المعروض: عراق يعيش الفراغ، المطلوب: دولة تملأ الفراغ

بغداد
حظوظ المالكي قليلة بولاية جديدة

في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة الامريكية لتنفيذ اولى خطوات الاتفاقية الامنية بانهاء وجودها العسكري وسحب قواتها القتالية من العراق بنهاية اغسطس اب المقبل يبدو احتمال ان يولد هذا فراغا بعيد المنال حيث بدأت قوى اقليمية من الان التصارع لملء هذا الفراغ.

معركة سد الفراغ بدأت بوادرها فعلا تزامنا مع الصراع الذي تشهده الساحة العراقية والمتمثل بانخراط الكتل السياسية التي فازت بالانتخابات التشريعية الاخيرة في مباحثات حقيقية لتشكيل حكومة قادمة حيث اظهرت دول اقليمية مساندتها لكتل بعينها لتشكيل الحكومة بما يتناسب ومصالح تلك الدول.

وزاد من حدة الصراع ان الانتخابات التشريعية التي جرت اوائل مارس اذار لم تسفر عن فوز واضح وصريح لاي من القوائم بما يمكنها من تشكيل حكومة بمفردها. كما ان الفشل في الاتفاق على رؤية مشتركة لمصالح واجندات الكتل السياسية يزيد من حدة الخلافات والانقسامات ويجعل تشكيل الحكومة في وقت قريب امرا صعب المنال.

وأدى هذا الانقسام والتشرذم واصرار الكتل على مواقفها وعدم ابداء اي كتلة مرونه في المفاوضات الجارية الان الى اقحام المشهد العراقي في ضبابية بات من المستحيل معها معرفة ما قد تجيء به الايام وهو ما فتح الباب واسعا امام قوى اقليمية ومجاورة للتدخل بقوة في الشأن العراقي وهو تطور عقد كثيرا المشهد العراقي وزاد من ضبابيته.

وقال محلل سياسي عراقي طلب عدم ذكر اسمه "قطار تشكيل الحكومة العراقية لن يكون عراقيا خالصا. فالقطار سينطلق من السعودية ليمر بايران وتركيا ثم سوريا قبل ان يحط الرحال في بغداد".

واضاف "دول اخرى اقليمية ودولية ستكون على متن العراق اهمها الولايات المتحدة".

ورغم فوز القائمة التي تضم شخصيات شيعية وسنية وتوصف بالعلمانية ويقودها رئيس الوزراء الاسبق اياد علاوي بالانتخابات بعد ان حصدت واحدا وتسعين مقعدا متقدمة بفارق مقعدين على قائمة رئيس الحكومة الحالي نوري المالكي الا ان هذا الفوز لن يمكن القائمة العراقية من المضي وحدها لتشكيل الحكومة.

ويتعين على علاوي الان التحالف مع قوائم اخرى لضمان حصوله على اغلبية داخل مجلس النواب القادم لتشكيل الحكومة.

ويجب على علاوي ضمان الحصول على 163 صوتا لتشكيل الحكومة حيث يبلغ عدد مقاعد المجلس القادم 325 مقعدا وهو امر يبدو مستحيلا خصوصا بعد اعلان اندماج الحليفين التقليديين الشيعيين وهما تحالف المالكي والائتلاف الوطني العراقي الذي حل ثالثا بحصوله على 70 مقعدا.

ورغم اتفاق جميع الكتل الفائزة على ان الحكومة القادمة ستكون حكومة شراكة وطنية تضم جميع الكتل وهو مفهوم لا يختلف كثيرا عن مفهوم حكومة المحاصصة الطائفية والعرقية التي شكلت بموجبها الحكومة الحالية قبل ما يقرب من اربع سنوات الا ان المشكلة الحقيقية هي تحديد هوية القائمة التي ستقود تشكيل الحكومة وبالتالي حصولها على منصب رئيس الحكومة.

