المغربي الشرقي دهمالي: الحكومات العربية تعتبر إنشاء المتاحف ترفيها وليس أولوية

قلة المتاحف يترك المجال للمهربين

أكد المغربي الشرقي دهمالي الأمين العام للمنظمة العربية للمتاحف، وعضو لجنة الأخلاقيات بالمجلس الدولي للمتاحف، أن وضع الآثار المتحفية العربية يرثى له، وأن لا أحد يهتم أو يبالي بتأسيس وإنشاء متاحف عربية جديدة تستطيع احتواء وحماية وحفظ الثروة المتحفية العربية الضخمة، مشيرا إلى أن الحكومات العربية تعتبر إنشاء متحف أمرا ترفيهيا لا يليق التفكير به في ظل مجريات الأمور الآن على الساحة العربية، مطالبا الدول العربية بالتوقيع على الاتفاقيات الدولية المختصة بحماية الممتلكات المتحفية والثقافية.

قال دهمالي: إن الحكومات العربية لا تعطي المتاحف الأهمية اللازمة، فأغلبية المتاحف موروثة عن العهد الاستعماري ولم يتم تطويرها بالشكل اللازم، حتى طريقة العرضة لا تزال كولونيالية/ استعمارية، وليست الطريقة التي تعبر عن الواقع الاجتماعي الذي يعيشه العالم العربي حاليا، انظر المتاحف في الدول الأوروبية إنها تتطور مع تطور الأحداث والتقنيات، ونحن حتى الآن تجد الواجهات الزجاجية هي نفسها، والتحف يغطيها الغبار، بالتأكيد هناك بعض النماذج المشرفة تعطي طابعا جديدا للمتاحف العربية، تحظى بتقنيات متحفية جديدة تبعا لتوصيات المجلس الدولي للمتاحف، لكن هذه المتاحف قليلة جدا.

ورأى دهمالي أن عدد المتاحف قليل في عالمنا العربي قياسا للإرث الحضاري العربي وحضارة وادي الرافدين وحضارة مصر القديمة والحضارة الإسلامية.

وأضاف أن أميركا التي تم اكتشافها في القرن الخامس عشر لديها آلاف المتاحف مع العلم أن العمر الحضاري لها قصير جدا بالنسبة لنا نحن العرب، في حين دولة كالعراق التي تمتلك أقدم حضارة عرفتها البشرية؛ حضارة وادي الرافدين؛ متاحفها قليلة جدا ولا تعكس ثروتها المتحفية الحضارية، الأمر لا يرتبط بالإمكانيات، فالإمكانيات يمكن تجاوزها سواء كانت مادية أو غيره، الأمر يرتبط بالرغبة السياسية والاجتماعية في إنشاء المتاحف، إذا توافرت هذه الرغبة فكل شيء يهون.

وأشار دهمالي إلى وجود خلل ما لدى الحكومات العربية، وقال إنه حتى المجتمع المدني لم يوجه طلبات ملحة لإنشاء المتاحف والتوسع بها، هناك بعض الأصوات لكنها تبقى خافتة، أما الحكومات فعندما تأتي بمشروع متحف عند محافظ مدينة أو منطقة أو إقليم فهو يفضل أن يعيد بلاط رصيف عمومي في المدينة على أن ينشيء متحفا صغيرا للمدينة، مع العلم أن المتحف يشكل ذاكرة تاريخية، وعندما تزور دولة أجنبية فأول ما تزور هو المتحف، المتحف هو الذي يعطيني الملخص العام لحضارة البلد ومن ثم تنتقل إلى دور الثقافة والمطاعم والمزارات السياحية وغيرها، المتحف مهم جدا حتى أن أحد رؤساء آسيا قرر أن يستقبل كل الوفود الأجنبية في المتحف الوطني لدولته، هذا قرار ذكي جدا. تخيل أن رئيس دولة كل استقبالاته الرسمية للوفود الأجنبية تتم في المتحف الوطني لتلك الدولة، هذا له دلالاته السياسية والتاريخية حيث يضعهم أمام الامتداد الحضاري لتلك الأرض.

ولفت دهمالي إلى أن النخبة وأصحاب القرار في عالمنا العربية لا يزالون يعتبرون المتاحف والثقافة هي بمثابة ترف، يعني إنشاء متحف في مدينة هو ترف، لا ليس ترفا إنشاء متحف في مدينة، بل أن المتاحف ودور الثقافة وكل ما يرتبط بالمؤسسات الثقافية ليس ترفا في أي مجتمع وإنما ضرورة ملحة كالماء والهواء والأكل، فضلا عما تمثله من كونها خطاب تسامح بين الشعوب، وحضورها يقاوم العنف والتطرف، ومجتمع يحتفي بالمتاحف وما تحمل من خصوصيات ثقافية لن يخرج إنسانا عنيفا أو متطرفا، حيث سيرى فيها الشواهد المادية، وليس الكتابات فقط، التي تؤكد له خطاب التسامح عند أسلافه القدامى، وكيف أن العرب تواجدوا مع أوروبا في الأندلس وكيف نقلوا العلوم من اليونانية إلى اللاتينية وكان العرب هم الجسر.

