المفاجأة الليبيّة!

بقلم: رعد الحافظ

مدنيّة، علمانيّة، بين إسلاميتين!

هذا آخر ما توقعتهُ شخصياً للحالة الليبيّة.

كنتُ، وربّما غيري كثير، ننتظر فوزَ الليبراليين في تونس نظراً لتأريخها المدني العلماني العريق نسبياً.

منذُ الحبيب بورقيبة الرئيس العربي الأكثر واقعيّة بين الجميع في حينهِ.

بينما في الحالة المصريّة كانت محض اُمنيّة ليس أكثر بفوز الليبراليين.

نظراً لمعرفتي عن كثب بمصر وأحوال اُمّ الدُنيا، وطريقة إنتشار مظاهر التديّن من الحجاب والنقاب والزبيبة، الى ظاهرة "فريق السجّادين العرب".

ثمّ أن الشعب المصري وجد نفسهُ في النهاية أمام خيارين أحلاهما علقم، فقرّر إستبعاد المُجرّب، أيّ العسكر الذين حكموا ستينَ عاماً. ونكايةً بهم إضطر لقبول الإسلاميين، كمن يتجرع كأس الحنظل!

لكن كيف فاز العلمانيّون في ليبيا؟

مع أنّ النتائج الرسميّة لن تُعلن قبل الإسبوع القادم، لكن الأخبار تحدّثت اليوم، عن فوزٍ ساحق للتحالف الوطني بزعامة رئيس الوزراء السابق محمود جبريل في طرابلس.

فهل لسياسة ونضوج شخصيّة جبريل الذي قاد التحالف الوطني المعتدل وجمع أربعين صنفاً من القوى الوطنيّة تحت مظلتهِ، يعود الفضل الأكبر؟

ربّما عقلانيتهِ بترك الوزارة بعد أن قادها لبضعة أشهر جمعت قلوب الليبيين حوله.

أم أنّ الشعبَ الليبي كان أذكى من الجميع، فأعاد النظر كرّتين، الى مصر في الشرق، والى تونس في الغرب؟

فإرتد بصر الليبيّين، ولم يروا سوى المستقبل المجهول؟

"مبروك". كلمة لم أستطع نطقها في الحالتين المصرية والتونسيّة (كتب يومها لمرسي "هشتكنا وبشتكنا يا ريّس").(بالمناسبة، اليوم إجتمع رئيساها مُرسي والمرزوقي... خير إن شاء الله).

لكن اليوم أقول مبروك للشعب الليبي، بعد أوّل إنتخابات حُرّة، بعد أكثر من أربعة عقود، من الحكم الديكتاتوري المجنون.

ثرتم وضحيتم وصبرتم فاستحققتم الرفعة. وكلّي أمل بأن يسود العقل والحوار في التفاصيل التي يكمن الشيطان في ثناياها.

المطلب الفيدرالي مثلاً في إقليم برقة، الذي يعود ربّما حُلم تشكيلهِ الى عام 1951، وهو عام تأسيس دولة ليبيا الإتحادية.

أنا شخصياً، لا أرى غضاضة في الفيدراليّة ذاتها شرط توّفر ظروف نضوجها، أيّ الديمقراطيّة.

لكن مع أنّ الليبيين الذين يتبنون الفكرة، عقلاء تعود إصولهم الى العائلة السنوسية المالكة.

وفي الواقع الهدوء والحكمة تطغي على كلام قائدهم، السيد أحمد الزبير السنوسي.

مع ذلك للشعب الليبي يعود القرار، وحتماً ستظهر التداعيات!

وخلال الإنتخابات، أغلق مسلحون مؤيدين للفيدراليّة، مرفأ رأس لانوف، شرق ليبيا، وقالوا أنّ إعتصامهم الذي إستمر 70 يوما لم يُقابل بالإحترام من المجلس أو الحكومة، ولم تُلبَ مطالب الثوّار!

تحذير فيدرالي

لكن من جهة اُخرى يجدر بي تحذير الأحبّة الليبيين، من التجربة العراقية بخصوص الفيدراليّة.

علماً أن لا فيدراليّة في كل العالم تشبه فيدراليتنا.

أنا شخصياً لا أدعوها فيدراليّة، وهي أبعد حتى من الكونفدراليّة.

بصراحة أنا أدعوها... منشارية!