ودعت واشنطن بعد الاعلان عن نتائج الانتخابات الاطراف العراقية الى تشكيل حكومة تضم الجميع و "تحترم ارادة الناخب العراقي" وهو تصريح فسره الكثير من المراقبين بانه يصب في مصلحة القائمة العراقية الفائزة بالانتخابات.

لكن دول الجوار خاصة ايران لها قول اخر في هذه المسألة بالذات. وتدعم ايران بقوة تشكيل حكومة عراقية موالية لها وهي بهذا تدعم بشكل واضح التحالف الذي شكله ائتلافا المالكي والوطني العراقي الذي يضم التيار الصدري والمجلس الاعلى الاسلامي العراقي.

ورغم ان الائتلافين اعلنا تحالفهما بعد الاعلان عن النتائج للوقوف امام فوز القائمة العلمانية العراقية والتي باتت توصف بانها القائمة السنية بسبب تصويت معظم الناخبين السنة لها الا ان تحالفهما مازال هشا بسبب الخلافات التي تعصف بهما وخاصة فيما يتعلق بالاتفاق على اسم مرشح لرئاسة الحكومة.

ويقول مراقبون سياسيون ان اصرار تحالف المالكي على جعله المرشح الوحيد لرئاسة الحكومة ادى الى استمرار الخلافات حيث تصر قوى الائتلاف الوطني على رفض المالكي مرشحا لرئاسة الحكومة المقبلة.

وزاد من حدة الصراع بينهما ان ايران اظهرت شيئا من الفتور تجاه ترشيح المالكي لولاية ثانية وهو مايؤكده مراقبون سياسيون قريبون من سير المباحثات بين الائتلافين.

وفي المقابل تطرح السعودية نفسها على انها تمثل رأس الرمح في معادلة الصراع الاقليمي مع ايران وتتابع عن كثب ما يجري في العراق وهي لا تخفي قلقها ازاء الدور الايراني المتعاظم هناك خاصة خلال هذه الفترة التي تتشكل فيها حكومة مقبلة.

وتسعى السعودية الى عدم تكرار ماحدث قبل اربع سنوات عندما ادى ابتعادها عن المشهد العراقي انذاك الى افساح المجال امام ايران لتلعب دورا محوريا وتهيمن على الساحة العراقية.

وعلى الرغم من ان السعودية وان كانت قد اعلنت بشكل رسمي انها تقف على الحياد من كل الكتل العراقية الا ان تصريحات صدرت من مسؤولين سعوديين كبار اظهرت ان الرياض تدعم قائمة علاوي لرئاسة الحكومة من اجل تقويض دور ايران في العراق.

وقالت جالا رياني الباحثة بمعهد (اي.اتش.اس) جلوبال اينسايت للدراسات العالمية ان المأزق الذي يعيشه العراق هو نتيجة عدم نضوج سياسي للساسة العراقيين يضاف اليه ضعف القوانين العراقية " وبروز الهويات العرقية والقومية والطائفية."

واضافت "بالتأكيد فان دول الجوار العراقي عملت بشكل او باخر على الاستفادة من الانقسامات الداخلية العراقية واستثمارها لمصلحتها لضمان عدم خسارتها في معادلة ميزان القوى داخل العراق".

ورغم تحسن الوضع الامني بشكل كبير في العراق خلال السنتين الماضيتين الا ان الوضع مازال هشا. ونظرة سريعة على مجمل الخسائر بين صفوف المدنيين في الشهرين الماضيين يظهر هشاشة هذا الوضع ويعكس بشكل واضح سعي المسلحين الى استثمار فراغ السلطة الذي يعاني منه العراق حاليا وتنفيذ عمليات مسلحة.

وحذر علاوي من مخاطر تجاهل فوز قائمته وعدم اعطائها الفرصة في تشكيل الحكومة. وقال علاوي ان تهميش فوز قائمته يعني "الانقلاب على الديمقراطية" وانه تطور سيؤدي مرة اخرى الى تدهور الوضع الامني العراقي وتأجيج الصراع الطائفي في العراق مرة اخرى.