وحول دور المنظمة العربية للمتاحف ودورها فيما يجري لآثار العراق وسوريا واليمن وليبيا وغيرها من البلدان العربية، أوضح دهمالي "نحن ممثلون في المنطقة العربية للمجلس الدولي للمتاحف، ودورنا يبقى دورا استشاريا وتوثيقيا وتنبيهيا وداعما لحركة الحكومات لمواجهة المخاطر التي تحيط بالثروة المتحفية، لكن لا نمتلك السلطة القانونية لكي نضغط على الدول لإرجاع هذه الآثار أو وقف الإتجار بها، نحن لسنا سلطة جذرية وإنما سلطة تقوم بجرد التحف حيث نتصل ونتواصل مع المتاحف لمدنا بقوائم القطع المنهوبة، ونقوم باتصالات مع الشرطة الدولية الانتربول، وللأسف الشرطة الدولية كثيرا ما تطلب تسليم صور ووثائق للقطع المنهوبة أو المسروقة، ولكن أغلب المتاحف العربية لا تقوم بهذا الجرد، تسرق منها قطعة فإذا طلبت منها فيشة أو بطاقة القطعة يردون عليك بأنه لم يكن تم جردها بعد ولا توجد لها صورة، كيف تريد مني أن أسترجع وأنت ليس لديك بطاقة لها أو صورة منها.

وأضاف "الأخطر مما سبق تلك الحفريات غير المرخص لها بشكل رسمي أو غير الشرعية، كتلك التي لديكم في صعيد مصر حيث يقوم بعض الأهالي بحفريات عشوائية، وتهرب، وهنا يتم اجتثاث الأثر من مصدره التاريخي ونفقد ربما فترة مهمة من التاريخ بسبب ذلك، فالتنقيب العشوائي وعدم أخذ بيانات ولا صور ولا غيره أمر كارثي لأننا لا نستطيع تسجيلها.

في الأيكوم الدولي نقوم بإصدار ما يسمى بالقوائم الحمراء، وفيها نصور القطع المتحفية الموجودة أصلا لكنها قد تكون مهددة بالفقد، ونعطي هذه القوائم للجمارك ورجال الحدود لكي تكون صورة تقريبية لربما إذا رأوها يستطيعون إيقاف هذه القطعة أو تلك قبل تهريبها.

وحول ما إذا كانت المنظمة وثقت ما خرج من العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها من الدول العربية، قال دهمالي: "وثقنا الكثير لكني أظن أننا لم نصل إلا إلى حتى 10 % مما تم إخراجه، المشكلة بالنسبة للعراق وسوريا مثلا هي الحدود والانفلات الأمني وما يسمى أيضا بالبعثات الدبلوماسية، فبعض البعثات الدبلوماسية تقوم بتهريب القطع، خاصة أنه لا يتم تفتيشها، لذا طالبنا مرارا وتكرارا بتفتيش حقائب المسئولين الديلوماسيين، وحتى لا نخلق حزازات سياسية فلتفتش حقائبهم فقط.

وأكد دهمالي أن الإمارات ودول الخليج بصفة عامة قامت بمجهودات كبيرا ووصلت إلى أن تكون متاحفها مطابقة للمعايير الدولية، أما بالنسبة للمقتنيات التي يتم عرضها، فمثلا متحف اللوفر بأبوظبي يأتي بشراكة مع متحف اللوفر بباريس وهناك اتفاقيات لتبادل القطع وتسليفها، وهذه بادرة مهمة جدا تخدم كل من أبوظبي وباريس ثقافيا وفنيا.

ولفت إلى أن توجيه خطاب للإرادات السياسية في العالم العربي بفتح وإنشاء وتأسيس المزيد من المتاحف أمر يفضل أن تقوم به جامعة الدول العربية من خلال منظمتها الألكسو، حيث إن المنظمة للأسف لا يوجد لديها تنسيق مع الحكومات العربية بل إن هناك صعوبة في التنسيق نتيجة الأحداث السياسية الجارية خاصة في العشرية الأخيرة، وكما أنه لا يوجد هناك خطاب موحد يمكن توجيهه للدول العربية، أيضا حين تذهب إلى جامعة الدول العربية يقولون لك أولوياتنا الآن ليس هي إنشاء متاحف، أولوياتنا تحقيق الأمن العسكري وإيقاف العمليات العسكرية والحروب، وكما أشرت الجميع يرى أن المتاحف جانب ترفيهي.

