المغرب العربي المعاصر في كتاب جديد

بقلم: د. ابراهيم خليل العلاف
التمسك بالوحدة الوطنية واحترام التنوع الاثني

مما يؤكده كتاب الدكتور محمد علي داهش "دراسات في تاريخ المغرب العربي المعاصر"، أن الانسان المغربي استطاع ورغم الظروف الاستعمارية الفرنسية والاسبانية والايطالية اثبات وجوده، والكفاح المستميت من اجل الاستقلال والحرية ثم السير بخطى حثيثة لبناء المغرب العربي الإسلامي الكبير خاصة بعد ان شهدت الساحة الدولية نشوء العديد من التكتلات السياسية والاقتصادية والعسكرية الكبرى.

الدكتور داهش يدعو ـ في الكتاب الصادر عن مركز الكتاب الأكاديمي بعمان بالأردن ويقع في 232 صفحة من الحجم الكبير ـ إلى ضرورة الأخذ بكل الأسباب والعناصر التي تؤكد ضرورة التجمع لا التفرق، سواء على الصعيد الإقليمي أو ألعربي ومحاولة الوصول إلى تكتل إقليمي في مجالات الحياة تباعاً للوصول إلى الاتحاد لان ذلك يعطي للمفاوض المغاربي (والعربي) القوة الأكبر على مواجهة التكتلات القائمة وبخاصة الاتحاد الأوربي المواجه في الضفة الشمالية من البحر المتوسط.

ويعد هذا الاتجاه احد السمات البارزة في كتاباته فهو من دعاة التمسك بالوحدة الوطنية واحترام التنوع الاثني في الإطار الوطني، كما هو من دعاة التجمعات الإقليمية العربية التي تقود إلى الاتحاد العربي واحترام مكانة الانسان وحقوقه وكرامته في ظل الديمقراطية الحقة، وتعزيز مكانة العرب في عالمنا المعاصر.

يحتوي الكتاب على ثماني دراسات، ويطرح الدكتور داهش في هذا الكتاب قضية خطيرة وهي "الهوية" ومعاناة شعوب المغرب العربي من التحدي الاستعماري الفرنسي منذ القرن التاسع عشر حتى النصف الثاني من القرن العشرين، حيث جرى الاستهداف الممنهج ضد لغة وثقافة وديانة الشعوب المغاربية طوال المرحلة الاستعمارية.

ويؤكد: "إن السياسة الفرنسية اتجاه العروبة والإسلام شملت كل أبناء المغرب العربي من خلال الجهود التعليمية والتبشيرية المدعومة بكل الإمكانات الاقتصادية العالمية". وقد تركزت السياسة الاستعمارية الفرنسية على البربر – الامازيغ - خاصة "لأهداف مرحلة ومستقبلية تخدم الأهداف الاستعمارية، للعمل على إخراجهم من إطار الدين واللغة العربية وثقافتهما، وفرنستهم وجعلهم عنصراً مضاداً للاتجاه الوطني والمغاربي والعربي الإسلامي العام.

لقد دافع أبناء المغرب العربي جميعاً من العرب والامازيغ من هويتهم الدينية والثقافية والحضارية الجامعة والموحدة ضد محاولات الفرنسة، وهذا الاتجاه ظل موجوداً بالشعور والإحساس بالانتماء إلى شخصية تاريخية تكونت على قاعدة عربية إسلامية، ذلك أن الوحدة الثقافية العربية الإسلامية مع احترام التنوع في اللهجات البربرية، تبني الشخصية الوطنية الواحدة في إطارها الأوسع ويؤكد على ضرورة الحوار الداخلي وبناء الذات القوية المحصنة بالهوية العربية الإسلامية والدفاع عنها بكل الوسائل وينتهي بالقول إن الدفاع عن الهوية كان عنوان مرحلة الكفاح ضد الاستعمار وكذلك في مرحلة ما بعد الاستقلال.

وفي مجال آخر يذكر أن الشعوب المغربية سارت عبر كفاحها وراء أمنيات وأهداف وطنية وعربية تؤكد ضرورة العمل الكفاحي الموحد في كل المجالات وأشار إلى ان هذا الاتجاه الوحدوي المغاربي بدأ منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى واخذ وضعه التنظيمي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بتأسيس "مكتب المغرب العربي" و"لجنة تحرير المغرب العربي في القاهرة" منذ عام 1947، 1948 تباعاً، وقد حاولت الحكومات المغربية السير في العمل المشترك إلا أن الجهود تعثرت ولم تثمر عن نتيجة حتى كانت ثمانينيات القرن العشرين حيث انشأ القادة المغاربيون "اتحاد المغرب العربي" عام 1989، وكان من المؤمل ان يسير هذا الاتحاد بالاتجاه الذي يقوي العمل المشترك ويعزز نهج الاتحاد إلا انه أصيب بالشلل التام منذ عام 1994، وكان وراء ذلك أسباب متعددة.

ويعد المؤلف أن قيام واستمرار وقوة الاتحاد المغاربي، خياراً استراتيجياً لمواجهة الاتحاد الأوروبي والتكتلات الدولية القائمة. ومن المؤمل أن تكون الدعوة إلى عقد القمة المغاربية في أكتوبر/تشرين الأول 2012 بداية لتفعيل الاتحاد المغاربي وتطبيق الاتفاقيات (37 اتفاقية) والارتفاع بالعمل المشترك فوق المشاكل الفرعية (الحدود – قضية الصحراء الغربية) ونأمل أن تعود الحياة إلى هذا الاتحاد الإقليمي، وبما يحقق الاهداف التي قام من أجلها.