وكان الامير تركي الفيصل الرئيس السابق لجهاز المخابرات السعودي قد اتهم قبل اسابيع المالكي بانه يحاول "اختطاف" الانتخابات العراقية وسلب حق الشعب العراقي في تشكيل حكومة وفق الاستحقاق الانتخابي في اشارة الى قائمة علاوي باعتبارها القائمة الفائزة بالانتخابات.

وازاء هذه التصريحات لم يتردد المالكي الذي غالبا ما يتهم دولا خليجية بتقديم مساعدات للمسلحين السنة في وصف الامير تركي في لقاء تلفزيوني قبل ايام بأنه يتصرف وكأنه جزء من مكون عراقي في اشارة الى السنة العرب.

وقال نبيل ياسين المحلل السياسي العراقي "شئنا ام أبينا فان القضية العراقية لم تعد قضية داخلية عراقية بحتة".

واضاف "دول اقليمية ودولية اصبحت من اللاعبين البارزين في المشهد العراقي وهذا ما يعقد القضية العراقية ويجعل عملية التنبؤ بما قد يحصل في العراق امرا صعبا جدا".

وتشير كل التوقعات ان السعودية وايران قد اعدا العدة ومنذ مدة لتفعيل دوريهما في العراق وملء الفراغ الذي سيخلفه قيام واشنطن بسحب قواتها القتالية من العراق حسب الاتفاقية الامنية الموقعة بين البلدين.

ويقول مراقبون انهما ليستا الدولتين الوحيدتين في هذا الشأن.

فسوريا هي الاخرى سيكون لها دور في هذا الشأن وهي الدولة التي برزت كلاعب بارز في الشأن العراقي باحتضانها العديد من القياديين السابقين لحزب البعث.

وتتهم حكومة المالكي سوريا بانها تسهل لهؤلاء العمل وتنفيذ عمليات مسلحة دامية في العراق وهي اتهامات ترفضها دمشق ودفعت بها مؤخرا الى عدم اظهار اي حماس لترشيح المالكي لولاية ثانية.

ومع سوريا تقف تركيا كلاعب مرشح قوي للقيام بدور محوري في المشهد العراقي. وتنظر تركيا بكثير من القلق للطموحات الكردية المتعاظمة في شمال العراق وخصوصا دعوة الاكراد المتكررة لضم محافظة كركوك الغنية بالنفط لاقليم كرستان العراق.

وتسعى تركيا وهي تحاول جاهدة استئصال وجود متمردي حزب العمال الكردستاني على شريطها الحدودي مع العراق الى وجود حكومة مركزية قوية قادرة على كبح جماح تعاظم الطموحات الكردية في الشمال والوقوف بوجهها.

وفي تصريحات قوية ندد المالكي بمحاولات البعض لتدويل الازمة العراقية.

وقال المالكي قبل ايام قليلة في مؤتمر عقد في محافظة السليمانية "الذين يهددون بوعي وبدون وعي بالعنف والحرب الاهلية ويطالبون بالتدخل الاجنبي... والاستقواء بالخارج.. لا ينتهكون السيادة الوطنية فحسب انما يمهدون للاحتراب الداخلي ولصراعات اقليمية ودولية على الساحة العراقية ويساهمون بتفتيت الوحدة الوطنية".

وبالمقابل رد علاوي بأن المسألة العراقية لم تعد شأنا داخليا وخاصة منذ قيام امريكا بغزو العراق عام 2003 .

وقال علاوي في تصريحات تلفزيونية لقناة العراقية الرسمية قبل ايام "القضية العراقية مدولة منذ العام 2003" في اشارة للغزو الامريكي للعراق.

واضاف "دعوة المجتمع الدولي لتنفيذ التزاماته التي قطعها على نفسه تجاه العراق لا يعني فتح الباب للتدخل الاجنبي في العراق".