ونبه دهمالي إلى أن قلة المتاحف يترك المجال للمهربين، فعندما لا تجد القطع المتحفية مكانا توضع وتحفظ فيه فهي إذن تتعرض لمجال خصب من النهب والسرقة والإتجار. إن وجود المتاحف يعني استقبال هذه القطع وحفظها وصيانتها وحمايتها. وبالنهاية الأمر انعكاس للواقع، لأن الحكومات كما قلت لا تعتبر المتحف ترفيها وليس أولوية. يحدث هذا في الوقت الذي نشهد التصميم المعماري في البلدان الأوربية للمدن الجديدة يضع المتحف في مركز المدينة، وإلى جانبه دار ثقافة ومقهى ثقافي وغيرها، ليصبح المتحف هو الأساس في المدينة ككل، هذا التوجه المعماري أتمنى أن يكون في المدن الجديدة التي تنشأ في العالم العربي ليكون مركز المدينة مركزا ثقافيا إشعاعيا.

وطالب دهمالي ببعض الإجراءات العملية للتخفيف من ظاهرة التهريب والإتجار والتي يمكن اتخاذها على المستوى الوطني حيث إنه في معظم البلدان العربية يجد لصوص الآثار وسيلة تهريب الآثار مطمعا سهلا بسبب بساطة أو غياب أو طول إجراءات تنفيذ العقوبات المرتبطة بالإتجار غير الشرعي بالممتلكات الثقافي.

لذا يجب:

أولا: وضع أو تفعيل القوانين الوطنية للمحافظة على التراث الثقافي - وضع أو تفعيل القوانين الوطنية المنظمة لمهنة بائع التحف.

ثانيا: وضع أو تفعيل القوانين الوطنية المنظمة لصالات المزاد العلني.

ثالثا: فرض شهادة تصدير الممتلكات الثقافية المعدة من طرف اليونسكو ومنظمة الجمارك العالمية.

رابعا: وضع قوانين واتفاقيات للتنسيق بين مختلف المصالح الوطنية (وزارة الآثار، وزارة السياحة، وزارة التجارة، الشرطة، الجمارك، سفارات الدول العربية بالدول الغربية).

خامسا: تنظيم دورات تدريبة لرجال الجمارك للتمكن من التمييز بين مواد الصناعة التقليدية المصدرة والتحف الفنية المراد تهريبها.

سادسا: إنشاء شرطة خاصة بحماية الآثار لأن جل المواقع الاثرية العربية غير محمية.

سابعا: تكريم وتشجيع المواطنين لتسليم القطع الأثرية والمساعدة في التبليغ عن حالات السرقة والإرشاد والإبلاغ عن عمليات السرقة للتحف الفنية.

أما الإجراءات على المستوى الدولي، فناشد دهمالي جميع الدول العربية من أجل التوقيع على جميع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية والبروتوكولات الملحقة بها لحماية الممتلكات الثقافية:

- اتفاقية لاهاي لحماية التراث الثقافي في حال نزاع مسلح 1954 وبروتوكولاتها "1999 و1954".

- اتفاقية اليونسكو بشأن التدابير الواجب اتخاذها لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة 1970 (الدول العربية التي لم تنضم بعد لهذه الإتفاقية: اليمن - الصومال - الإمارات – البحرين – السودان" ــ

- اتفاقية المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص (يونيدروا) بشأن الممتلكات الثقافية المسروقة أو المصدرة بطرق غير مشروعة 1995.

- اتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه 2001 .

- اتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي 2003.

- اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي 2005 .

- مدونة السلوك الدولية الصادرة عن اليونسكو من أجل تجار الممتلكات الثقافية 1999.

ولاحظ همالي أن هناك دولا مثل :ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا وأميركا من مصلحتها عدم عودة هذه الآثار، وتعطل اتفاقية اليونسكو وتقول إن اتفاقية اليونسكو لا تتماشى مع القوانين والتشريعات الداخلية في كل دولة، مثلا بريطانيا أصدرت قانونا ينص على: إنه ليس من حق أي دولة استرداد قطعة أثرية موجودة في المتاحف البريطانية مضى عليها 50 سنة في بريطانيا، وهناك من يرى أن اتفاقية اليونسكو فضفاضة، فهي توصي بكل شيء، لكنها غير واقعية. وهناك مجموعة من الدول الكبرى قامت بعقد اتفاقيات على المستوى الأميركي والأوروبي فيما بينها بشكل إقليمي أو قاري لحماية ممتلكاتها هي ولكن ليس لحماية ممتلكات دول العالم الثالث، وهي دول الحضارات القديمة أصل.