المغرب... التسامح الصوفي مقابل التطرف الأصولي

التصوف في المغرب يظهر مبنياً في جوهره على فكرة العفو والتسامح والتعايش ومحبة الآخر، ونبذ العنف والكراهية والتطرف والإرهاب. وتتولد منه أنواع كثيرة من التسامح الصوفي والطرقي بالمغرب كالتسامح الديني والعقيدي، والطائفي، وحتى اللغوي، والعرقي والإثني، والتسامح اللوني، والجنسي، والطبقي والاجتماعي، والسياسي والحزبي والنقابي أيضاً.

ويُعتبر المغرب بلدًا صوفيًا خالصًا يحتضن (هو والجزائر) أصول العديد من الطرق الصوفية، كالتيجانية وغيرها. ولكن التصوف تعرّض لنوع من التهميش في الربع الأخير من القرن الماضي، فأهملت الزوايا، وسمح لجماعات الإسلام السياسي والأصولي بالعمل دون ضغط كبير، لذلك فإن الباحث في الجماعات الإسلامية منتصر حمادة يتساءل في مقدمة كتابه عن الطريقة البوتشيشية والإسلام السياسي في المغرب قائلاً: "هل حقاً كان علينا انتظار اعتداءات الدار البيضاء الإرهابية حتى نشهد هذا الإقبال شبه الرسمي على الطريقة؟ وما الذي يمكن أن يقدمه التصوف، أو الإسلام الطرقي في معرض مجابهة الأطروحات الإسلامية المتشددة"؟

ويربط الدكتور محمد جحاح، أحداث 16 مايو الإرهابية بالمغرب، بمؤشر هذه العودة القوية إلى التصوف على حساب التوجه السلفي، مردفاً: إن السياسة الدينية التي انتهجتها الدولة تتجلى في إحياء وتنشيط عدة جوانب من التراث والثقافة الصوفيين من قبيل: مواسم دينية، ومهرجانات ولقاءات عالمية للمنتسبين للتصوف «سيدي شيكر»، وإحياء الزوايا والطرق الصوفية وتشجيعها، وتقديم أشكال الدعم كافة لها، مثل الطرق «التيجانية» و«البوتشيشية» و«الكتانية».

ويطرح جحاح سؤال العودة القوية للتصوف باعتبار أن الإشكال الحقيقي يتمثل في السؤال عن موقع التصوف اليوم من هذه العودة المفترضة، فهل هي عودة من طرف الفاعل السياسي، أي الدولة مثلاً إلى هذا المكون الديني والثقافي والأيديولوجي لأجل استثماره.

يتساءل بعض الباحثين إن كان التدين الصوفي يمثل الوجه التقليدي الطبيعي في وجه التدين المسيس المعاصر؛ أو الإسلام السياسي، وفي ذلك يقول منتصر حمادة: "من المحتمل أن توظف الزوايا في مشروع مواجهة حركات التدين المعاصر ذات التوجه الاحتجاجي أو السياسي " لكنه يعتبر "أنّ الزاوية من حيث بنيتها وإمكاناتها غير مؤهلة للقيام بذلك، فلكل من الطرفين طرق خاصة به في التعاطي مع المجتمع، كما أن المجتمع يبلور باستمرار قواعد التعامل مع المؤسسات فيتم التواضع ضمنياً على تلك القواعد، وتترسخ شيئاً فشيئاً لتصبح معترفاً بها من قبل الفاعلين أو المتنافسين.

الدولة في المغرب تقود نزعة التصوف في المجتمع من خلال مؤسسة الزاوية ضمن فلسفة "منظومة النظام السياسي"؛ أي ضمن القيم والمبادئ التي يقوم عليها ما أصبح يعبر عنه بـ "الإسلام المغربي". ولا يخفي بعض المسؤولين تخوفهم من أن تتحول عودة الزوايا إلى خطر، "فالانتعاشة الجديدة لهذه الحركات الصوفية وتحولها إلى مخاطب مقبول في الغرب، والترحيب بها هناك، وتوفير الدعم المالي، لها قد يخفي وراءه مستقبلاً غير منظور وتصبح عصية على التحكم فيها.

هذا إذا لم نفترض لجوء الغرب غداً إلى توظيفها لأهدافه بالداخل. ويقول البروفيسور عبد الله حمودي، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة برينستون بواشنطن ومؤلف كتاب "الشيخ والمريد": "إن الدولة قوية مركزياً اليوم، وتملك القوة والإدارة، بما في ذلك إدارة الدين".

ويضيف: "إذا حصلت زاوية ما على صيت كبير وقوة مادية وروحية، فدائماً تقوم عليها زوايا أخرى، فإذا تقوت التيجانية مثلاً يمكن أن تتقوى العلوية، أي إذا كانت الزاوية التيجانية إلى جانب النظام يمكن أن تقف العلوية ضدها، أو زاوية جديدة. فهناك تطاحن على الساحة، إذ كل زاوية يهمها أن تقوي نفوذها، هناك التيجانية والعلوية والبوتشيشية والناصرية والوزانية، هذا دون الحديث عن الزوايا الصغرى مثل الحمدوشية والدغوغية وبقايا الشرقاوية وغيرها. وطبعا كانت هناك منافسات في بين الطرق. لكن تبقى المنظومة الفكرية، فهذه الزوايا غالباً ما تسير في اتجاه السكونية والتوجيه إلى العوالم الروحية السامية، وطبعاً يبقى ذلك دائماً داخل الحكم القائم.

أخيراً، يمكن القول: إن توظيف التسامح الصوفي في مواجهة التطرف السياسي الاُصولي الحزبي يبقى محكوماً بمحدودية فعاليته لأن كلاً من الزاوية وحركات التدين المعاصر؛ لا تستثمر في المشترك، بل كل منهما له اختياراته ومخاطبوه أو مريدوه الذين يتم استهدافهم بعيداً عن التقاطع على هذا المستوى، مع أن الدين هو العنوان الكبير والمشترك بين هذه الأطراف، إلا أن الرهانات تكاد تكون غير ذات صلة، فلكل مشروعه وبرنامجه واستراتيجيته".