وعذراً لأصدقائي وأحبتي الأكراد، لكن واضح قصدي منشارية ساستهم طبعاً، وكذلك بعض كتّابهم الكرام

أحدهم يُغيّر حتى أسماء المدن في سوريا ويضع شروطهِ على الثورة السورية (ولا أفهم بأيّ صفة يفعل)، ليوافق على تعاون الأكراد مع إخوانهم العرب في إزاحة الطاغية البعثي الأسدي.

وللعلم فإنّ أكراد سوريا ليسوا كأكراد العراق من أصل واحد. فهم وصلوا من مناطق مختلفة، أرمينيا وتركيا وإيران وغيرها.

وهذا التنوّع، قد يزيد عندهم حالة قبول الآخر.

ثمّ أنّ طاغيتهم ليس كصدّام وعلي كيمياوي، عقّدوا أغلب أحبتنا كُرد العراق، من كلّ شيء عربي!

ملاحظات

1/ نسبة المشاركة في الإنتخابات الليبيّة كانت عالية نسبياً حوالي 62%.

2/ الرقابة الدوليّة أعلنت رضاها عن نزاهة الإنتخابات رغم أحداث العنف التي سبقتها.

3 / أحداث عنف في شرق البلاد، قام بها أنصار الفيدراليّة إحتجاجاً صريحاً منهم على توزيع مقاعد الجمعية الوطنيّة بواقع 100 مقعد للغرب، و60 مقعدا للشرق، و40 للجنوب.

4/ محمود جبريل، دعا الى تشكيل حكومة إئتلافيّة واسعة في ليبيا، دعا 150 حزبا للمشاركة فيها.

(أنا أتمنى أن يراجع قراره هذا ويستفيد من التجربة العراقية و43 وزارة في حكومة شراكة فاشلة).

5 / من مقال في الواشنطن بوست للكاتب الأميركي تشارلس كراوتامر بتأريخ 13 يوليو بعنوان "السطوة الإسلاميّة"، يُحذر بإنّ الثورات التي إبتدأت من الفيس بوك وقامت بها الشعوب نتيجة الظلم والفقر والمهانة التي وصلت إليها الأمور في عهد العسكر الديكتاتوريين، ستقود بالتالي الى دول إسلاميّة فيتحوّل الربيع العربي الى ربيع إسلامي ليس إلاّ.

الخلاصة

التيارات الإسلاميّة تجتاح المنطقة المُسماة العربية، من العراق شرقاً الى المغرب غرباً.

بالطبع بلدان الربيع العربي كانت مركز ذلك الإجتياح الإسلاموي.

فهل نتائج الإنتخابات الليبيّة سيكسر هذا الطوق، أو يوّفر ثمّةَ ثغرة للأمل؟ الأيام أو الشهور القادمة ستُجيب!

لكن علينا الإنتباه لنقطتين قد تكون ساهمت بطريقةً ما في النتائج الليبية:

أولاً / الحالة الإقتصادية، أو الفقر والعوز، عموماً في ليبيا أفضل وليس كمثيلهِ في مصر العزيزة.

لاحظوا قصدي عن تأثير المعونات السلفيّة المشروطة والمُهينة للشعب، لأنّ الإسلاميين لا يساعدون أحداً هكذا لوجه الله!

ثانياً / الحالة القبليّة، في ليبيا أكثر تأثيراً في الحياة السياسيّة والإجتماعيّة، عن جاراتها تونس ومصر.

ما يعني عندي ومن عموم قراءاتي لمعلمي الأوّل د. علي الوردي أنّ تأثير القبيلة على سلوك الفرد وسطوتها عليه وخضوعهِ لها يفوق غالباً تاثير الأديان ورجالها ومشايخها وسدنة وكهنة المعبد.

فهل ساهمت الحالة الإقتصادية والحالة القبليّة في النتائج الليبيّة؟

أنا أزعم ذلك، دون شعور كبير بالمجازفة!

أخيراً، عزائي للشعب السوري البطل وللإنسانية جمعاء،بالمذبحة الأسدية الأخيرة، أو مجزرة التريمسة لو شئتم حتماً يوم الحساب باتَ قريباً وعسيراً، ومصير القذافي يلوح بالأفق.. يا بشّار!

رعد الحافظ

raad57dawood12@yahoo.com