضمن لو لجأ الشعب إلى المقاومة السلمية، أن تستجيب أمريكا إلى نداء الضمير الإنساني والدولي وتتراجع عن مخططها ألتدميري ليس للعراق ولكن لكل ما يحيط بالعراق؟
إننا ومن باب الحرص على ديمومة العلاقة بين الحكومة والشعب، ندعو حكومة الدكتور الجعفري ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب المتحالفة إلى الخروج ببرنامج للمقاومة السلمية تقبل به الأطراف التي تعاني من الظلم والحرمان وأن تتكرم علينا حكومة الجعفري بأن تحتج بشكل نستمع صداه ويأتي بنتيجة ضد تصرف أي جندي أمريكي يحكم حكومة باتت ترهق الشعب بسياستها بما تطلبه من صبر وعدم التعرض للمحتل وهي ذاتها لا تستطيع أن تحمي نفسها من عدوانية وخوف وقلق الجندي الأمريكي. د. عبد الله يوسف الجبوري
مدير تحرير جريدة المغترب العربي