كما وقف عن مجريات الكفاح الشعبي المسلح في المغرب العربي عامة، وفي المغرب خاصة ضد الاحتلال الفرنسي والاسباني للمغرب منذ عام 1912، وأشار إلى دور الشريف أحمد الريسوني والمجاهد الكبير محمد بن عبدالكريم الخطابي وثورته المعروفة بثورة الريف أعوام 1921-1926، وتابع كفاح هذا المجاهد الكبير في مصر بعد الحرب العالمية الثانية حتى وفاته عام 1963.

وخلال عرضه للأحداث أكد الباحث على ضرورة البناء الداخلي الوطني الذي يحقق التماسك والمنعة ويمنع الاختراق الخارجي، وهو المشروع النهضوي والوحدوي الذي تبناه الخطابي أثناء كفاحه العسكري والسياسي من أجل تحرير المغرب من الاحتلال الثنائي ومراعاة هيبة وقوة السلطة الحاكمة، ومن أجل تحرير المغرب العربي من الاستعمار الفرنسي طوال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى الاستقلال وأكد أن مشروع الخطابي في النهضة والوحدة والكفاح العسكري والسياسي رغم شيخوخته "متطابقاً مع لغة وأسلوب الجماهير المغاربية"، وكان ذلك طوال مرحلة الكفاح من اجل الحرية والاستقلال والوحدة الكفاحية، وهذه المرحلة كانت احد الأسس التي استندت عليها معاهدة اتحاد المغرب العربي عندما أشارت إلى الكفاح المشترك الذي يجمع شعوب أبناء المغرب العربي من اجل تحقيق الاتحاد المغاربي على أسس قوية تقود إلى (الوحدة العربية) كما جاء في بنود المعاهدة. وهذا التأسيس، ومحاولة التأصيل للجهد المعاصر بجذوره التاريخية والكفاحية يؤكد ضرورة انصياع صناع القرار واحترامهم لجهود ومطاليب الشعوب وتحقيق أمنياتها وأهدافها.

وفي الجانب الآخر، قدم الدكتور داهش معلومات قيمة عن طبيعة المواقف العربية والمواقف العراقية خاصة من القضايا المغاربية طوال مرحلة الكفاح لتحقيق الاستقلال، وعبر عن ذلك فيما طرحته الصحافة العراقية منذ عشرينيات القرن الماضي، سواء بإشارتها للكفاح المسلح، أو بدعوتها لنصرة الكفاح المغاربي مادياً ومعنوياً. ولم تقف المواقف العراقية عند حدود الصحافة، فقد أدّت واجهات الرأي العام (الأحزاب، الجمعيات، البرلمان...) دورها في العمل على تحشيد الرأي العام العراقي والعربي لدعم وإسناد الكفاح التحرري الذي قاده عمر المختار في ليبيا (1911-1931)، أو محمد بن عبد الكريم الخطابي في المغرب، ومن ثم الثورة الجزائرية التي انطلقت عام 1954 حتى الاستقلال عام 1962.

وعلى صعيد الدفاع عن (الهوية) في المغرب العربي، كان للموقف العراقي القدح المعلى ضد (السياسة البربرية) كما كانت تسمى أثناء الاحتلال الفرنسي لأقطار المغرب العربي، فقد عبرت واجهات الرأي العام، وبخاصة الجمعيات الدينية (جمعية الهداية الإسلامية) عن إدانتها واستنكارها الشديدين لسياسة فرنسا اتجاه اللغة العربية وثقافتها، والدين الإسلامي وشريعته، وخاصة مع البربر، والذي تجسّد في "الظهير البربري" الذي صدر في 16 مايو/آيار 1930، وكان أخطر المشاريع الاستعمارية التي أصدرتها فرنسا أثناء احتلالها للمغرب العربي، إذ إستهدف الفصل العنصري بين المكوّن الاجتماعي المغربي الموحد تاريخياً وحضارياً ودينياً طوال التاريخ، كما كان للمؤسسات الرسمية العراقية دورها في دعم وإسناد الكفاح المغاربي وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية حيث قدمت الحكومات العراقية المتعاقبة الكثير من الدعم في السلاح والأموال والمعونات الطبية وغيرها للكفاح المغاربي بصورة مباشرة أو من خلال مكتب المغرب العربي في القاهرة حتى الاستقلال.

يقينا فإن الكتاب يعد اضافة قيمة الى ما هو معروف من كتابات ودراسات عن المغرب العربي ففيه نتلمس دعوة جادة إلى أمرين اثنين اولهما بناء الذات الوطنية على أسس عربية وثانيهما العمل الجاد والموحد للدفاع عن الوحدة الوطنية، والى العمل الإقليمي الواحد في إطاره العربي وتفعيل اتحاد المغرب العربي وإعادة الحياة إليه، وتطبيق كافة الاتفاقيات المبرمة والتي تشكل عناصر قوية في البناء المغاربي، وتدفع إلى تقوية أوراق المفاوض المغاربي إزاء التكتلات الدولة القائمة.

وكتاب الدكتور محمد علي داهش يجيئ استكمالا لدراساته وكتبه الاخرى التي كرس معظمها لقضايا وشؤون المغرب العربي الحديث والمعاصر. والمؤلف من مواليد مدينة الموصل سنة 1953 ويعمل حاليا استاذا في قسم التاريخ بكلية الاداب – جامعة الموصل ومن مؤلفاته المنشورة: العلاقات المغربية – العثمانية، والشريف الريسوني حياة وجهاد والدولة العثمانية والمغرب والمغرب في مواجهة اسبانيا والمغرب العربي المعاصر والصحراء الغربية واتجاهات العمل الوحدوي في المغرب العربي المعاصر.